إذا تأملنا- معاً - مشاهد وأحداث 2025، فإنها دون تهويل أو مبالغة تتجاوز كل حدود مسرح العبث واللا معقول! ليس من شيمتى التردد، ولم أضبط نفسى يوماً أجنح للتشاؤم، لكن ماذا عساى أن أفعل، وجُل ما يلون المشاهد عبر 2025 مخيف، يدفعك للتأمل، وإجالة العقل والبصر، فيما تسمع وترى، فيما تعانى وتكابد، كأنك قابض على جمر، فتحاور نفسك، وتدير حديثاً هامساً أو زاعقاً مع الذات، لتستوعب وتعى حقيقة ما يجرى. لم أعتد أن أنظر خلفى بغضب، بل على العكس أمد بصرى للمقبل من الأيام بتفاؤل، وإن كان حذراً، إلا أن الرهان على قطيعة بين الراهن الكئيب، والآتى حاملاً الأمل يتطلب معجزة، وقد غادرنا عصر المعجزات! حزمت أمرى، غادرت ترددى، غير أنى لم أستطع أن أتخلى عن نظرة غاضبة، بل حانقة جراء ما عاناه البشر- فى أغلبهم - على اختلاف مواقعهم على خطوط الطول والعرض، مما لم يعانيه بنى الإنسان منذ قرون طويلة. أن تكون فى موقع المراقب أو المتابع أو المحلل شىء، وأن تكون بين من يعانون، بل تتفوق عليهم لأن معاناتك مزدوجة، مرة بحكم الوعى، والثانية لأنك بصورة أو أخرى تكابد كما عموم البشر، تحت سماء نفس العالم، الذى بلغ مفترقاً تاريخياً، يلح عنده سؤال: أى مستقبل ينتظر الإنسانية المُهددة المُعذبة؟ - يصعب على المرء أن يجازف بإجابة تدعو للطمأنينة، لأن مشاهد 2025، وأحسبها عابرة للزمان والمكان، سوف تكمل مساراتها- التى تبدو إجبارية- لعقود قادمة! «التوحش».. كلمة العام لخصت فى آخر يوميات نُشرت عام 2024، السنة كلها فى كلمة واحدة هى: الإبادة، ولم أكن أتصور فى أكثر خيالاتى ظُلمة أن يتعمق ما تشير إليه الكلمة، ويتسع كل هذا المدى خلال 2025. «الإبادة» تجاوزت بكثير ملامحها المحفورة فى اللحم الحى، حين حل علينا هذا البائس الذى يوشك أن يغادرنا غير مؤسف على أيامه، ليصطبغ وجه العالم بآثار إبادة من الجذور للقيم الأخلاقية، بل وروح الحضارة الإنسانية، بصورة غير مسبوقة عبر التاريخ المُسجل. غاب الضمير، بعد رحلة سريعة مع الضمور، فتوالت التوابع بشعة، إذ أعقب ذلك غياب الرحمة والتسامح، وزوال العدل والحرية، واختفاء الأمان والأمل، والحبل على الجرار! غاب الحوار الحقيقى، ليحتل مكانه حوار مزيف قائم على الإملاء، والاستقواء، وفرض إرادة القوى بلا حق، على من يملك الحق دون درع يحميه، فأصبحت الهيمنة والغطرسة وفرض الأمر سمات تتسيد المشهد، وتحت ظلالها تُباد الحقوق، ومن ثم غاب التعايش القائم على إرادة إنسانية حرة مشتركة، بعيداً عن ضغوط يمارسها بسفور من يحتكر أدوات القوة الغاشمة، ولا يكف عن التلويح بسيف الحرب، وحتى حين يأتى على ذكر السلام فتحت حراب القوة! استيقظت البشرية على كابوس، فحروب الإبادة لم تقتصر على استهداف البشر والحجر والشجر فحسب، وإنما أصبحت تستهدف القيم الأخلاقية جميعها، حتى ساد «التوحش المتوحش»، إذا جاز التعبير، ليحكم ما يُسمى بالمجتمع الدولى! عند هذا المنعطف يمكن أن نلخص 2025 فى كلمة: «التوحش».. أظنها ما يليق بهذا العالم، بعد أن سقطت آخر أوراق التوت البالية، عن العورات الفاضحة لحضارة الغرب العنصرية متعددة المعايير لا مزدوجتها، فلم تعد تعنى نظمه الحاكمة الرأى العام حين يستيقظ ضميره من سبات عميق بفعل تزييف مُمنهج لوعيه، ولا يعنيه- كذلك - حقوق الإنسان من حيث هو إنسان، بعيداً عن لونه وجنسه ودينه وعرقه وانتماءاته، وإنما فقط موقعه، من منظور الطغمة المتجبرة التى تهيمن على مقدرات الإنسانية- بمنتهى الوحشية - فى ظل تغييب القيم الأخلاقية التى تميز البشر عما سواهم، فسادت قوانين الغاب، وأصبحت شريعتهم! 2025 لحظة فارقة بالنسبة للقيم الفطرية فى النفس البشرية - كما سواها الخالق العظيم - فقد كانت فى أصلها خيرة، بينما الشر طارئ، فانقلبت الآية ليفرض الشر سطوته المطلقة! 