خرجت إلى العلن معلومات دقيقة، ومفصّلة حول محاولة اغتيال الرئيس الأسبق حسني مبارك، في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا،منتصف تسعينيات القرن الماضي. وكشف عبد الحميد أحمد حمدي، زوج ابنة اللواء عمر سليمان، رئيس جهاز المخابرات العامة الأسبق، في منشور مطوّل نشره على حسابه عبر منصة "إكس"، معلومات عالية الأهمية، نقلها مباشرة عن اللواء عمر سليمان نفسه، وعن مصادر أطلعت على تفاصيل تلك اللحظة المثيرة في تاريخ مصر الحديث. وقال عبد الحميد حمدي، إن ما جرى في 26 يونيو 1995 يُعد واحدًا من أهم الأحداث التي شكّلت مسار الأمن القومي المصري، مشيرًا إلى أن الرواية المتداولة لدى الرأي العام، ظلّت « منقوصة» لسنوات طويلة، سواء فيما يتعلق بدور المخابرات المصرية، أو مستوى الاستعداد، أو حجم الاختراقات الأمنية التي قادت إلى الهجوم. وبحسب ما أورده، فإن اللواء عمر سليمان تلقّى قبل سفر الرئيس مبارك إلى أديس أبابا تقارير استخباراتية واضحة تُشير لاحتمال حدوث عملية إرهابية تستهدف الموكب، وإن كانت التفاصيل التشغيلية غير مكتملة. وعلى إثر ذلك، أبلغ سليمانُ الرئيسَ مبارك بالمخاطر، واقترح أن يوفد وفدًا يمثّل مصر بدلًا من سفره شخصيًا، حفاظًا على أمنه. لكن مبارك – وفق نصّ ما نقله عبد الحميد عن عمر سلييمان – رفض الاقتراح قائلًا:«إحنا تعبنا عشان نرجّع أفريقيا لحضننا... ولو ماحضرتش يسجّلوا إن مصر مش مهتمة. والإرهابيين مش هيحبسوني». اقرأ أيضًا: محمد صبحي يكشف سر عدم تقليده مبارك خارج مصر 3 شروط حددتها المخابرات قبل سفر مبارك ووفق عبد الحميد حمدي، فإنه لم تمضِ ساعات حتى توصّلت المخابرات، والرئاسة إلى ثلاثة شروط غير قابلة للتفاوض للموافقة على سفر الرئيس، أبلغها اللواء عمر سلييمان للجانب الإثيوبي، تمثلت في أن يتحرك الرئيس بسيارته المصفحة الخاصة القادمة من القاهرة، وبمرافقة سيارات «حرس الدم» الخاصة بالحماية شديدة التحصين، وكذلك نزول الحرس الرئاسي إلى إثيوبيا ب تسليح كامل، خلافًا للبروتوكول الدولي الذي يسمح عادة بأسلحة خفيفة فقط، بالإضافة إلى بقاء الطائرة الرئاسية في وضع استعداد دائم للإقلاع الفوري، مع أولوية مطلقة على مدرج الطيران. وبحسب المعلومات المنشورة عبر «إكس»، وافقت إثيوبيا على جميع الشروط دون استثناء، وهو ما كان له دور جوهري في نجاة الرئيس لاحقًا. وتابع عبد الحميد حمدي سرده، موضحًا أنه فور وصول الموكب إلى العاصمة الإثيوبية، وأثناء مروره بالقرب من شارع بولي، تعرض لهجوم مباغت نفذته مجموعة مسلحة كانت متمركزة داخل فيلا قريبة من خط سير السيارات.ووفق رواية اللواء عمر سليمان، كان المسلحون مزودين ب بنادق كلاشينكوف ورشاشات خفيفة وقاذف RPG يستهدف سيارة الرئيس في حال توقفت. مفاجأة أربكت حسابات الإرهابيين لكن المفاجأة التي أربكت المجموعة المهاجمة – بحسب الرواية المنشورة – هي أن أول سيارة في الموكب، سيارة الحرس، كانت مجهّزة بتسليح ثقيل خلافًا للبروتوكول المعتاد، ففتحت نيرانًا كثيفة خلال ثوانٍ معدودة، حيث أطلق الحرس ما يتجاوز 70 طلقة لتأمين ممر هروب سريع للموكب. وأوضح عبد الحميد