تتحرك كندا بخطوات متسارعة نحو إعادة رسم سياستها الحدودية والهجرية، في تحول يثير جدلًا واسعًا داخل الأوساط الحقوقية والقانونية، ويطرح تساؤلات جدية حول مستقبل حماية اللاجئين في البلاد. فبعد سنوات من تقديم نفسها كنموذج إنساني منفتح، تجد أوتاوا نفسها اليوم أمام مشروع قانون يُنظر إليه على أنه الأقرب إلى النموذج الأمريكي المتشدد في إدارة الحدود والهجرة، وسط مخاوف من أن تتحول سياسات اللجوء من آلية حماية إلى أداة إقصاء. وبحسب صحيفة «الجارديان» البريطانية، فإن مشروع القانون الكندي الجديد لا يكتفي بتشديد الإجراءات، بل يعيد صياغة فلسفة التعامل مع طالبي اللجوء، في توقيت حساس تشهده البلاد مع تصاعد أزمة المعيشة والضغوط السياسية المرتبطة بالهجرة. اقرأ أيضًا: ترامب يعقد لقاء ثلاثيا مع رئيس وزراء كندا ورئيسة المكسيك تشريع جديد يثير القلق الحقوقي تسعى الحكومة الليبرالية الكندية إلى تمرير مشروع قانون شامل يستهدف منظومة اللجوء، في خطوة يخشى مراقبون أن تمثل بداية حقبة جديدة من سياسات الحدود الصارمة على النمط الأمريكي، بما قد يغذي خطاب كراهية الأجانب ويحوّل المهاجرين إلى كبش فداء للأزمات الداخلية. ويحمل التشريع اسم مشروع القانون C-12، أو «قانون تعزيز نظام الهجرة والحدود في كندا»، ويتضمن حزمة واسعة من التعديلات التي تمس أمن الحدود، إلى جانب فرض قواعد جديدة تتعلق بعدم أهلية بعض طالبي اللجوء للحصول على الحماية. مسار تشريعي متسارع تم تمرير مشروع القانون بسرعة لافتة داخل البرلمان الكندي، إذ أُقرّ في القراءة الثالثة بمجلس العموم في 11 ديسمبر، قبيل بدء العطلة البرلمانية، ومن المقرر أن يُعرض على مجلس الشيوخ في فبراير المقبل، وفي حال الموافقة عليه، سيدخل حيّز التنفيذ فورًا. هذا التسارع في إقرار التشريع أثار انتقادات واسعة، خاصة في ظل غياب نقاش مجتمعي معمّق حول تداعياته القانونية والإنسانية. انتقادات قانونية: توسّع غير مسبوق للسلطة التنفيذية وصفت إيديل أتاك، أستاذة قانون اللاجئين وحقوق الإنسان بجامعة تورنتو متروبوليتان، مشروع القانون بأنه يمثل تراجعًا خطيرًا في مستوى حماية اللاجئين بكندا، معتبرة أنه يفتح الباب أمام توسّع غير مسبوق في صلاحيات السلطة التنفيذية. وأوضحت أتاك أن التشريع يمنح الحكومة سلطات أوسع لتبادل معلومات اللاجئين بين الجهات المختلفة، إلى جانب القدرة على التحكم في وثائق وإجراءات الهجرة، بما يشمل تعديلها أو إلغائها أو تغيير مسارها بالكامل، دون ضمانات كافية للشفافية أو الطعن. تغييرات جوهرية في آلية طلب اللجوء من أبرز التعديلات المثيرة للجدل، أن طلبات اللجوء التي تُقدَّم بعد مرور أكثر من عام على دخول الشخص إلى كندا، لن تُحال إلى مجلس الهجرة واللاجئين، وهو الهيئة المختصة بالفصل في هذه القضايا، بل ستُحال إلى ضابط هجرة واحد لإجراء ما يُعرف ب«تقييم المخاطر قبل الترحيل». وتشير تقارير قانونية إلى أن هذا النوع من التقييمات يعتمد على مراجعة مكتبية للملف فقط، دون جلسة استماع فعلية، كما يتميز بمعدلات رفض مرتفعة للغاية، وفق مقال رأي وقّعه 40 محاميًا وممارسًا قانونيًا في صحيفة «تورنتو ستار». استدعاء فصول مظلمة من تاريخ الهجرة الكندية حذّر كُتّاب المقال من أن القانون الجديد يعيد إلى الأذهان