في واقعة هزّت محافظة المنيا وأثارت مشاعر الحزن والدهشة، أسدلت محكمة جنايات المنيا، يوم السبت الماضي، الستار على تلك الجريمة البشعة التي راح ضحيتها 7 أشخاص دفعة واحدة، التي عرفت إعلاميًا بقضية «أطفال دلجا»، وقضت المحكمة بإحالة أوراق المتهمة إلى فضيلة مفتي الجمهورية، تمهيدًا لإصدار الحكم بإعدامها بعد استطلاع الرأي الشرعي. وجاء قرار الإحالة في ثاني جلسات المحاكمة التي شهدت حضورًا أمنيًا مكثفًا وتوافدًا كبيرًا من أهالي القرية وأسر الضحايا الذين انتظروا لحظة القصاص، وسط حالة من الترقب الشديد داخل قاعة المحكمة.. «أخبار الحوادث» تابعت القضية منذ البداية وحتى كشف لغز الجريمة واعترافات المتهمة أمام المحكمة وشهدت جلسة النطق بالحكم مرافعة نارية من النيابة العامة.. وإلى التفاصيل. شهدت جلسة النطق بالحكم، مرافعة تاريخية ألقاها المستشار أحمد عبد الخالق، ممثل النيابة العامة بجنوب المنيا، فقال: «باسم من خلق السموات والأرض وباسمه العزيز الجبار الذي شرع القصاص حياة للناس ورحمة بالضعفاء وزجرًا للجناة، حضرات المستشارين الأجلاء نقف الآن بين أيدي عدالتكم الموقرة محملين بأمانة ثقيلة.. أمانة تهتز لها الجبال وتئن لها القلوب.. أمانة دماء ذكية أريقت ظلمًا وعدوانًا.. أمانة طفولة بريئة أغتيلت على حين غرة وأمانة أب كان لفلذاته سندًا وعونًا فإذا بحياته تُطفأ فجأة ويوارى جسده قبل أن يكمل رسالته في هذه الدنيا.. أيها السادة إنها ليست قضية عابرة تُعرض ثم تطوى، وليست جريمة من تلك الجرائم التي اعتاد الناس على سماعها إنها مأساة كاملة.. فاجعة متكاملة الأركان تنطق كل ذرة من تفاصيلها بالمرارة والأسى.. نحن أمام جريمة ليست كسائر الجرائم، جريمة خطّها الغدر بأبشع صوره ورسمتها الخيانة بأشنع وجوهها، جريمة تقشعر لها الأبدان وتبكي لها القلوب قبل العيون.. لقد سطّرها التاريخ بمداد أسود قاتم، وجعلها الناس مضربا للمثل فيما يبلغه الجرم من درجات سحيقة، حين يغيب الضمير وتموت الرحمة وتدفن الإنسانية.. أيها السادة القضاة لقد شهدنا في هذه الدعوة كيف تحول الخبز الذي جعله الله قوام الحياة إلى أداة للفناء، الخبز رمز البقاء والأمان صار وسيلة الغدر والهلاك، اللقمة التي وجدت لتمنح الدفء والشبع غدت سمًا زعافًا يسرق الأنفاس ويطفئ الضحكات ويحول البيوت العامرة إلى قبور مفتوحة على اتساعها.. تأملوا كيف امتدت يد آثمة تجرّدت من الرحمة وقست حتى على براءة الطفولة، يد لم تعرف شفقة ولم تعرف قلبًا حيًا يخاف الله أو يرحم خلقه فمدت غدرها إلى رغيف الخبز لتجعله قناعًا للموت ومركبًا للفناء حتى غدا البيت الذي كان يضج بالضحكات والمرح مأتمًا لا ينقطع فيه النحيب، وصار الرغيف الذي كان يكسر لتقاسم الحب والدفء شاهدًا على خيانة شنعاء.. أيها السادة هذه الجريمة ليست مجرد قتل لضحايا معدودين بل هي اعتداء على المجتمع بأسره على أمنه واستقراره على ثوابته وقيمه وعلى أقدس ما أودع الله في قلوب عباده ألا وهو الرحمة، جريمة أقدمت فيها امرأة على ما لم تقدم عليه الوحوش في أوكارها، امرأة