فى لحظة دولية شديدة الاضطراب، تتسم بتفكك منظومات الاستقرار التقليدية، وتصاعد الاستقطاب الدولي، واحتدام الصراعات الإقليمية، يأتى كتاب «الاتزان الاستراتيجي»، الذى أصدرته وزارة الخارجية، ليقدم قراءة شاملة ومؤسِّسة لمسار السياسة الخارجية المصرية خلال العقد الأخير، باعتبارها نموذجًا مختلفًا فى إدارة العلاقات الدولية، يقوم على التوازن، والاستقلالية، وتغليب المصلحة الوطنية. اقرأ أيضًا | وزير الخارجية: تبادل الأسرى والمحتجزين في اليمن خطوة تدعم جهود التسوية يبرز الكتاب بوصفه وثيقة فكرية وتحليلية مهمة، لا تكتفى بسرد الوقائع أو استعراض المواقف، وإنما تقدم إطارًا فكريًا متكاملًا، يشرح كيف أعادت مصر صياغة عقيدتها الدبلوماسية لتواكب واقعًا دوليًا لم يعد يحتمل سياسات الاصطفاف الحاد أو الارتهان لمحاور متصارعة. من المفهوم إلى العقيدة ينطلق الكتاب من مفهوم «الاتزان الاستراتيجي» الذى أرساه الرئيس عبد الفتاح السيسي، وأصبح جوهر العقيدة الحاكمة للسياسة الخارجية المصرية، وهو مفهوم لا يقتصر على إدارة الأزمات، بل يمثل رؤية متكاملة لكيفية تموضع الدولة المصرية فى نظام دولى متغير، يرفض منطق الاصطفاف الحاد، ويسعى إلى بناء علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية، دون التفريط فى الثوابت الوطنية أو اعتبارات الأمن القومي. ويؤكد الكتاب أن الاتزان الاستراتيجى لا يعنى الحياد السلبي، بل هو حركة محسوبة بين القوى الدولية والإقليمية، قائمة على تنويع الشراكات، والانفتاح على الجميع، مع الاحتفاظ بهامش قرار وطنى مستقل. من إدارة الأزمات إلى بناء العقيدة يوضح الكتاب أن السياسة الخارجية المصرية شهدت تحولًا نوعيًا خلال العقد الأخير، انتقلت فيه من منطق إدارة الأزمات إلى بناء عقيدة استراتيجية متكاملة، قوامها الاتزان، والاستقلالية، وتغليب المصلحة الوطنية. كما يؤكد أن مفهوم الاتزان الاستراتيجى لم يظهر كاستجابة ظرفية لضغوط دولية أو إقليمية، بل جاء نتيجة إدراك عميق لطبيعة المرحلة، ولحدود القوة فى عالم يعانى من فراغ القيادة الدولية، وتناقض المصالح بين القوى الكبرى. استقلال القرار الوطنى كركيزة أساسية يضع الكتاب استقلال القرار الوطنى فى صدارة ركائز السياسة الخارجية المصرية، موضحًا أن مصر سعت منذ عام 2014، إلى استعادة هامش حركتها الاستراتيجية بعد سنوات من الارتباك والضغوط المتراكمة. ويبرز كيف انعكس هذا الاستقلال فى: -رفض الإملاءات السياسية -تنويع مصادر السلاح -تنويع الشراكات الاقتصادية -إعادة تعريف العلاقات مع القوى الكبرى على أساس المصالح المتبادلة. ويرى الكتاب أن هذا النهج مكّن مصر من تقليل كلفة الضغوط، ومنحها مساحة أوسع للمناورة فى ملفات شديدة التعقيد. الدولة الوطنية.. حجر الزاوية يولى الكتاب أهمية خاصة لمبدأ الحفاظ على الدولة الوطنية ومؤسساتها، باعتباره أحد أعمدة الاتزان الاستراتيجي، ويبرز كيف تبنت مصر موقفًا ثابتًا يقوم على رفض تفكيك الدول أو إسقاط مؤسساتها، لما يحمله ذلك من مخاطر الفوضى، وصعود الميليشيات والتنظيمات الإرهابية، وتفشى