سميحة شتا بعد إعلان اتفاق قمة شرم الشيخ الذى أنهى رسمياً الحرب على غزة ووقف إطلاق النار، دخل الملف الفلسطينى مرحلة جديدة تُعدّ الأكثر تعقيدًا منذ اتفاقات أوسلو لم يعد النقاش اليوم يقتصر على وقف القتال أو توفير المساعدات العاجلة، بل تحول إلى صراع على من سيحكم غزة وكيف ستُدار عملية إعادة الإعمار وإعادة بناء مؤسساتها. يتقاطع هذا الصراع بين مصالح داخلية فلسطينية متناقضة، وبين مصالح إقليمية ودولية متضاربة، ما يجعل «اليوم التالي» سياسياً وإنسانياً أصعب بكثير من مرحلة القتال نفسها. أول محاور النزاع يتعلق بصورة الإدارة القادمة لقطاع غزة ثمة ثلاثة توجهات متنافسة: توجه دولى يدعم إدارة انتقالية برعاية دولية واسعة، وتوجه فلسطيني- عربى يدفع لحل يُحافظ على القرار الفلسطينى الداخلي، وتوجه إسرائيلى يسعى لضمان ألا تتحول غزة إلى مصدر تهديد أمنى أو كيان سياسى مستقل. اقرأ أيضًا | من قمة السلام القاهرة 2023 إلى اتفاق شرم الشيخ 2025.. «القاهرة» تنتقل من دور «وسيط الهدنة» إلى قيادة مرحلة «الإعمار والسلام» تميل الولاياتالمتحدة إلى خيار إدارة انتقالية دولية، حيث تقترح إشراف شخصيات مثل تونى بلير ضمن هيئات دولية، بينما تُصر القاهرة على أن يكون الحل «فلسطينياً-عربياً» يضمن وحدة القرار ويقلص أى دور وصاية خارجية. ثانى المحاور الحسّاسة هو ملف سلاح المقاومة، حيث تطالب كل من واشنطن وتل أبيب بنزع سلاح الفصائل كشرط للاستقرار، فى حين تُصر حماس والجهاد الإسلامى وقوى مقاومة أخرى على أن السلاح حق دفاعى لا يمكن التنازل عنه فى ظل استمرار الاحتلال. معبر رفح صار محورًا أساسيًا فى معادلة ما بعد الحرب؛ تشير المعطيات إلى استمرار الإشراف المصرى المباشر مع رقابة أوروبية على الحركة والعبور والمواد الإغاثية. هذا يعكس تعزيز دور القاهرة كلاعب محورى بعد الحرب: مصر خرجت سياسياً أقوى، بعدما لعبت دور الوسيط وأحبطت محاولات تهجير جماعي، واستطاعت دفع واشنطن نحو توازن أكبر فى مواقفها. بدعم سعودى وأوروبى أيضاً، عزّزت مصر موقعها كضامن لوحدة الفلسطينيين ومنع تحويل غزة إلى «وِصاية دولية» تُملى سياساتها من الخارج. فى هذا السياق، تبدو الدعوة المصرية إلى حوار وطنى شامل فى القاهرة فرصة تاريخية لتأسيس مرجعية وطنية جديدة، قد تشمل حماس والسلطة وأحزاباً وفصائل مختلفة، وتتناول شروط إدارة غزة، آليات إعادة الإعمار، ووضع الملف الأمني. خطة أمريكية مؤلفة من عشرين بندًا طرحت إنشاء سلطة انتقالية دولية فى غزة (GITA) مدعومة بقوة أمن دولية من دول عربية وغربية، تحت إشراف شخصية دولية ورمزية أمريكية. تقترح الخطة إدارة تكنوقراطية مؤقتة تتركز على إعادة البنية التحتية والاقتصاد، مع فرض شروط على مشاركة حماس فى الإدارة السياسية. الخطة تواجه رفضاً فلسطينياً واسعاً وامتعاضاً إقليمياً؛ إذ تُعدّ بمثابة محاولة لإعادة تشكيل السلطة الفلسطينية بنسخة «مأمونة» لدى القوى الغربية والإسرائيلية، كما أن الخطة تصطدم بعائق إسرائيلى واضح، فنتنياهو