فى مشهد مأساوى هزّ منطقة بيجام بشبرا الخيمة، استيقظ الأهالى على صوت انفجار مدوٍ أعقبه حريق هائل التهم شقة سكنية بأكملها مما أسفر عن وفاة ستة أشخاص من أسرة واحدة بينهم أطفال، التحقيقات الأولية كشفت أن السبب المحتمل هو شاحن هاتف محمول ترك موصولًا بالكهرباء أثناء الليل، فاشتعل بسبب ارتفاع درجة حرارته، لينتهى الأمر بفاجعة جديدة تضاف إلى سجل من الحوادث التى باتت تتكرر فى مناطق مختلفة من مصر بسبب «قنبلة» صغيرة نائمة اسمها شاحن الهاتف ليست بالحسبان.. لذلك حرصت «الأخبار» على دق ناقوس الخطر بشأن شواحن الهواتف ومستلزماتها المصنوعة من خامات رديئة، واستعانت بآراء الخبراء وتحذيراتهم لتوضيح مخاطرها، وتقديم الإرشادات الصحيحة لاستخدامها بطريقة آمنة. اقرأ أيضًا| 5 أخطاء قاتلة في شحن بطارية الهاتف تقصر من عمرها الافتراضي واقعة شبرا الخيمة ليست الأولى أو الوحيدة، فقد شهد حى فيصل بالجيزة قبل نحو عامين حادثًا مشابهًا عندما اندلع حريق داخل شقة سكنية بعد انفجار شاحن هاتف مقلّد، أدى إلى إصابة عدد من السكان واختناق بعضهم، وخلّف خسائر مادية جسيمة. ومع تكرار هذه الكوارث، تتصاعد التساؤلات: كيف تتحول أداة صغيرة لشحن الهواتف إلى مصدر موت ودمار؟ ولماذا تتكرر مثل هذه الحرائق فى البيوت المصرية؟ بعض الأسواق والأرصفة تعج بأنواع متعددة من الشواحن، الأصلية منها والمقلدة، حتى يكاد المستهلك العادى لا يفرّق بينهما، فبينما تُباع الشواحن المعتمدة فى المتاجر الرسمية بأسعار تتجاوز 400 جنيه لما يسمى تقليدا طبق الأصل أو «high copy» وتتعدى ألفى جنيه حسب نوع الهاتف، تنتشر فى الأسواق الشعبية وعلى الأرصفة وأحيانًا فى المتاجر الإلكترونية نسخ مقلّدة تُعرض بأسعار لا تتعدى 50 جنيهًا، هذه النسخ تأتى غالبًا من مصانع مجهولة المصدر أو مهربة من الخارج. قال اللواء علاء عبد الظاهر، مساعد وزير الداخلية للحماية المدنية ومدير إدارة المفرقعات الأسبق، إن الشواحن المقلدة التى تغزو الأسواق بأسعار زهيدة تمثل خطرًا حقيقيًا على الأرواح والممتلكات، إذ تفتقر لأبسط معايير الأمان، وتُصنع من خامات رديئة لا تتحمل ضغط الكهرباء أو الحرارة. وأضاف أن هذه الشواحن تسخن بسرعة وتفتقد للعزل الكافي، ما يجعلها سببًا مباشرًا فى حدوث ماس كهربائى أو انفجار قد يؤدى إلى كوارث مأساوية داخل المنازل. شواحن رديئة وأوضح اللواء عبد الظاهر أن الأخطر من شراء الشواحن الرديئة هو سوء الاستخدام، مثل ترك الهاتف على الشحن طوال الليل أو وضعه على السرير وتحت الوسادة أثناء الشحن، وهى من أبرز الأسباب التى تؤدى لاشتعال النيران داخل غرف النوم أثناء النوم، لافتًا إلى أن الوعى بهذه التفاصيل البسيطة قد ينقذ حياة أسرة بأكملها. وشدد على ضرورة اتباع إجراءات وقائية بسيطة لتفادى الكارثة، أهمها استخدام الشواحن الأصلية فقط، وتجنب شحن الهاتف أثناء النوم، وفصل الشاحن من الكهرباء بعد الانتهاء من الاستخدام، وعدم تركه بالقرب من الستائر أو المفارش القابلة للاشتعال، مع أهمية استخدام مشترك كهربائى مزود بفيوز للحماية من ارتفاع التيار. وأضاف أن التصرف السليم عند اندلاع حريق كهربائى يبدأ بعدم استخدام الماء نهائيًا، بل بفصل التيار الكهربائى من اللوحة العمومية فورًا، ثم استخدام طفاية البودرة أو بطانية ثقيلة لعزل مصدر النار، والاتصال بالمطافئ على الفور على رقم 180 مع مغادرة المكان بأمان.. واختتم اللواء عبد الظاهر قائلاً: «الوقاية تبدأ من الوعي، فالكهرباء طاقة عظيمة لكنها لا ترحم من يستهين بها، وكل شاحن مضروب قد يكون شرارة لمأساة جديدة، فلتكن يقظتك درع الأمان لعائلتك». السلامة المنزلية قال المهندس الاستشارى هشام محمد علي، عضو اللجنة العليا للسلامة والصحة المهنية بالنقابة العامة للمهندسين، إن السلامة المنزلية لا تزال بعيدة عن التطبيق العملى فى كثير من البيوت المصرية، لأنها لا تخضع لكود إلزامى واضح كما هو الحال فى أماكن العمل والمنشآت العامة.. وأوضح أن هناك كودًا مصريًا للسلامة والحريق يُطبق على المنشآت العامة والمصانع والمحال التجارية، لكنه لا يشمل المنازل الخاصة بسبب القيود القانونية التى تمنع أى جهة