تحت قاعدة الحقوق لن تسقط بالتقادم، احتضنت العاصمة الجزائرية الجزائر فى الثلاثين من نوفمبر الماضى مؤتمرًا أفريقيًا ودوليًا رفع شعار تصحيح المظالم التاريخية. المؤتمر كان عنوانه أفريقيا، ولكن خلال يومى انعقاد المؤتمر تناول المشاركون المظالم فى العالم، ركز المشاركون على ما وقع من ظلم فى أفريقيا خلال سنوات الاستعمار لأفريقيا، ولم تغب فلسطين عن كلمات المشاركين وكانت حاضرة فى المؤتمر لأنها النموذج الحديث لهذه المظالم. رفع المؤتمر شعارًا يطالب العالم باعتراف دولى بظلم أفريقيا وسرقة مقدراتها فى فترة الاستعمار الذهبية الممتدة من عام 1830 حتى 1962م. ناقش المؤتمر تجريم الاستعمار وضرورة تحقيق العدالة التاريخية للشعوب الأفريقية، وطالب بالاعتراف الرسمى بالجرائم المرتكبة ضد شعوب أفريقيا خلال الحقبة الاستعمارية، فقد أدركت شعوب أفريقيا أن الوقت حان لتجريم الاستعمار بذاته بدل الاكتفاء بتجريم بعض ممارساته ومخلفاته، وأن أفريقيا على حق حين تطالب بتجريم الاستعمار تجريماً قانونياً دولياً لا لبس ولا غموض فيه، وهى على حق حين تطالب بالتعويض العادل واستعادة الممتلكات المنهوبة، لأن العدالة لا تكتمل بالكلمات الجوفاء والوعود الكاذبة، التعويض ليس كرمًا من أحد بل هو حق مشروع تكفله جميع القوانين والأعراف الدولية. جاء عقد هذا المؤتمر بناءً على توصية فى فبراير الماضى، من قمة الاتحاد الأفريقى، والتى تنص على ضرورة بناء جبهة مشتركة وموحَّدة من أجل تحقيق العدالة والمطالبة بدفع التعويضات للأفارقة عن الجرائم التاريخية والفظائع الجماعية المرتكبة ضد الأفارقة والأشخاص من أصل أفريقى، بما فى ذلك الاستعمار والفصل العنصرى والإبادة الجماعية، والعمل بشكل جماعى لفضح الظلم التاريخى، ومعالجة الآثار الناتجة عن الاستعمار أو الاستعباد أو الفصل العنصرى أو التمييز. رغم انتهاء الاستعمار لأفريقيا نظريًا إلا أن الشعوب الأفريقية لازالت تدفع ضريبة باهظة نظير ما تكبدته من إقصاء وتهميش وتخلف، ولازال الاستعمار له جيوب عديدة ومستمر فى سرقة مقدرات أفريقيا. أكد المجتمعون على ضرورة معالجة رواسب الاستعمار، عبر إطلاق مشروع إحقاق العدالة التاريخية، خاصة أن الاستعمار أوقف مسار بناء الدول الوطنية فى أفريقيا ولم يمكن شعوبها من بسط سيادتهم على صنع مصيرهم. وكان هذا بمثابة سطو وسرقة لحقوق شعوب أفريقيا. هذا المؤتمر يؤكد بشكل قطعى أن الذاكرة الأفريقية لا تنسى أن الاستعمار كان بمثابة إقصاء شعوب أفريقيا من كل الثورات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية والعلمية والاجتماعية التى تمتعت بها وانتفعت منها باقى البشرية وخاصة شعوب هذه الدول الاستعمارية. لقد شهد المؤتمر مشاركة وزراء من دول أفريقيا وسياسيين دوليين، وخبراء قانونيين ومؤرخين وأكاديميين من أفريقيا ومناطق أخرى من العالم، بهدف بلورة موقف موحد بشأن العدالة التاريخية، واستعادة الممتلكات المنهوبة من أفريقيا، ووضع تصور وآليات أفريقية ودولية لتنفيذ تجريم الاستعمار والإبادة والاسترقاق، والمطالبة بالتعويضات العادلة عن الظلم الاستعمارى الذى لحق بالشعوب الأفريقية خلال عقود من الاستبدال. وتشمل الآليات المطالبة بالتعويضات المالية للدول والمجتمعات الأفريقية المتضررة من الاستغلال الاستعمارى، إضافة إلى ضرورة إعادة الأراضى التى لازال يسيطر عليها الاستعمار فى أفريقيا ومعالجة قضايا الملكية لهذه الأراضى، خاصة فى الدول التى انتُزعت فيها الملكية من شعوبها. يعتبر هذا المؤتمر أرضية خصبة وبداية مهمة لتجريم الاستعمار فى أفريقيا والعالم، خاصة أن المؤتمر أوصى بضرورة تشكيل لجان لحصر الممتلكات الأفريقية المنهوبة، ومراجعة المناهج التعليمية، ووضع خطط للنهوض بأفريقيا لاستعادة مكانتها الدولية. يعتبر هذا المؤتمر ثورة أفريقية ضد الظلم التاريخى، وبوابة لفتح علاقات أفريقية مع دول وازنة فى العالم، تقوم على أساس الشراكة وحفظ الحقوق لا السرقة والاستعباد. هذا المؤتمر يؤكد أن الحقوق لن ولم تسقط بالتقادم، وأن الحالة الفلسطينية الحالية لن تظل للأبد بهذا الهوان، وستأتى اللحظة الحاسمة لمحاكمة الاحتلال الإسرائيلى على جرائمه بحق شعبنا، وهذا العجز الدولى لن يستمر للأبد. هذا المؤتمر بمثابة شعلة نور للشعوب المستضعفة فى العالم.