وقيادته يرفضون أى خطوات تُقوّى المشروع الفلسطينى أو تفتح طريقًا لإقامة دولة، وقد يستغل هذا الموقف سياسياً داخلياً لصالحه فى الانتخابات المقبلة. يرتبط بذلك احتمالان متبادلان: أولاً، أن تستعيد حماس سيطرتها الميدانية على غزة وتملأ الفراغ الذى خلّفه الانسحاب الإسرائيلي، وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا من حيث الواقع الميداني؛ فالقوة المنظمة التى بقيت على الأرض لديها القدرة على تنظيم وإدارة الشوارع والخدمات إلى حين بلورة تسوية سياسية أوسع. ثانيًا، احتمال عودة نسق ما قبل 2005 من تنسيق أمنى وإشراف جزئى بين الاحتلال والسلطة وهيئات دولية سيناريو مرفوض فلسطينياً ويظهر كمخطط غربى أكثر من كونه حلًا عمليًا أخيراً، ثمة سيناريو كارثى يتمثل فى «الفوضى المهندسة» التى قد تؤدى إلى تصاعد الاشتباكات الداخلية أو تجدد العدوان، وهو السيناريو الأقل احتمالًا لكنه الأخطر، ويرسخ مصلحة إسرائيل فى استمرار حالة الاستنزاف وعدم استقرار غزة. تلخيصًا: المشهد ما بعد الحرب يقدّم ثنائية مفصلية: إمّا تحويل الزخم الدولى والعربى إلى فرصة لبناء دولة فلسطينية أو إهدارها فى حلول تكرّس وصاية خارجية وتُضعف السيادة الفلسطينية المعادلة الجوهرية تكمن فيمن سيملك قرار إعادة الإعمار والسيادة الأمنية والسياسية: إذا لم يكن الحل فلسطينيًا خالصًا، فإن غزة قد تتحول إلى نموذج انتداب دولى جديد حكم يقدّم شكلاً من أشكال «الإدارة» دون سلطة حقيقية. على الأرض، تستند قوة حماس إلى بقائها والتمثّل الشعبى الذى تحظى به فى ظل الدمار، بينما تسعى السلطة الفلسطينية لإعادة شرعيتها عبر قنوات المانحين والإصلاح الداخلي. تؤكد الدعوات الفلسطينية الرسمية والمقاومة أن أى عملية إعادة إعمار يجب أن تكون نتيجة لحوار وطنى شامل تُقره الأطراف الفلسطينية، لا فرض خارجي، كما تُشدِّد على أن السلاح يبقى خطًا أحمر ما دام الاحتلال قائماً، وأن فصل الإدارة المدنية عن القدرة الأمنية الحقيقية دون ضمان سيادة فلسطينية حقيقية سيكون نافذة لفرض سياسات من الخارج تمحو مفهوم التحرر الوطني. فى المقابل، القوى الدولية تسوق التكنوقراطية كحل «عملي» لإدارة الشئون الإنسانية والاقتصادية ولكن دون تقديم ضمانات واضحة لحقوق الشعب أو استقلالية القرار السياسى الفلسطيني. فى خاتمة المشهد، يبقى التحدى الأكبر هو قدرة الفلسطينيين على حشد إجماع وطنى حقيقي، وبناء سلطة تمتلك شرعية شعبية وفعالية إدارية تتيح إدارتها لمرحلة ما بعد الحرب دون تحويل غزة إلى مشروعٍ سيادى مقضىّ عليه من خارجيين. إن نجاح الحوار المصرى المرتقب قد يكون المفتاح، إذا أنتج إطارًا وطنياً واضحًا يضمن مشاركة فعّالة لحماس والسلطة والفصائل والأطراف المدنية، فقد يتحول التمويل الدولى إلى فرصة لإعادة بناء حقيقى يوازن بين الحقوق الإنسانية والسيادة الوطنية، وإلا فستبقى غزة مسرحًا لصراعات الآخرين، حيث تُستخدم إعادة الإعمار كغطاء لإعادة إنتاج نظام سياسى يخدم مصالح الخارج أكثر من خدمة شعب غزة.