من التفتيش داخلها إلا بإذن من النيابة العامة، مشيرًا إلى أن هذا الوضع يجعل مئات المنازل عرضة للمخاطر دون رقابة أو تقييم فني.. وأكد أن الحل يكمن فى دمج معايير السلامة ضمن إجراءات الترخيص والمراجعات الهندسية للبناء، بحيث تشمل تلك الإجراءات ليس فقط الجوانب الإنشائية، بل أيضًا كل ما يتعلق بالأمان الكهربائى والغازى والحراري، ومقاومة المواد المستخدمة للحريق، لأن سلامة المبنى لا تتعلق فقط بقوته ضد الزلازل أو الانهيارات، وإنما بقدرته على حماية الأرواح وقت الكوارث. ضوابط متكاملة وأوضح المهندس هشام أن تحقيق السلامة الشاملة فى المنازل يبدأ من مرحلة التصميم، عبر الالتزام بالكود المصرى للوقاية من الحرائق رقم (306 لسنة 2011) والكود المصرى للبناء رقم (307 لسنة 2012)، بالإضافة إلى توصيات الحماية المدنية ووزارة الإسكان، وأشار إلى أن الجدران والأسقف يجب أن تكون مقاومة للنار لمدة لا تقل عن ستين دقيقة، وأن تكون الأبواب مقاومة للدخان والحرارة، وأن تُستخدم مواد غير قابلة للاشتعال فى الأرضيات والمفروشات والأثاث، لأن هذه التفاصيل الصغيرة كثيرًا ما تكون الفاصل بين النجاة والفاجعة فى حال اندلاع حريق. وحذّر من الاعتماد على الشواحن المقلدة المنتشرة فى الأسواق، مؤكدًا أن أغلب حرائق المنازل الحديثة سببها استخدام أجهزة أو شواحن غير أصلية أو تالفة، مثلما حدث فى حادث شبرا الخيمة المأساوى الذى أودى بحياة ستة أفراد من أسرة واحدة بسبب شاحن مضروب تسبب فى ماس كهربائى أثناء نومهم. وأضاف أن ترك الهاتف فى الشحن طوال الليل أو وضعه على السرير أو تحت الوسادة من أكثر الممارسات خطورة، لأنها تتسبب فى ارتفاع حرارة البطارية تدريجيًا إلى أن تصل لمرحلة الاشتعال الذاتي، خاصة مع المفروشات القطنية سريعة الاشتعال، وأوصى بضرورة اقتناء كاشفات دخان صغيرة توضع فى غرف النوم والممرات والمطابخ، إذ لا يتجاوز سعرها بضع مئات من الجنيهات، لكنها قد تنقذ حياة أسرة كاملة من خلال إطلاق إنذار مبكر يمنح الجميع فرصة الهروب قبل انتشار النيران.. وأوضح أن المطبخ يُعد بؤرة الخطر الأولى فى أى منزل، لأنه يجمع بين مصادر النار والغاز والزيوت والكهرباء فى مكان واحد، ولذلك يجب تركيب كاشف تسرب غاز وصمام أمان فى كل مطبخ، والاحتفاظ دائمًا بمطفأة حريق صغيرة وبطانية مقاومة للحرارة، كما شدد على أهمية معرفة طريقة الاستخدام السليمة، لأن كثيرين يخطئون بمحاولة إطفاء حرائق الزيت بالماء، وهو ما يؤدى إلى انفجار اللهب وانتشاره بسرعة، مؤكدًا أن الطريقة الصحيحة هى خنق النار بغطاء معدنى أو بطانية ثقيلة أو باستخدام مطفأة بودرة. وأشار المهندس هشام إلى أن الصيانة الدورية عنصر أساسى فى منظومة الوقاية من الحرائق، وتشمل الفحص السنوى للأسلاك والمقابس ولوحات الكهرباء للتأكد من سلامتها، وتنظيف الشفاطات والمدخنة كل ثلاثة أشهر لإزالة الدهون المتراكمة القابلة للاشتعال، وفحص أنابيب الغاز وخراطيمها بانتظام للتأكد من عدم وجود تشققات أو تسريبات. كما أوصى بضرورة وضع خطة إخلاء عائلية يتم تدريب الأطفال عليها عمليًا، بحيث يعرف كل فرد من الأسرة طريق الخروج ومكان التجمع الآمن خارج المنزل، مع تجهيز حقيبة طوارئ تحتوى على زجاجات ماء ومصباح يدوى وأدوية أساسية وأوراق ضرورية. الرقابة محدودة ورغم خطورة الظاهرة، إلا أن الرقابة على سوق الإلكترونيات لا تزال محدودة، فطبقًا لبعض تقارير جهاز حماية المستهلك، يتم ضبط كميات كبيرة من الشواحن المقلدة كل عام، لكن غياب الوعى لدى المستهلكين يشجع على استمرار تداولها، وكذلك انخفاض سعرها.. من جانب آخر، قد سبق وحذرت دراسة لمعهد المعايير التجارية البريطانى من أن 99% من الشواحن المقلدة لأجهزة أبل غير آمنة، كما أصدرت بعض الشركات العالمية خلال العامين الماضيين قرارات بسحب ملايين الوحدات من بنوك الطاقة والشواحن بسبب عيوب تصنيعية تسببت فى حوادث اشتعال وانفجار حول العالم. حادث شبرا الخيمة الذى أودى بحياة أسرة كاملة ليس مجرد مأساة عابرة، بل إنذارا حقيقيا بأن الإهمال فى التعامل مع الأجهزة الكهربائية الصغيرة قد يدمر حياة أسر بأكملها، حتى لو كان شاحنا صغيرا لم يكن بالحسبان.