تحت أشعة الشمس أو داخل البيوت في الأسواق والطرق نجد ملايين من الناس من أصحاب «الأيادي الشقيانة» من الرجال والنساء لكسب قوت يومهم ومحاولة أداء رسالتهم فى الحياة مع أبنائهم، خصوصًا السيدات المعيلات اللواتي يتولين مسئولية إعالة أسرهن، فتجبرهن الحياة على البحث عن أي مهنة تسد احتياجاتهن، هؤلاء الناس يفتقدون لأدني وسائل الأمان فى عملهم ويعملون بشكل موسمي رغم المسئوليات التي تقع على عاتقهم. شيماء سيدة في العقد الثالث من عمرها حكمت عليها الحياة بالشقاء، فرغم أنها تتمتع بقدر من الجمال فإنها تزوجت «جوازة متواضعة» ليست من الناحية المادية فقط بل من الناحية الأخلاقية للزوج أيضًا الذي دفع به أصحاب السوء إلى طريق الإدمان فتخلى عنها وعن عائلته وأصبح بيت الزوجية بالنسبة له مجرد محطة إذا احتاج للراحة أو المال ليبيع قطع أثاثه واحدة تلو الأخرى. لم تجد شيماء أمامها سوى الخروج للعمل لسد احتياجاتها واحتياجات أطفالها الأربعة ومنهم واحدة مريضة بضمور بالمخ، حيث أنجبتهم على مضض ووعود من أهلها وأهل زوجها بالعلاج والرجوع عن الإدمان، إلا أن الوضع لم يتغير ووجدت نفسها مسئولة عن أربعة أطفال. مصروفات أكل وشرب وعلاج وتعليم وغيرها من المسئوليات التي تراكمت عليها بعد أن تنكر لها القريب والغريب فلم تجد حلًا سوى الخدمة في البيوت، ساعات طويلة تقضيها شيماء في البيوت تاركة خلفها أطفالها دون رعاية، فمنذ حوالي 15 عامًا وهي تقضي أيامها في شقاء فقدت خلالها جمالها وصحتها. ولا يختلف حال فاطمة كثيرًا وإن كان أشد قسوة، فتحت أشعة الشمس تجلس هذه السيدة المسنة على كرسيها المتحرك بأحد الأسواق الشعبية بمنطقة فيصل وتحتمي من الشمس بقطعة من الكارتون، وتبيع أصنافًا مختلفة من الخضار، حيث تسهر يوميًا في تنظيفه وتغليفه كما تخبز الفطير ليلًا بمساعدة ابنتها وتبيعه لزبائن السوق في الصباح. تقول فاطمة إنها يوميًا في الساعة السابعة صباحًا تخرج من منزلها بمحافظة بني سويف متخبطة بين المواصلات لتصل إلى سوق الجمعية بمنطقة فيصل رغم عدم قدرتها على المشي بسبب مرضها بكسر في مفصل الحوض، كما أنها مصابة بأمراض القلب والضغط والسكري لكنها كما تقول تعمل لتوفير مصاريف يومها وعلاج ابنتها «مريضة السرطان وأحفادها الأربعة» فبعد إصابة ابنتها بالسرطان تخلى عنها زوجها وتركها خلفه هي وأولادها ولم تجد الجدة حلًا سوى النزول إلى القاهرة لكسب قوت يومها. الحكايات كثيرة وتدور فصولها في مهن مختلفة، فدون كلل أو ملل يمارس عمال النظافة عملهم لرفع القمامة وتنظيف الشوارع في درجات الحرارة المرتفعة صيفًا لكسب قوت يومهم وسد احتياجات أبنائهم ترفعًا عن سؤال الغير، ومن بين هؤلاء محمد (28 عامًا) الذي يأتي من العياط يوميًا ليتحصل على يومية 90 جنيهًا مقابل عمله في إحدى شركات النظافة، ويستمر عمله لمدة 8 ساعات تحت أشعة الشمس فيجر العربة الحديدية وفي يده مكنسته الخشبية لينظف الشوارع ويفرغ صناديق القمامة بين الحين والآخر وكل فترة يحتمي من أشعة الشمس تحت الأشجار ويشرب المياه ليرجع مرة أخرى للعمل. ◄ اقرأ أيضًا | عيد العمال| لوحات فنية تعكس كفاح الأيادي «الشقيانة» محمد هو الأخ الأكبر لخمسة أشقاء (شابان، و3 فتيات) من بينهم فتاة مقبلة على الزواج ويحاول هو وشقيقه الأصغر تجهيزها للزواج بعد وفاة والديه وفي أيام الإجازات يعمل باليومية في مزرعة دواجن. وعلى أحد الأرصفة بمنطقة ميدان الجيش يفترش عمال التراحيل أحد الأرصفة في انتظار أي مهمة عمل ليعودوا إلى أسرهم في المساء حاملين بعض الجنيهات، ومنهم جمال عبده (33 عامًا) الذي يأتي من محافظة الشرقية يوميًا بحثًا عن لقمة العيش تاركًا وراءه زوجته ووالدته وشقيقته الصغرى و4 أبناء في مراحل دراسية مختلفة، أكبرهم في المرحلة الإعدادية. يقول عبده إنه يترك خلفه عائلته يوميًا ويأتي إلى القاهرة بحثًا عن الرزق رغم الشقاء وحمل الطوب والرمل على ظهره والصعود والهبوط بها على مدار اليوم دون أي ضامن حتى لأسرته من بعده إذا تعرض لسوء، أو ما يعينه على الإنفاق عند مرضه، لكن «في النهاية هو شغل والسلام» على حد قوله، ليتمكن من سد قوت أسرته وعلاج والدته مريضة الكلى. يعمل عبده منذ صغره عامل تراحيل يحمل مواد البناء على كتفيه ويرفعها للأدوار العلوية ويتراوح رفع سعر عربة الرمل من 600 إلى 1200 جنيه ويتم توزيع المبلغ بينه وبين زملائه، وتحميل مخلفات الردم والبناء مقابل 50 جنيها للشيكارة، ويومية تتراوح بين 150 و400 جنيه لتكسير الحوائط والخرسانة. عمال التراحيل والخادمات بالمنازل والعاملون في المزارع وغيرهم من الفئات التي تدخل ضمن العمالة اليومية أو العمالة غير المنتظمة تحتاج إلى رعاية اجتماعية وتأمينات ضد الحوادث، فحسب قاعدة بيانات منظومة العمل يوجد في مصر مليون و200 ألف شخص مسجلين ضمن العمالة غير المنتظمة. من جانبها، تقول الدكتورة هدى زكريا أستاذ علم الاجتماع، إن العمالة باليومية فئة كبيرة في المجتمع وهي مرتبطة كغيرها بالأزمات الاقتصادية التي تمر بها المجتمعات لكن هؤلاء أكثر شعورًا بهذه الأزمات فهم يعانون تدني الدخل وعدم وجود حماية في حالة المرض أو عند التعرض للمخاطر وليس لديهم تأمين اجتماعي. وتضيف زكريا أن الدولة تسعى للتعامل مع هذه الفئة من خلال عدة استراتيجيات لجأت إليها مؤخرًا للاهتمام بهذه الفئة وجمع أرقام محددة ودقيقة عنها، وضمها إلى برامج الحماية الاجتماعية مع الحرص على صرف منح دورية لهم.