علاقتنا بمن حولنا ليست مساحة عاطفية مفتوحة بلا حساب، ولا مسألة عفوية تُترك للاندفاع أو النوايا الطيبة وحدها، بل معادلة دقيقة، تحتاج إلى وعى وحساب، فالعلاقة غير المنضبطة قد تُنهك أكثر مما تمنح، وتُوجِع أكثر مما تُنقذ، والعلاقات غير المحسوبة قد تتحول من مساحة أمان إلى ساحة استنزاف، ومن ملاذ إنسانى إلى عبء ثقيل. لذلك، يصبح الاقتراب فعلًا محسوبًا، لا اندفاعًا عاطفيًا، ولا انغلاقًا باردًا. نحن نعيش وسط شبكة معقدة من التفاعلات الإنسانية، يحمل كل فرد فيها أشواكه الخاصة: مخاوفه، تجاربه المؤلمة، عيوبه التى لم يُصلحها الزمن، وحساسيته التى تشكلت بفعل الخذلان. لا أحد يخلو من حواف مؤلمة. ومع ذلك لا نستطيع أن نُقيم أسوارًا عالية تعزلنا عن الآخرين، لأن الوحدة أشد قسوة من أى وخز عابر. وفى الوقت ذاته لسنا مطالبين بأن نُسلم أرواحنا عارية لكل من يطرق أبوابنا، هنا تمامًا تتجلى حكمة القرب المحسوب؛ ذلك التوازن الدقيق بين الاحتياج والحذر، والانفتاح وصون الذات. علاقات البشر تشبه حال «القنافذ» فى مواجهة البرد القارس؛ فكل واحد منها محاط بأشواكه، لا رغبة فى الإيذاء، بل غريزة للحماية. وحين يشتد البرد، لا تجد «القنافذ» ملاذًا سوى الاقتراب من بعضها، رغم ما يحمله القرب من وخز وألم. لكنها تدرك بالفطرة أن العزلة موت بطيء، وأن الدفء لا يُنال بلا ثمن، هكذا نحن نحتاج بعضنا رغم خيباتنا، ونلوذ بالآخرين رغم تجارب الخذلان. من يبحث عن صديق بلا هفوة، أو شريك بلا نقص، إنما يبحث عن وهم. البشر بطبيعتهم ناقصون، وما يمنح العلاقات قيمتها ليس كمالها، بل قدرتها على الاحتمال المتبادل، والتغاضى الذى لا يُلغى الكرامة ولا يُهدر الحدود. ولعل أجمل ما نتعلمه ألا نفسّر كل تصرّف، ولا نُخضع كل علاقة لمجهر الشك. فبعض الأشياء تُفقد معناها حين نبالغ فى تحليلها. يكفينا أن نرى الخير الذى يُقدَّم لنا، وأن نمنح بدورنا قدرًا من التسامح. الحكمة ليست فى الانسحاب ولا فى الارتماء الكامل، بل فى تلك المسافة الذكية بين القرب والبعد. أن نقترب بقدر ما يمنحنا الحياة، وأن نبتعد بقدر ما يحفظ كرامتنا. أن نقبل وخز الأشواك الصغيرة، ما دام الدفء الإنسانى أكبر وأبقى، فالحياة لا تُعاش بلا أشواك، لكنها أيضًا لا تُحتمل دون دفء، هكذا فقط تستقيم العلاقات، وهكذا فقط نحيا دون أن نموت بردًا أو نزفًا.