ليس من السهل أن تكتب عن أستاذك، ولا عن الرجل الذى لم يعلّمك المهنة فقط، بل غيّر مسار حياتك المهنية، وأمسك بيدك فى اللحظة الفاصلة بين الهواية والاحتراف، وبين البدايات المترددة والطريق الواضح. أتحدث عن أستاذى الأستاذ جلال السيد، عميد المحررين البرلمانيين، واحدًا من هؤلاء القلائل الذين لا يمرون فى حياة تلاميذهم مرورًا عابرًا، بل يتركون أثرًا عميقًا، إنسانيًا ومهنيًا، يلازمهم ما بقى فى الذاكرة نبض. عرفته أستاذًا، وعرفته إنسانًا، وعرفته صحفيًا من زمن الكبار؛ زمن عمالقة الصحافة وأساتذة الإعلام، حين كانت الكلمة مسئولية، والخبر موقفًا، والصحفى شاهدًا لا مجرد ناقل. بدأت علاقتى به عام 87.. العام الذى شكّل نقطة التحول الأهم فى مسيرتى الصحفية. كنت آنذاك آتى من عالم الصحافة الفنية. أطرق أبواب الصحافة بخطوات مترددة، حتى جاء قراره الذى غيّر كل شىء لى.. اختارنى للعمل محررًا برلمانيًا، وحوّل بوصلة عملى الصحفى من الفن إلى الشأن البرلمانى والسياسى، مؤمنًا بقدرتى على خوض هذا المجال الصعب والدقيق. لم يكتفِ بالاختيار، بل أشركنى عمليًا فى تغطية الانتخابات البرلمانية التى جرت آنذاك بنظام القائمة النسبية المطلقة، وهى تجربة كانت مدرسة حقيقية فى فهم السياسة، وقراءة المشهد العام، والتعامل مع الحدث لا كخبر عابر، بل كجزء من تاريخ يُكتب. ومنها انتقلت إلى تغطية نشاط مجلس الشعب فى ذلك الوقت، حيث تعلمت على يديه معنى الصحافة البرلمانية الحقيقية وفهمت معنى السياسة وتعلمت كيف تُقرأ الجلسات، وكيف تُفهم الكواليس، وكيف يُصاغ الخبر دون تهويل أو انحياز، ودون أن تفقد الكلمة شرفها أو معناها. كان صارمًا فى المهنة، لكنه إنسانى إلى أبعد حد. يعلمك بالقسوة أحيانًا، وبالاحتواء دائمًا. يخطئك إن أخطأت، ويدافع عنك إن أصبت، ويمنحك الثقة حين تحتاجها أكثر من أى وقت آخر. استمرت علاقتنا منذ ذلك العام، علاقة تلميذ بأستاذه، وصديق بأخيه الأكبر، حتى رحيله بعد مشوار صحفى طويل وحافل، ترك فيه بصمته الواضحة فى بلاط صاحبة الجلالة، وفى قلوب من تتلمذوا على يديه. برحيل الأستاذ جلال السيد، لم نفقد محررًا برلمانيًا كبيرًا فقط، بل فقدنا نموذجًا نادرًا للصحفى المعلم، الذى يؤمن بأن صناعة الصحافة لا تكون بالعناوين، بل بصناعة البشر. رحل الجسد، وبقى الأثر... وبقى الدرس... وبقى الامتنان الذى لا يشيخ. رحم الله الأستاذ جلال السيد، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدمه للصحافة وتلاميذها فى ميزان حسناته.