تجردت من كل معاني الإنسانية، فخلعت عن نفسها رداء الرحمة ولبست عباءة الشيطان وسكبت السم لا في الطعام فقط بل في نهر الحياة الذي كان يجري في بيت آمن مطمئن.. لقد تجردت المتهمة من تلك الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وصار قلبها موئدًا للحقد ومستودعًا للكراهية حتى رأت في الأطفال الأبرياء وأبيهم ضحايا مشروعة لمخططها الآثم». مشاهد مؤلمة وأضاف المستشار أحمد عبد الخالق: «حضرات المستشارين الأجلاء أما بعد هذه المقدمة فلنفتح صفحات الدعوة، ولنستعرض ما جاء بها يومًا بيوم ولحظة بلحظة كأنما نشاهد مشاهد الفيلم الأسود بطله الغدر وضحاياه الأبرياء..بيت صغير في دلجا، كان بيتًا متواضعًا لكنه عامر بالضحكات ستة صغارٍ يملأون المكان مرحًا وصخبًا وأب يرعاهم بعينيه وأم تغدق عليهم حنانها ولكن خلف هذا الهدوء كانت هناك نفس تتربص.. قلب امتلأ حقدًا وغيرة حتى صارت الغيرة نارًا أحرقت بصيرتها وغشت عقلها، المتهمة يا سادة لم تر في هؤلاء الأطفال إلّا عثرة في طريقها، ولم تر في زوجها إلّا خائنًا لقلبها فكان قرارها أن تبيد الجميع لا بالسكين ولا بالسلاح بل بوسيلة أشد خفاءً وأكثر غدرًا ألا وهي السُم، فالغدر يا سادة لا يولد فجأة بل يبيت طويلًا في قلب صاحبه حتى يلتهمه ثم يلتهم من حوله، ففي السادس من يوليو حضر الطفل البريء محمد إلى بيت المتهمة لم يدر أن خطواته الصعيرة إلى هذا البيت ستكون خطواته الأولى نحو القتل، قدمت له المتهمة خبزًا دست فيه السُم، فأكل الطفل ببراءة كما يأكل كل طفل بلا حساب وبعد ساعات بدأ الألم ينهش جسده الصغير فاشتدت به الحمة وتردد بين الأطباء والمستشفيات لكن السم كان يزحف في دمه لا يرحم، حتى أسلم روحه الطاهرة لبارئها يوم الحادي عشر من يوليو... أي قسوة هذه التي تخرج من قلب امرأة، أي قلب هذا الذي يمُد يده بلقمة مسمومة إلى طفل لم يعرف بعد معنى الغدر، ويوم العاشر من يوليو لم تكتف المتهمة بضحيتها الأولى، لقد جربت السُم ورأت أثره فأيقنت فاعليته، وهنا قررت استكمال مخططها الأسود، أعدت خبزًا آخر كما كانت تفعل كل يوم، لكن هذه المرة لم يكن الخبز زادًا للحياة بل قبرًا يأكله الأطفال بأيديهم، وضعت فيه السُم وناولته للصغيرة رحمة كي تحمله إلى أخواتها وأمها، رحمة تلك الطفلة البريئة لم تدر أن يديها الصغيرتين كانتا تحملان جوالًا من الموت، حملته ببراءة وأوصلته إلى أخوتها، جلسوا جميعًا حول المائدة أكلوا اللقمة تلو الأخرى ثم بدأ المشهد المأساوي، طفلة تشكو من مرارة الطعم وأخرى تتلوى من الألم وأب يئن بين صرخاتهم واحدًا تلو الآخر يتساقطون ينقلون إلى المستشفى يتشبثون بخيط الحياة لكن السُم كان أسرع، وفي أيام معدودات تحولت الضحكات إلى أنين والأحضان إلى جثامين والبيت العامر إلى قبر جماعي، تبكي الطفولة من خطيئة غادرٍ لم يرحم الأرواح في أكمانها فإذا بها ورد متساقط ويد الخيانة تقطف أحلامها. ثم جاء صوت العلم تقرير الطب الشرعي ليضع النقطة الأخيرة على السطر، لا عنف جنائي، لا ضرب ولا طعن بل سمُ قاتل اسمه الكلورفينبير، مادة لا