في مجتمعٍ يحمل المرأة وحدها مسئولية تأخرالإنجاب، تختبئ قصص كثيرة خلف جدران البيوت، تُروى فيها المآسي بصوتٍ خافت. قصة «منى» واحدة من تلك الحكايات التي تفضح وجعًا صامتًا، حين يُخفي الزوج عجزه ويختار الكذب والتهديد بدل المصارحة، فتسقط الثقة، ويهدم السرّ البيت. أيضا هذه القصة تطرح تساؤلًا أعمق من مجرد قضية خلع، حول قيمة الصدق في الحياة الزوجية، وحدود الصبر في مواجهة الكذب المقنّع بالحب، فالزواج لا يقوم على الخوف أو التهديد، بل على الصراحة والاحترام، وإن إخفاء الحقيقة لا يحمي العلاقة، بل يؤجل سقوطها، حتى يأتي اليوم الذي ينفجر فيه السر ويفضح ما كان خلف الأبواب المغلقة، المزيد من التفاصيل فى السطور التالية. تزوجت «منى» (32 عامًا) بعد قصة حب رآها من حولهما بأنها هادئة وناضجة، كانت العروس تحلم ببيتٍ بسيطٍ يملؤه الأطفال، وحياةٍ مستقرة تحت مظلة المودة والرحمة لكن بعد السنة الأولى من الزواج، بدأت الهمسات والأسئلة تتكاثر: «لماذا لم يرزقا بطفل؟»، ومعها بدأ الخوف يتسلل إلى قلبها. تقول الزوجة بصوت حزين: «كنت أبتسم رغم الألم، كل من حولي ظن أن المشكلة بي، وكنت أصدّق ذلك، لأن زوجي أقنعني دائمًا أن التحاليل لا داعي لها، وأنني أنا السبب.» سنواتٌ من التحاليل والعلاجات مرت عليها، والأطباء يؤكدون لها سلامتها وحين طلبت من زوجها أن يُجري فحوصاته، كان يقابل طلبها بالغضب والتهديد: «إذا استمررتِ في هذا الكلام، سأتزوج بأخرى تنجب لي ما لم تنجبيه أنت.» نظرة الناس تقول منى: «كانت كلماته تقتلني أكثر من أي وجع، لم أخف الطلاق، بل كنت أخاف نظرة الناس لي كزوجة لم تنجب، أخاف أن يقال إنني السبب، وأنا لست كذلك.» بعد خمس سنواتٍ من الصمت والضغط، استطعت أن أقنعه أخيرًا بإجراء التحليل وبعد أيامٍ من الانتظار، جاء التقرير ليكشف الحقيقة القاسية: «الزوج لايقدر على الإنجاب». تستكمل منى حديثها قائلة: «حين قرأت النتيجة شعرت أن الأرض تدور بي، لم أستطع حتى البكاء، فقط شعرت أنني عشت في كذبةٍ كبيرة كل مرة كنت ألوم نفسي فيها، كانت جرحًا يفتحه هو بكذبه.» واجهته بالحقيقة، فقال لي بصوتٍ بارد: «كنت أخاف أن تتركيني، لأني أحبك» فأجبته «لو كنت أحببتني حقًا، لما جعلتني أعيش متهمة بذنبك»؟! تستكمل حديثها: بعد معرفتى بنتيجة التحليل، شعرت بأن حياتى كلها انهارت في لحظة واحدة، وأنى لم أعد قادرة على النظر في وجه زوجى كما كنت من قبل «كنت أشعر وكأنني عشت خمس سنوات في مسرحية كبيرة كل لحظة فيها كانت مبنية على كذب، وكل كلمة قالها لي كانت وهمًا لم أعد أستطيع أن أعيش معه يومًا واحدًا بعد أن سقط القناع.» تصف تلك الأيام بأنها الأصعب في حياتها، بين صدمة الحقيقة وضغط المجتمع الذي لا يرحم. «كنت أبكي في صمت لم أستطع إخبار أحد، من حولنا كانوا يظنون أنني السبب في تأخر الإنجاب، ولم يكن في داخلي طاقة لتبرير الحقيقة، كنت أعيش بين الغضب والخذلان، وأشعر أنني خُدعت على كل المستويات.» طريق النجاة وفي صباحٍ هادئ، دون نقاشٍ أو