لا يملك الشرق الأوسط رفاهية سقوط دولتين بحجم السودان واليمن. ففى خريطة تتغير حدود قوتها مع كل هزة، تبدو هاتان الدولتان كخطين دفاعيين يحملان جسد الإقليم أكثر مما يحتمل. ولهذا، فإن مجرد تداول فكرة التقسيم أو الانفصال ليس ترفاً نظرياً، بل يُعد تهديداً مباشراً لمستقبل البلدين، ولدول الجوار، وللتوازن العربى ذاته. السودان، الممتد من قلب إفريقيا إلى ضفاف البحر الأحمر، يقف اليوم على حافة اختبار وجودى. الحرب ليست وحدها ما يلتهم الدولة، بل ذلك الخطاب المتصاعد الذى يروج لحلول تقوم على تفتيت الخرطوم إلى كيانين أو أكثر. إن تقسيم السودان يعنى عملياً فتح المجال أمام كيانات مُسلحة تتقاطع أجنداتها مع حدود مصر وليبيا وتشاد وإثيوبيا، وكلها دول ستدفع ثمن هذا التشظى من أمنها وحدودها ومواردها. فالسودان ليس دولة منعزلة؛ إنما رئة استراتيجية تضخ الاستقرار فى محيط كامل. وحين تتشقق هذه الرئة، تتسرب الفوضى نحو الشمال والغرب والشرق بلا استئذان. والحال ذاته، بل أشد تعقيداً ، يتكرر فى اليمن. بلد تاريخى، يتحكم فى أحد أهم الممرات البحرية فى العالم، يقف منذ سنوات بين خطوط تماس تمددت إلى ما يشبه الخرائط البديلة. إن تفكك اليمن إلى شمال وجنوب لا يعنى فقط غياب الدولة، بل يعنى تحول حدوده مع السعودية وعُمان إلى منطقة هشة دائمة الاضطراب، وسيؤدى ذلك إلى خلق جيوب نفوذ متصارعة تفتح الباب أمام تدخلاتٍ خارجية قد تعيد رسم المنطقة بأكملها. كما أن انقسام اليمن سيجعل باب المندب ساحة ابتزاز جيوسياسى، تتصارع فيه القوى الإقليمية والدولية على التحكم بالملاحة وخطوط التجارة العالمية. إن خطورة التقسيم ليست نظرية ولا بعيدة المدى؛ إنها قنبلة استراتيجية تهدد بنية الإقليم من الداخل. كل دولة عربية تُقسم تُنتج موجات من اللجوء والسلاح والتهريب، وتخلق أحزمة توتر على حدود الدول المجاورة، وتحول الصراعات الداخلية إلى صراعاتٍ عابرة للحدود. ولأن السودان واليمن يتقاطعان مع سبع دول عربية وإفريقية حساسة، فإن انهيارهما معاً سيعيد صياغة الجغرافيا السياسية فى المنطقة بطريقة لا يمكن عكسها. من هنا، يصبح الموقف العربى المطلوب واضحًا. لا اعتراف بكيانات تنشأ بقوة السلاح، ولا قبول بخطابات الانفصال، ولا حلول خارج إطار الدولة الوطنية الموحدة. المطلوب دعم المؤسستين الرسميتين فى الخرطوم وصنعاء، وتعزيز قدرة البلدين على استعادة وحدتهما السياسية والجغرافية، وتحويل الحدود من مناطق قلق إلى مناطق استقرار. إن السودان واليمن ليسا مجرد دولتين على خريطة مضطربة؛ بل هما خط الدفاع الأخير عن استقرار الإقليم العربى كله. والحفاظ على وحدتهما ليس موقفاً سياسياً، بل ضرورة وجودية، قبل أن يكتب التاريخ فصلاً جديداً لا يملك أحد رفاهية احتماله.