نعم هو رجل بألف وجه، يكذب كما يتنفس، ليس له مبدأ، يدافع عن مواقفه حتى لو كانت متناقضة، عن نتنياهو أتحدث. لم أصدقه عندما أظهر أحد وجوهه، فى لحظة خضوع للضغوط الأمريكية، الرافضة لمشروع القرار الذى أصدره الكنيست، فى قراءة أولى تحتاج ثلاثة قرارات أخرى، بضم الضفة، وحصوله على تأييد 25 نائبًا مقابل معارضة 24، من أصل 120 نائبًا، وخرج ذليلًا معتذرًا مبررًا بأن ما حدث (استفزاز متعمد من المعارضة لإثارة الفتنة خلال زيارة نائب الرئيس الأمريكى)، واعتمد على أن الأحزاب الدينية والليكود لم توقع عليه، وإصدار تعليماته بوقف مشاريع القوانين الخاصة بالضم جزئيًا أو كليًا، حتى إشعار آخر - لاحظ الكلمة ومغزاها - جاء ذلك بعد تصريحات ترامب، بأن الضم لن يحدث، وأنه أعطى كلمة للدول العربية، وهدد بأن إسرائيل ستفقد دعم بلاده، إذا أقدمت على هذه الخطوة، وأضاف نائب الرئيس الأمريكى جى دى فانس، بعدًا آخر لهذا الموقف، خاصة أن التصويت تم أثناء زيارة لتل أبيب، ووصفه بالغباء وأنه شعر بإهانة شخصية له، وكشف عن أنه قيل له إنها حيلة سياسية وأضاف (إن صح هذا فهى مناورة سياسية غبية). تراجع نتيناهو يعيدنا إلى مواقف سابقة مناقضة تمامًا، لهذا الموقف المذل وعنوانها الأبرز فكرة إسرائيل الكبرى، فقد أعلن فى عام 2019 عن مشروعه الذى يقضى، بضم الكتل الاستيطانية الكبرى والأغوار، مستغلًا إعلان ترامب عن صفقة القرن، كما أنه يرأس إئتلاف يمينى متطرف، لا يختلف عنه، بل يزايد عليه، ومن أبرز وجوه وزير المالية سموتريتش، الذى حصل على ملف الاستيطان، بموافقة ودعم نتنياهو أثناء تشكيل الحكومة فى يناير 2023، الذى يعمل على مشروع يستهدف توطين مليون إسرائيلى فى الضفة، خلال السنوات القادمة، وفى يوليو الماضى تقدم أعضاء فى الكنيست، من بينهم نواب من الليكود والأحزاب الدينية المتطرفة، بمشروع قانون لتأكيد الحق التاريخى لليهود فى أرض فلسطين، واعتبار الضفة جزءًا لا يتجزأ من الدولة الإسرائيلية، وتمت المصادقة عليه بالقراءة التمهيدية بأغلبية 71 صوتًا مقابل معارضة 13 عضوًا، مع تغيب عدد من النواب، وفى نفس التوقيت صدقت اللجنة الفرعية لشئون الاستيطان فى الحكومة برئاسة وزير المالية، على خطة قديمة للبناء، تتضمن إنشاء نحو 3400 وحدة سكنية جديدة، وربطها بمدينة القدس، على نحو يؤدى إلى فصل شمال الضفة عن جنوبها، وتأتى ضمن مشروع أوسع يقوده الوزير نفسه، إلى ضمها رسميًا أو على الأقل ضم المنطقة ج، والتى تخضع أصلًا، وفقًا لاتفاقية أوسلو للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، كما سبق له أن اقترح ضم 82 بالمائة من الضفة، مع البقاء على بقية المساحة للسكان الفلسطينيين، فى بقع متفرقة، واعتبر أن الشعب الفلسطينى لا وجود له أو ينبغى ألا يوجد، وفى إطار موقفها أمام التوجه الدولى لتأييد حل الدولتين، رفضت الحكومة الإسرائيلية برئاسة نتيناهو فى مايو الماضى، إقامة دولة فلسطينية، وعقدت اجتماعًا لها الشهر الماضى، لبحث إمكانية فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة. حقيقة الأمر، أن تل أبيب غيرت طريقة المعالجة، بعد أن عملت طويلًا وفق استراتيجية، تسعى لتحقيق هيمنة أمنية استخبارية، وسيطرة اقتصادية، والتحكم السياسى غير المعلن، وفرض السيادة من غير اسم ولا إعلان، بنقل صلاحيات الحكم فيها إلى مؤسسات مدنية، بحيث يتم فى النهاية تحقيق الهدف، مع اتساع الصلاحيات الإسرائيلية، وتقلص المتاح من أى مظهر للاستقلال الفلسطينى، ونجحت بالفعل طوال السنوات الماضية، فى توسيع المستوطنات القائمة، وإنشاء مئات البور، وإقامة مزارع للرعى، وبناء الآلاف من الطرق الالتفافية، وجذب اليهود المتدينين للإقامة فى المستوطنات. حقيقة الأمر أن التغيير فى مواقف نتنياهو والتراجع عنه، مرتبط بوجود ضغوط وخلافات مع إدارة ترامب، وهذا واضح مما جرى خلال الأيام الماضية، من خلال زيارات أركان الإدارة، بمن فيهم نائب الرئيس الأمريكى لتل أبيب، التى لا يمكن اعتبارها دعمًا لنتنياهو، ولكن ممارسة أقصى درجات الضغط عليه، خاصة وأن الحديث فى الدائرة المحيطة من ترامب، يدور حول اعتبار إسرائيل دولة خارجة على السيطرة، تحاول التملص والتهرب من التزاماتها، لدرجة أنه واشنطن تقوم بأعمال عديدة على الأرض فى غزة، دون التنسيق مع تل أبيب، منها عمليات مراقبة الالتزام بوقف العمليات، والسعى إلى تشكيل قوة دولية بمشاركة 24 دولة، وهو ما ترفضه إسرائيل حتى الآن، وترى واشنطن فى نتنياهو وحكومته، عائقًا أمام رؤيتها للمنطقة فى المرحلة القادمة، وتهديد لمخطط ترامب للسلام، الذى يقضى بإبرام اتفاقيات سلام مع دول عربية وإقليمية، وتعزيز التعاون الاقتصادى الإقليمى، الذى يمثل المعبر الحقيقى للاستقرار حسب رؤية واشنطن، وأصبح يمثل حرجًا للإدارة لها أمام الدول العربية، نموذجًا لذلك تصريح وزير المالية (المهين) ضد السعودية. هذه المتغيرات فرضت على نتنياهو خيارات صعبة، أحلاها مر، إما الحفاظ على الدعم الأمريكى، والبقاء داخل (بيت الطاعة)، أو المغامرة بتفكيك الائتلاف مع التيار اليمينى المتطرف، والذهاب إلى انتخابات مبكرة غير مضمونة، ويظل السؤال الصعب، عن مبدئية الموقف الأمريكى، وقدرته على إبقاء نتيناهو داخله، هل يتعلق بالتوقيت والصيغة، خاصة إذا تذكرنا، مواقف ترامب أثناء الحملة الانتخابية الأخيرة، وحديثه عن حق إسرائيل فى توسيع أرضها، باعتبارها دولة صغيرة المساحة، والضفة هى المجال الأقرب لذلك؟. وأعترف أننى لا أملك الإجابة، التى قد تكشف عنها المرحلة القادمة.