وداعا أيها العام.. دخلت ثقيلا وخرجت مثقلا بالذكريات. وأهلا بعام جديد نضع فيه أيدينا على قلوبنا، ونمضى، يمضى العام كما يمضى الأب حين يقرر الغياب الأخير، بلا ضجيج، وبلا فرصة أخيرة للكلام. عام مر، ثقيلا كالصمت بعد الفقد، بطيئا كخطواتى حين أعود إلى بيت لم يعد فيه صوت أبى. فى هذا العام، فقدت أبى، ترك فراغا يتسع كلما حاولت تجاهله. غيابه لم يكن صاخبا، كان صامتا إلى حد موجع، كأن العالم قرر فجأة أن يخفض صوته احتراما لحزن لا يقال. كان أبى حاضرا فى كل التفاصيل التى صارت ناقصة، فى الدعاء الذى يخرج مرتبكا، وفى الأمان الذى لم يعد يجلس فى مكانه القديم، وفى البيوت التى لا تغلق أبوابها كما كانت. لم أبكِ كما ينبغى، ولم أصرخ كما فى الأفلام، الحزن الحقيقى لا يفعل ذلك. الحزن الحقيقى يجلس بهدوء، ويتركك تكتشف وحدك أنك لم تعد كما كنت، مر العام وأنا أجر أيامى جرا، أبتسم حين يجب، وأصمت أكثر مما أتكلم، وأتعلم كيف أعيش وقلب كامل غادر المكان. لم أفقد أبى فقط فقدت الدعاء الذى كان يسبقنى، والأمان الذى كان يجلس صامتا فى الركن، واليد التى كانت تطمئننى دون أن تلمسنى. هذا العام علمنى أن الحزن لا يشيخ، ولا يخاف، وأن الاشتياق شكل آخر للبكاء لا تراه العيون. كان هذا العام مثقلا بالخفقات، ضحكات ناقصة، أعياد مبتورة، وذكريات تأتى فجأة بلا استئذان. عام ودعنا فيه أحباء، وغابت فيه وجوه كنا نظنها باقية، وتعلمنا فيه قسوة الفقد دون دروس تمهيدية. ومع ذلك لم يكن عاما بلا معنى. ففى الألم حكمة، وفى الفقد ترتيب جديد للقلب، وفى كل دمعة صلاة لا تسمع لكنها تستجاب. نودع عاما مضى بكل ما حمله من وجع، ونفتح الباب لعام جديد لا نطلب منه المعجزات، بل نرجوه أرحم أهدأ أكثر إنسانية. نرجو عاما يسود فيه الحب، لا كشعار، بل كقيمة حقيقية تظهر فى التعامل، وفى احترام الضعف، وفى التراحم بين الناس. ونرجو لمصر أن تبقى محفوظة بين سطور القرآن، محاطة بعناية الله، صامدة رغم التعب، وقادرة على العبور. ومع نهاية العام لا أملك إلا أن أضع وجعى على عتبة السماء، وأقول يا الله كن رحيما بمن رحلوا، وبنا نحن الذين بقينا نشتاق.