الصراعات الطائفية والعرقية. ويحلل الكتاب تطبيقات هذا المبدأ فى ملفات: ليبيا والسودان وسوريا واليمن حيث دعت القاهرة باستمرار إلى الحلول السياسية، وملكية الشعوب لمسارات التسوية، ورفض أى تدخلات خارجية تفرض حلولًا تتناقض مع مصالح الدول الوطنية. القضية الفلسطينية.. ثبات الموقف وفاعلية الدور تحتل القضية الفلسطينية مكانة مركزية فى الكتاب، باعتبارها جوهر الصراع فى الشرق الأوسط، واختبارًا حقيقيًا لفاعلية الاتزان الاستراتيجي. ويرصد الكتاب تطور الدور المصرى من وسيط تقليدى إلى فاعل سياسى مؤثر، استطاع: -قيادة جهود وقف إطلاق النار فى غزة -الوساطة بين الأطراف المختلفة -إدخال المساعدات الإنسانية -التصدى لمحاولات التهجير القسري -إعادة التأكيد على حل الدولتين كمرجعية نهائية ويؤكد أن مصر نجحت فى حشد دعم إقليمى ودولى واسع لمواقفها، وترسيخ رؤيتها بأن أى تسويات مؤقتة لا يمكن أن تحل محل الحل العادل والشامل. دوائر التحرك الخارجي ينقسم الكتاب إلى ثمانية فصول ترصد تطبيقات الاتزان الاستراتيجى فى دوائر متعددة، من بينها: المحيط العربي: استعادة زمام المبادرة، ودعم الاستقرار، وتعزيز العمل العربى المشترك. القارة الإفريقية: عودة قوية للدور المصرى عبر التنمية، والبنية التحتية، والدبلوماسية الرئاسية. أوروبا: الانتقال من علاقات الجوار إلى شراكات استراتيجية قائمة على المصالح المتبادلة. آسيا: تنويع الشراكات مع القوى الصاعدة فى نظام دولى متعدد الأقطاب. الولاياتالمتحدة: شراكة ممتدة قائمة على التوازن والاحترام المتبادل. المنظمات الدولية: الدفاع عن النظام الدولى متعدد الأطراف، وتفعيل دور الأممالمتحدة. مكافحة الإرهاب.. مقاربة شاملة يتناول الكتاب رؤية مصر لمكافحة الإرهاب باعتبارها معركة شاملة لا تقتصر على المواجهة الأمنية، بل تمتد إلى الأبعاد الفكرية والتنموية والاقتصادية، مع التأكيد على أن تجفيف منابع الإرهاب يتطلب معالجة جذوره السياسية والاجتماعية، ومحاسبة الدول والكيانات التى توفر له الدعم أو الغطاء. الدبلوماسية الاقتصادية والبيئية: يناقش الكتاب صعود الدبلوماسية الاقتصادية والبيئية كأحد المحاور الرئيسية للسياسة الخارجية المصرية، عبر: جذب الاستثمارات: دعم مشروعات التنمية المستدامة الدفاع عن مصالح الدول النامية فى قضايا التمويل والمناخ المطالبة بنظام اقتصادى دولى أكثر عدالة قيمة الكتاب: يمثل كتاب «الاتزان الاستراتيجي» وثيقة فكرية وسياسية مهمة، لأنه: يوثق تحولات جوهرية فى السياسة الخارجية المصرية، ويربط بين الرؤية النظرية والتطبيق العملي يقدم مرجعًا لصناع القرار والباحثين والصحفيين. ويعكس تصور مصر لدورها كقوة استقرار وتوازن فى محيط مضطرب. الخاتمة: مصر كقوة توازن: يخلص الكتاب إلى أن الاتزان الاستراتيجى لم يعد مجرد اختيار سياسى مرحلي، بل نهج دائم فى إدارة علاقات مصر الخارجية، يوازن بين المبادئ والمصالح، ويؤكد حضور الدولة المصرية كفاعل مستقل، قادر على المناورة، وصناعة التوافقات، وحماية أمنه القومى فى عالم لا يعترف إلا بالقوى المتزنة.