فترات مقلقة من تاريخ كندا، حين استُخدمت سياسات الهجرة كأداة إقصاء استهدفت مجموعات عرقية بعينها، خاصة في مطلع القرن العشرين، بما شمل مهاجرين من جنوب آسيا والصين واليابان. وأوضحت أودري ماكلين، أستاذة قانون الهجرة واللاجئين بجامعة تورنتو، أن هناك أسبابًا واقعية ومعقدة قد تمنع الأشخاص من التقدم بطلب لجوء فور وصولهم إلى كندا. وضربت مثالًا بطالب ينتمي إلى أقلية جنسية مضطهدة، قد يشعر بالأمان للمرة الأولى في كندا، ولا يدرك خطورة العودة إلى بلده إلا بعد أن يعيش علنًا بهويته، وهو ما قد يدفعه لاحقًا لطلب اللجوء. الطلاب الدوليون تحت ضغط القوانين الجديدة ومع فرض كندا قيودًا صارمة على أعداد الطلاب الدوليين منذ عام 2024، قد يجد بعض هؤلاء أنفسهم مضطرين للتقدم بطلب لجوء، إلا أن مشروع القانون C-12 يضع أمامهم عقبات كبيرة، قد تمنعهم فعليًا من الحصول على حماية قانونية حقيقية. وكشفت صحيفة «تورنتو ستار» أن كندا رحّلت نحو 18 ألف شخص خلال عام 2024، وهو أعلى رقم منذ فترة حكومة ستيفن هاربر (2006 – 2015). وبحسب التقارير، بلغت تكلفة عمليات الترحيل نحو 78 مليون دولار، بزيادة تقارب 50% مقارنة بعام 2019، ما يعكس تصاعدًا واضحًا في الاعتماد على الترحيل كأداة سياسية وإدارية. وترى ماكلين أن آلية «تقييم المخاطر قبل الترحيل» لا تتيح لطالبي اللجوء فرصة عادلة لسرد قصصهم، بل تهدف عمليًا إلى تسريع إخراجهم من البلاد. حدود برية وقواعد أكثر صرامة أحد أكثر بنود القانون إثارة للجدل يتعلق بطالبي اللجوء القادمين عبر الحدود البرية مع الولاياتالمتحدة، حيث ينص على عدم إحالة طلباتهم إلى مجلس الهجرة إذا قُدمت بعد مرور 14 يومًا فقط. ويأتي ذلك في إطار اتفاقية «البلد الثالث الآمن» بين كنداوالولاياتالمتحدة، التي تُلزم اللاجئين بطلب الحماية في أول بلد آمن يصلون إليه. هل الولاياتالمتحدة دولة «آمنة»؟ أكدت ماكلين أن الولاياتالمتحدة لم تستوفِ يومًا المعايير الكاملة للدولة الثالثة الآمنة، مشيرة إلى أن سياسات إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE)، خاصة تسريع الترحيل دون إجراءات قانونية كافية، تجعلها «غير آمنة بشكل صارخ» لطالبي اللجوء. وترى أن رفض الأشخاص لمجرد عدم تقديمهم طلب اللجوء في الولاياتالمتحدة يُعد ظلمًا واضحًا، خاصة في ظل المناخ السياسي والأمني هناك. تحميل المهاجرين مسؤولية أزمة المعيشة اعتبر سيد حسان، المدير التنفيذي لتحالف العمال المهاجرين من أجل التغيير، أن التشريع يعكس خطابًا سياسيًا مشتركًا بين الليبراليين والمحافظين، يقوم على تحميل المهاجرين مسؤولية أزمة غلاء المعيشة. وقال: «بدلًا من مساءلة الشركات الكبرى أو الرؤساء التنفيذيين، يجري توجيه الغضب الشعبي نحو المهاجرين...، الجميع يُخدع لإلقاء اللوم في الاتجاه الخطأ». رضوخ سياسي وضربة لصورة كندا ترى أتاك، أن مشروع القانون يبدو أيضًا محاولة غير مباشرة لإرضاء إدارة ترامب عبر تشديد الحدود، في ظل تعثر التوصل إلى اتفاق تجاري بين البلدين. لكنها حذرت من أن هذا المسار يقوّض صورة كندا كدولة مضيافة، ويتعارض مع التزاماتها الدولية تجاه حماية اللاجئين، قائلة: «لدينا التزام أخلاقي وقانوني بحماية اللاجئين... وما يحدث الآن يمثل تراجعًا خطيرًا عن هذا الدور».