عندما تفقد الأشياء قيمتها يختلط الحابل بالنابل، ولا تعرف أيهما أصبح أصلح وأقوم للإنسان. كلامى هنا عن صناعه السينما التى كانت تعد بالنسبة لنا رسالة لها قيمة، وكان القائمون عليها قامة لأنهم رسل يحملون أمانة مخاطبة عقول هذا الشعب، دون تجريحه أو خدش حيائه، وامتدت جسور التواصل بين الشعب وتلك الصناعة، عقود حرص فيها الشعب على احترام القائمين عليها للدرجة التى جعلته يحفظ عن ظهر قلب أسماء المخرجين، وكتاب السيناريو والحوار، وصاحب القصة، قبل أن يحفظ أسماء الممثلين، فهو من خلال أفيش السينما الذى كان يحوى تلك الأسماء، مع بعض صور ومشاهد من هذا العمل، كان يأخذ قراره بأن يقدم على حجز مقعده ضمن مقاعد المشاهدين، أو يمتنع وينصرف إلى مكان آخر يدفع فيه بعض نقوده التى ادخرها خصيصاً من أجل أن يستمتع ويغذى روحه برواية يشاهدها قبل أن يعود لقراءتها، ليكمل فصلاً من فصول المتعة البشرية، التى كانت وقتها تعتبر غذاء للروح قبل الجسد. وظلت تلك الأسماء محفورة وخالدة إلى الآن، ومنهم صلاح أبوسيف، وبركات، وبدرخان، وحسن الإمام، وكمال الشيخ، وحسام مصطفى، وحسين كمال، ويوسف شاهين، وعاطف الطيب، وخيرى بشارة، وأسماء كثيرة ارتبطت أسماؤهم بأسماء أدباء عظام، مثل إحسان عبد القدوس، ونجيب محفوظ، ويوسف إدريس، ويحيى حقي، وطه حسين.. وظلت العلاقة قائمة بينهما على الاحترام، يبحث فيها الفنان عن حبه وقصة نجاحه عند الجمهور، من خلال شباك الإيرادات. لذلك كان الفنان ينتقل بحرية، لأنه كان يحب أن يلمس بنفسه حب الجمهور له، وعشقه للشخصية التى قام بها. والآن أصبح الطحين ليس جيداً وبلا طعم، من كثرة الضجيج الذى يحدثه هؤلاء، وأصبح المشاهد تافهاً، وأصبح الفنان يستخف بعقول مشاهديه، ولا يقبل النقد من جمهور احتفظ لنفسه أن يعيش على قيم وقامة زمان، واكتفى الفنان بجمهور له دون أى خلفية ثقافية، لأن كلاهما لا يريد أن يسمع الآخر، فأصبحت المتعة جسدية وليست روحية، وأصبحت مواقع التواصل مرآة الفنان وجمهوره، لذلك تثار قضاياهم من خلاله، فترى أشياء لا يصدقها العقل، من سوء تصرف من الفنان ورد الجمهور عليه، لتبكى على زمن كنت ترى الفنان يسير بجوارك دون إزعاج، يتمنى مصافحة الجمهور، وأحياناً احتضانه.