أن الإرهابيين لم يتمكنوا من تجهيز قاذف ال RPG بسبب الردّ الناري العنيف، وهو ما أفسد خطتهم بالكامل. وفي اللحظات الحاسمة أمر الرئيس مبارك سائقه بالعودة فورًا إلى المطار عبر الطريق نفسه، في خطة كانت مجهّزة مسبقًا تحسبًا لهذا السيناريو. أما سيارة اللواء عمر سليمان التي كان يستقلها الأمين العام لجامعة الدول العربية حينها عمرو موسى، فكانت سيارة إثيوبية غير مصفحة، وقد علقت لثوانٍ في اتجاه مصدر النيران، قبل أن يتمكن سليمان من السيطرة على الموقف وإجبار السائق على العودة وسط وابل من الرصاص أصاب السيارة بالفعل. ووصل الرئيس مبارك إلى الطائرة، لكنه رفض الإقلاع إلى أن عاد جميع أفراد الوفد، وظلّ يسأل بنفسه عن عمر سليمان وعمرو موسى حتى اطمأن على سلامتهما، وهي نقطة شدّد عبد الحميد على أنها كانت من أكثر المواقف التي كان اللواء عمر سليمان يرويها باعتزاز، معتبرًا إياها دليلًا على شجاعة وثبات مبارك. قرارات حاسمة ردًا على تورط السودان وفي القسم الثاني من السرد، أوضح عبد الحميد أن التحقيقات التي قادها اللواء عمر سليمان أكدت ضلوع النظام السوداني رسميًا في العملية، وليس الجماعات المتطرفة وحدها، وأن علي عثمان محمد طه – نائب الرئيس السوداني آنذاك – كان العقل المدبّر، بدعم مباشر من جهاز الأمن السوداني، وبعلم زعيم الجبهة الإسلامية حسن الترابي. وأشار إلى أن في ليبيا جماعات مثل جيش الجهاد وسرايا الفتح، كانت تتلقى تدريبات داخل الأراضي السودانية، وأن أحد المتهمين – ويدعى محمد سراج – وقع في قبضة الأمن الإثيوبي خلال الاشتباكات، بينما رفض السودان تسليم بقية المتورطين. وبناء على المعلومات التي كشفتها مصر وإثيوبيا، صدرت عن مجلس الأمن ثلاثة قرارات حاسمة ضد السودان: 1044، 1054، 1070، شملت تخفيض التمثيل الدبلوماسي، ومنع المؤتمرات الدولية، وتجميد التعاون، وصولًا إلى حظر الطيران السوداني في القرار الأخير. في المقابل، اتخذت القاهرة إجراءات صارمة، تميلت في قطع العلاقات الدبلوماسية مع السودان، وسحب السفير المصري من الخرطوم، وتجميد التعاون السياسي والاقتصادي، بالإضافة إلى قيادة تحرك دبلوماسي واسع لعزل السودان دوليًا. المحققون المصريون يعملون داخل إثيوبيا ويؤكد عبد الحميد أن مصر – رغم امتلاكها أدلة دامغة على تورط مسؤولين سودانيين كبار – لم تتجه إلى الرد العسكري حفاظًا على استقرار المنطقة، واكتفت بالمسار السياسي والدبلوماسي الحاسم. ونوّه إلى أن الجانب الإثيوبي تعاون بدرجة استثنائية، سمحت للمحققين المصريين بالعمل داخل أديس أبابا، بل إن وزير الداخلية الإثيوبي تنازل عن مكتبه بالكامل للواء عمر سليمان طوال فترة التحقيق، وهو ما اعتبره "موقفًا نادرًا وغير مسبوق في العلاقات بين الدول آنذاك". واختتم عبد الحميد منشوره بالتأكيد على أن مصر تعاملت مع محاولة اغتيال رئيسها بمنطق دولة تحافظ على استقرار جوارها الإقليمي، رغم امتلاكها القدرة على الرد المباشر، وأن تلك اللحظة كُتبت تفاصيلها بمعادلة من الشجاعة السياسية والمعلومات الدقيقة والتخطيط الأمني الذي أحبط واحدة من أخطر محاولات الاغتيال في تاريخ القارة.