تردد، جمعت منى أوراقها وتوجهت إلى محكمة أسرة مدينة نصر لتبدأ أولى خطواتها نحو النجاة. «لم أفكر في شيء لم أرد مالًا ولا نفقة، أردت فقط أن أستعيد نفسي، تنازلت عن كل حقوقي المادية، لأن كرامتي كانت أثمن من أي تعويض كنت أريد أن أغلق هذا الباب إلى الأبد. بصوتٍ يختلط فيه الألم بالعزيمة، تختتم حديثها قائلة:»لم أكره زوجي، لكنني لم أعد أستطيع أن أعيش مع شخصٍ كذب عليّ في أهم تفاصيل حياتي الخُلع لم يكن هروبًا، بل كان النجاة الوحيدة المتاحة.» بعد حصولها على حكم الخلع، بدأت منى استعادة توازنها النفسي وحياتها المهنية على حد قولها حيث التحقت بعملٍ جديدٍ وبدأت الاهتمام بنفسها بعد سنواتٍ من الإنهاك النفسي. تقول: «لم أعد أرى الطلاق نهاية، بل بداية اخترت أن أعيش بصدقٍ، حتى لو وحدي، خيرٌ من حياةٍ مزيّفةٍ مليئة بالكذب.» عش وتدليس توضح المحامية نهى الجندي المتخصصة في قضايا الأسرة؛ أن ما فعله الزوج يُعدّ غشًا وتدليسًا وفقًا لأحكام القانون المصري حين يخفي الزوج عيبًا جوهريًا مثل العقم عن زوجته، يحق لها طلب فسخ عقد الزواج أو الخلع، لأن العقد حينها تمّ دون رضا حقيقي.» وتشير إلى أن المادة (9) من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1920 والمادة (14) من قانون الأحوال الشخصية تنصان على حق الزوجة في طلب الفسخ إذا كان في الزوج عيبٌ مستحكمٌ لا يمكن علاجه، أو لا يمكنها الاستمرار معه بسببه. العقم الكامل من أبرز هذه الحالات، خاصة إذا ثبت أن الزوج كان على علمٍ به قبل الزواج في مثل هذه القضايا يحق للزوجة المطالبة أيضًا بتعويض أدبي عن الضرر النفسي والمعنوي الذي لحق بها نتيجة الكذب والتهديد المستمر.» وتضيف: «القانون وإن كان لا يُعاقب الكذب بحد ذاته، إلا أنه لا يعترف بعقدٍ بُني على غش الزواج ميثاق قائم على الصدق، لا على إخفاء العيوب بدعوى الحب أو الخوف من الرفض.» دمارٌ نفسي من جانبه يقول الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي: إن الكذب في مثل هذه الحالات يترك جروحًا نفسيةً عميقة لا تلتئم بسهولة، الزوجة التي تُتهم بالعقم، وهي في الحقيقة ضحية خداعٍ من زوجها، تعيش حالة من الانكسار النفسي والاضطراب الحاد يتكوّن بداخلها مزيج من الغضب والذنب، وتفقد ثقتها بنفسها وبالآخرين.» ويضيف؛ أن التهديد المستمر بالزواج بأخرى يضاعف الألم النفسي، لأنه يزرع في نفس المرأة شعورًا دائمًا بعدم الأمان، حين تعيش الزوجة تحت تهديدٍ دائم، يتحول البيت إلى سجنٍ نفسي تشعر بأنها مهددة في أنوثتها وقيمتها، وتبدأ بالانعزال، وقد تدخل في نوبات اكتئاب حادة أو فقدان للثقة بالنفس.» ويؤكد أن المجتمع يزيد الطين بلة بنظرته القاسية للمرأة غير المنجبة، ما يجعلها تعيش تحت ضغطٍ مزدوجٍ من الخارج والداخل. هي تُدان اجتماعيًا رغم أنها المظلومة، وتُخدع من أقرب الناس إليها، هذا التناقض هو ما يصنع الانهيار النفسي الحقيقي.» اقرأ أيضا: بسبب قضية خلع.. مواطن يطعن زوجته داخل المحكمة بالإسكندرية| فيديو