قليلون الذين يمتلكون قلبا ووعيا ورؤية فنية يوظفونها ليتخطوا حدود المحلية.. عامر خان الممثل والمنتج الهندي يعمل دائما وفقا لمعايير إنسانية في المقام الأول، وفنية فيما بعد، يبدع بعيدا عن حسابات المكسب والخسارة، يؤمن دائما بحظوظه في شباك التذاكر كمثقف ومؤثر، ويثق متابعوه فيما يقدمه، الممثل المخضرم الذي يسعى دائما لتعميق الأثر الإنساني وتخطى الحدود ببساطة ناسك وعمق فيلسوف، يعود مرة أخرى بفيلم من إنتاجه وبطولته بعنوان "نجوم على الأرض"، الفيلم الذي تصدر شباك التذاكر الهندي فور طرحه، تدور أحداثه حول مدرب مساعد لكرة سلة يتشاجر مع المدرب الرئيسي ويضربه أمام أعين الجميع ليخرج منفعلا وغاضبا ويتوجه إلى أقرب حانة، ثم يقود سيارته وهو في حالة سكر فيصطدم بسيارة للشرطة ويحرر له محضر، ولأنها سابقته الأولى فلا يحكم عليه بالسجن، لكن يحكم عليه وفقا للقانون الهندي بتأدية الخدمة الاجتماعية لمدة 3 أشهر في تدريب فريق من ذوي الهمم التابع لإحدى المراكز الاجتماعية، ويضطر لقبول الحكم بدلا من السجن، ويذهب إلى هناك وهو حزين، ولا يعرف كيف يتعامل مع هذا العالم الذي يرى أنه غريب وغير طبيعي.. لكنه يحاول مضطرا، إلى أن يجد نفسه جزء من هذا العالم، خاصة بعدما تقدم الفريق في البطولة المحلية، وبدأ يفوز في مباراة تلو الأخرى، إلى أن يصل إلى النهائي، لكن الفريق يخسر المباراة النهائية، ومع ذلك يرى المدرب فرحة غير طبيعية للفريق رغم الخسارة، فيسأل عن سر سعادتهم ليقول له أحدهم: "نحن لم نخسر، نحن حصلنا على المركز الثاني"، ويقول له مدير المركز: "إذا كان الإنسان واسع القلب كيف يكون ناقص العقل؟، إنهم يعرفون معنى السعادة؟"، ويؤكد المدرب أنه لم يعلم الأولاد لكن هو من تعلم منهم.. الحقيقة إن مشوار عامر السينمائي والإنساني بداية من فيلمه "الأغبياء الثلاثة"، مرورا بفيلم "نجم على الأرض"، وفيلم "بي كي"، مليئ بالمعاني الجميلة الحقيقية التي يطيب لعامر أن يذكرنا بها وسط عالم مشحون بالمشاعر الرديئة والصراعات المستمرة. فيلم عامر الجديد ليس توعويا ولا يقدم دروسا مباشرة، لكنه عمل فني حقيقي متقن الصنع، ويكفي إدارة المخرج أر أس براسنا، لعشرة أبطال يقفون أمام الكاميرا لأول مرة من ذوي الهمم، وهو أمر ليس سهلا على الإطلاق، إضافة إلى أنه حافظ على إيقاع سريع دون ملل على مدار زمن الفيلم، والذي يشدك دائما وتتفاعل مع كل مشهد فيه. عامر خان مازال ينبض بالفن والإنسانية، ومازال يتربع على عرش القلوب وشباك التذاكر، وهي معادلة صعب الوصول إليها وسط صراع فني كبير في السينما الهندية التي تقدم إنتاجا ضخما كل عام.