نخطو فى بداياتنا نحو أماكن عملنا، نلتقى أشخاصا لا نعرفهم، بعد زمن طال أو قصر نفرز من بين الزملاء، أصدقاء ونجعل لهم مكانة فى حياتنا وقلوبنا. على مدى رحلة العمل التى هى رحلة العمر أيضا يتسرب من بين الأصدقاء واحد ثم آخر، فتخلو الساحة شيئا فشيئا ونشعر بالغربة بعدما يدخل حياتنا آخرون جدد لا نعرفهم تماما وتزداد غربتنا كلما رحل صديق، حتى نصل إلى مرحلة الرغبة القوية فى الرحيل أيضا لحاقا بأحبائنا ممن سبقونا. نرسم للحياة خرائط، ونخطط لأيامنا القادمة كما لو أنها مضمونة، ننسج الأحلام ونعد اللحظات التى سنعيشها مع من نحب. لكن يأتى الموت بلا استئذان، كريحٍ عاتية تقتلع من أرواحنا ما هو أغلى من الأنفاس. يخطف صديقا أو رفيق درب، فيتركنا مذهولين أمام فجوة لا تملأ وغياب لا يعوض. نقف أمام الموت عاجزين، يصعب علينا التصديق ولا يمكننا التكذيب، نرتجف ونحن ندرك أن يدا خفية تسحبنا من دفء الحياة إلى برودة الفقد. وما إن نحاول التماسك حتى يطرق الموت بابنا من جديد، فيختطف آخر، ويتركنا فى دائرة لا تنتهى من الصدمة والانكسار. رحل منذ أيام صديق من الأصدقاء الذين لا يتكررون هو «خالد حجاج» الوقور، المهذب، الهادئ ذو الصوت الخفيض، صديق من جيلنا فى مؤسسة أخبار اليوم، عمل على مدى يزيد على أربعين عاما دون أن يرتفع صوته أو يدخل فى نزاع مع آخر. افتقدناه، جيلنا والجيل الشاب الذى عمل معه فى صالة التحرير. من قبل رحل آخرون ومع كل رحيل، تفرغ الحياة من معناها، تبهت تفاصيلها، وينتابنا صراع مرير بين الرغبة فى التمسك بالحياة، وبين الشوق للحاق بمن سبقونا. نحيا بأجساد مثقلة وقلوب مشطورة. ويبقى الموت رغم قسوته، يذكرنا بأن كل لحظة مع من نحب هى كنز لا يقدر، وأن الحياة ليست سوى رحلة قصيرة وأن الرحيل قدر لا مفر منه. مكان العمل يمتلئ بالذكريات، تعبئه الضحكات الصغيرة، والقفشات، وبعد الفقد يحفر الحزن أنحاء المكان ونصبح غرباء وننسحب رويدا رويدا حتى نغيب عن النظر، وتتكرر الحكاية مع من لحقوا بمكاننا. رحم الله خالد حجاج.