رائحة لها لا تتأثر بالحرارة تقتل ببطءٍ وتسقط ضحاياها تباعًا، قد وجدت آثارها في الجثامين وفي الخبز وفي أدوات الطبخ ببيت المتهمة. واستكمل المرافعة قائلا: «السم هو أداة الغادرين ووسيلة الضعفاء الذين لا يجرأون على المواجهة، فيلجأون للطعن خفية والقتل من وراء الستار وهكذا فعلت المتهمة دست السم في الخبز فطعنت الضحايا في موضع الأمان حيث لا يتوقع الإنسان غدرًا و لا يتوجس شرًا، فصار غذاء الحياة سلاح الموت و صار الرغيف الذي يجمع الأسرة حول المائدة رمزًا لمأساة جماعية لم يعرف لها الناس مثيلًا... إننا لنقف اليوم على منصة لا لعرض أوراق قانونية أو تلاوة مواد جامدة، إنما نقف على منبر الحق نرفع صوت الضمير ونستحضر صرخات الأطفال الذين صمتت ألسنتهم لكن بقيت أرواحهم تئن، ونستحضر دموع الأمهات الثكالى وآهات الجدود المفجوعين وحسرات الإخوة الذين خسروا في لحظة كل شيء.. هذه ليست مجرد محاكمة لواقعة بل هي امتحان للضمير الإنساني ونداءً للعدالة أن تُنزل حكمها العادل الذي يليق بفداحة الجرم، فما بين أيدي عدالتكم يا سادة ليست أوراقًا فحسب بل أكفانٌ صغيرة تحيط بأسماء ستة أطفال أبرياء ودموع وطن بأسره وغضب أمة لن ترضى أن يمرّ الغدر دون قصاص، لقد قال تعالى: «ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق» فإذا كان قتل نفس واحدة عداونًا على أمر الله فكيف بقتل ستة أطفال ومعهم الأب الذي كان سندًا وعضدًا.. كيف يواجه المجتمع هذا الجرم إن لم يقام العدل ويعلن القصاص، حضرات القضاة الأجلاء إننا نعرض أمامكم مأساة لم تُكتب بالسيوف ولا بالبنادق بل كتبتها يدٌ غادرة في رغيف خبز مسموم، مأساة سالت فيها دموع الأمهات قبل أن تسيل دماء الأبناء، مأساة غدرت بالملح والعيش وخانت المائدة التي قال فيها الحق: «كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ» إلا أنها آثرت إلا أن تعيث فسادًا وأن تجعل من نعمة الرزق نقمة ومن دفء البيت مأتمًا، وإننا إذ نقف الآن أمام عدالتكم فإننا لا نُحاكم متهمة فحسب بل لنعلن أمام الدنيا كلها أن العدالة لا تعرف هوادة أمام الغدر وأن القانون لا يرحم من لا يعرف للرحمة سبيلًا، وأن حياة الأطفال أقدس من أن تترك نهبًا للحقد والانتقام». العدالة الناجزة واختتم ممثل النيابة مرافعته قائلا: «هذه الجريمة يا سادة لم تسطرها الأرقام بل سطرتها صرخات الأبرياء، لم تنطق بها المحاضر وحدها بل نطقت بها دموع الأمهات وآهات الأباء، إنها مأساة تئن لها صدور الناس، وجرح غائر في ضمير الوطن، وإننا إذن نبدأ مرافعتنا بيم أيدي عدالتكم لا نبتغي إلا وجه الحق ولا نطلب إلا عدل الله وعدلكم لنعلن أن الغدر لا يُغتفر، وأن قتل الأطفال لا يُبرر، وأن القصاص حياة للأمة وصيانة للمجتمع وتطهير من رجس الجريمة». تحولت القضية لمحكمة الجنايات، وفي ثاني جلسات المحاكمة، قضت المحكمة بإحالة أوراق المتهمة إلى المفتي، ليسدل الستار على تلك الجريمة ويكتب هذا الحكم سطور الفصل الأخير فيها. اقرأ أيضا: قبل ثاني جلسات محاكمة المتهمة.. والدة أطفال دلجا: «الإعدام مش كفاية»