2025 لحظة فارقة إذا تأملنا- معاً- مشاهد وأحداث 2025، فإنها دون تهويل أو مبالغة، تتجاوز كل حدود مسرح العبث، واللا معقول، وأحسب أن عتاة كُتاب هذا اللون من الفن المسرحى، يعجزون عن مجاراة واقع تجاوز كل جموح سخرياتهم وسودوياتهم، فعوالمهم كانت أكثر معقولية، وأقل عبثية مما أصبح عليه العالم اليوم! ودون استئذان، تقفز من الذاكرة العميقة مقولة توينبى الخالدة: «إن الحضارة تسقط حين تتخلى عن القيم العليا التى أُنشئت على أساسها».. كلمات موجزة تكثف بعمق المنحدر الذى بات يقود البشرية إلى هاوية سحيقة بلا قرار! أظن أن هذه الصرخة لن توقف هؤلاء الذين ينتصرون لرؤية نيتشة، إذ كانت الحضارة عنده صناعة الأقوياء، فالقوة وحدها هى حقيقة الحياة والعالم، بينما الأخلاق اختراع الضعفاء، ليحموا أنفسهم من الغزو الذى كان يمجده من لم يجد بأساً من إخضاع «الآخر»، لأوضاع مهينة، بكل وحشية لمجرد أنه ضعيف، مهما كان الحق إلى جانبه! هكذا بات 2025 لحظة فارقة فى تاريخ البشرية، تفضح عمق أزمة الحضارة الغربية، واقتراب أفول شمسها التى ثبت زيفها، حيث تشع نرجسية ووحشية وجشعاً، والأخطر ذلك الإفلاس الروحى التام، مقابل شراهة مادية فجة بلا سقف! زخم تراچيدى! هل أزيدكم من هذه التراچيديا سطراً؟ - مأساة غزة على بشاعتها غير المسبوقة فى تاريخ البشرية، ليست متفردة فى بعض وجوهها الدموية السوداء، فهناك السودان واليمن المسكوت عنهما، والتهديدات الوجودية لسوريا ولبنان، بعد فلسطين السليبة، وما ينتظر غيرهم، لكن الغرب «الطيب» مشغول فقط- بعد «حماية الكيان الصهيوني»- بأوكرانيا المسكينة ضحية روسيا بوتين، إذ هى فقط التى تعانى من جرائم ضد الإنسانية، لذا تستحق تدفق أسلحة بالمليارات دون هوادة وبلا توقف، ومن حق أطفالهم توفير المأوى البديل مع الشيكولاتة الفاخرة والألعاب المسلية، فى وقت تُستباح فيه دماء أطفال فلسطين حتى ذوبان أجسادهم البريئة! الفارق يكمن فقط بين هؤلاء وأولئك، هو الفارق بين أصحاب البشرة البيضاء الذين يجرى فى عروقهم دماء زرقاء، بينما الآخرون محرومون من تلك المزايا! سطر آخر فى تراچيديا إنسان الربع الأول من القرن ال21، الذى يوشك أن يغادرنا عامه الأخير، قبل أن يجتاز عتبة الربع الثانى، والمتوقع وفق هذه الوتيرة، ارتفاع مؤشر غياب النزعة الإنسانية بأضعاف سرعة الصوت، إذ يعانى نحو ربع أهل المعمورة من الجوع والحرمان من المياه النظيفة والتعليم النظامى، والدواء، و.... و...، وأبسط مقومات الحياة الإنسانية، بينما يحوز بضعة مليارديرات ثروات تتجاوز نصيب نصف البشر من الثروة، فأى حضارة تلك التى يتغنون بها؟. سطر ثالث فى سياق هذا الزخم التراچيدى، الذى يقود العالم المأزوم على عتبات الربع الثانى من القرن، إلى مرحلة شديدة الحرج والخطورة، فى ظل استنزاف مجنون للطبيعة، والإساءة للبيئة بصورة غير مسبوقة، تقود لخراب مُستدام، وجدب لا يقتصر على غزة وأخواتها فقط، أو بلدان كانت تتمتع بالخصب والماء الوفير، فإذا بها قفار مُوحشة قاحلة، والمستفيد هم القلة التى تراكم المليارات، بينما معدلات الفقر العالمى فى صعود صاروخى! طبقية عنيفة تجتاح البشرية، تفجر حتى المجتمعات المصنفة غنية، فما بالنا بالعالمين الثالث والرابع، إنها الأثر الوخيم لسياسات إفقار مُمنهجة، يلازمها بالضرورة الجهل والمرض والتخلف، جراء تفشى ڤيروس الفقر الخبيث! سطر آخر، وإن لم يكن الأخير، يسهم فى رسم أبعاد التراچيديا الإنسانية التى تشكل ملامح هذه اللحظة البائسة فى تاريخ البشرية بريشة تجار الحروب، ومنتجى السلاح، فنجد أن من يدعى الوساطة لإنهاء الحروب، ليس من مصلحته أن ينهيها، لأنه لن يكف عن إنتاج الأسلحة، ومن ثم الاتجار فى دماء البشر! هؤلاء لا يسعهم إلا تقويض أى فرصة للسلام، أو تهدئة الصراعات، بل على العكس، فإنهم يسعون لدعم ترسانات الأسلحة فى الدول المتحاربة، وتعميق خلافاتها فى الغرف المغلقة، تحت وهم الوساطة الزائفة، وإلا فبماذا نفسر تزايد الحروب والصراعات المسلحة، وتصاعد التوترات على حدود العديد من الدول، واشتعال الفتن والحروب الأهلية فى دول أخرى، لتشهد البشرية أعنف موجات الهجرة القسرية، والنزوح الجماعى، مع انتشار الأوبئة والمجاعات، وسقوط القتلى والجرحى والمفقودين، ومن يعانون درجات متفاوتة من العجز؟! إنه غيض من فيض، من مشاهد عام على وشك الرحيل، كان كأنه دهر، مضى عام ليس كما سبقه، ولعله يكون عنواناً مخيفاً لما بعده من قابل الأعوام، لكنه فى كل الأحوال يؤكد أن الزمن ليس ناتج عملية حسابية ثابتة، ثم إنه لم ولن يكون أبداً محايداً.