فى لحظة صمت أدركت أن الزمن دار دورته، وأن مواقع التواصل أصبحت مثل صيحات الموضة. إنفلونسر ما أجمل الجلوس مع الأهل والأحباب فى ليالى الساحل الشمالى الهادئة، حيث نسيم البحر يلامس الوجوه وصوت الأمواج يبعث فى النفس راحة وطمأنينة. كم يبهج القلب أيضًا الجلوس على الشواطئ المتنوعة التى تزخر بها هذه المنطقة الساحرة. أتذكر أيام الماضى حين كنا نذهب إلى المعمورة، ونجلس فى إحدى الكبائن الملاصقة لسور المنتزه، والتى كانت تجمع العديد من المشاهير. واليوم، خلال زيارتى للأقارب فى مارينا الساحل الشمالي، اكتشفت أن المشاهير قد تبدّل حالهم؛ فهم لم يعودوا مجرد فنانين أو شخصيات عامة كما فى السابق، بل أصبحوا يحملون لقبًا جديدًا هو «إنفلونسر» أو المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي. عندها هبطت على رأسى أسئلة عديدة: ما هذا اللقب الجديد؟ من الذى منحه لهم؟ وما الذى فعلوه ليستحقوه؟ جاءتنى الإجابة من أسرتي: هؤلاء أشخاص بنوا شهرتهم على المنصات الرقمية، وأصبحوا مؤثرين فى آراء الناس وسلوكهم الشرائي، حتى إن كثيرًا من الشركات تتسابق للتعاون معهم من أجل الإعلان عن منتجاتها وخدماتها عبر صفحاتهم. لكن السؤال الأهم الذى يراودنى هو: كيف يحكم الناس على هؤلاء؟ ولماذا يثقون فيهم إلى هذا الحد؟ هل يكفى أن يملك الشخص عددًا كبيرًا من المتابعين ليصبح مؤثرًا، أم أن التأثير الحقيقى يحتاج إلى مصداقية وتجربة حقيقية تصل إلى الجمهور. موضة الفيس بوك «الجديد شديد»... عبارة مصرية تختصر ما حدث معى فى إحدى ليالى السهر بالساحل الشمالي. جلست مع العائلة كعادتي، وفوجئت بأن «فيس بوك» الذى رافقنا سنوات طويلة صار فى نظرهم موضة قديمة، بينما المنصات الجديدة مثل «إنستجرام» و«سناب شات» استحوذت على اهتمامهم، ومعها أسماء أخرى لم أحفظها. تسللت إلى ذهنى ذكريات الجامعة؛ كنت وقتها أتعجب من أقاربى أو من أصادفهم فى الحياة اليومية حين يجهلون تطبيقًا شهيرًا، وأسأل نفسى ساخرًا: «الناس دى عايشة إزاي؟». اليوم انقلب المشهد، وأصبح شباب العائلة هم من يضحكون على جهلى بما يسمونه «الجديد»، فيما أقف حائرًا أمام أسماء التطبيقات وألوان الأيقونات، غير مدرك ما يميزها أو جمهورها المستهدف. «سناب شات» مثلًا... مجرد اسم بالنسبة لي، لا أعرف كيف يعمل أو لماذا يجذب الشباب، أما «إنستجرام» فأستخدمه قليلًا كضيف عابر مقارنة بولائى القديم لفيس بوك وتويتر. فى لحظة صمت أدركت أن الزمن دار دورته، وأن مواقع التواصل أصبحت مثل صيحات الموضة؛ ما يلمع اليوم يبهت غدًا، ومن كان بالأمس على القمة قد يجد نفسه فى الصفوف الخلفية أمام جيل جديد لا ينتظر أحدًا. نفوذ جواز السفر يبدو أن النفوذ فى هذا العالم لم يعد يُقاس فقط بالدبابات أو البورصات، بل بجواز السفر الذى نحمله فى جيوبنا. تصفحت مؤخرًا أحدث تصنيفات «هينلى لجوازات السفر»، فاكتشفت أن العالم تغيّر كثيرًا؛ جواز السفر السنغافورى يتربع على القمة، ويتيح لحامله دخول 193 وجهة بلا تأشيرة، بينما تراجعت الجوازات التى كنا نراها الأقوى، مثل الأمريكية والبريطانية، إلى الصفوف الخلفية، وكأن النفوذ غيّر اتجاهه نحو الشرق. الآسيويون يسيطرون على المشهد بقوة؛ اليابان وكوريا الجنوبية فى المركز الثانى ب190 وجهة، فيما تتقاسم دول أوروبا الكبرى المراتب التالية، بينما تتذيل أفغانستان القائمة ب25 وجهة فقط، وكأن جواز سفرها بطاقة محلية لا تعنى الكثير خارج حدودها. أدهشنى صعود الإمارات بهذا الشكل السريع؛ من المركز 42 إلى الثامن خلال عقد واحد فقط، إنجاز دبلوماسى يعكس سياسة الأبواب المفتوحة وعشرات الاتفاقيات الدولية. حتى الصين بدأت تشق طريقها بثبات من مؤخرة التصنيف إلى الوسط، رغم غياب تأشيرة «شنجن» عن قائمتها حتى الآن. أما الولاياتالمتحدة والمملكة المتحدة، اللتان كانتا رمز القوة بلا منازع، فقد تراجعتا؛ الأولى فى المركز العاشر، والثانية فى السادس. سياسة الأبواب الموصدة أفقدتهما بريقهما القديم، بينما العالم يزداد انفتاحًا أمام الجوازات التى تعرف كيف تبتسم عند الحدود. أغلقت التصنيف وأنا أفكر: ربما صار جواز السفر اليوم كلمة السر لعالم النفوذ الجديد؛ من يملك حرية الحركة يملك نصف القوة، ومن تُغلق فى وجهه الحدود يكتشف أنه خارج اللعبة مهما كانت قوته فى الداخل. العلاقات... هل لها عمر؟ سؤال يلازمنى منذ فترة طويلة: هل العلاقات الشخصية، سواء كانت صداقة أو زمالة أو حتى زواجًا، مجرد مراحل تشبه العمر، تبدأ قوية ثم تضعف مع الوقت حتى تنتهي؟ أم أنها شيء دائم لا ينتهى إلا بانتهاء الحياة؟ أتذكر زمنًا لم نكن نفترق فيه عن الأصدقاء والأهل والأحباب؛ لقاءات يومية، وضحكات تمتد حتى ساعات الليل. واليوم تغيّر المشهد؛ صارت أغلب اللقاءات عبر رسائل على مواقع التواصل الاجتماعي، وغالبًا فى المناسبات فقط. حتى فى العمل، تحوّل كثير من الأصدقاء والزملاء إلى أسماء تمر فى قائمة المحادثات لا فى الواقع. أحيانًا أسأل نفسي: هل كانت تلك العلاقات قائمة على المصلحة؟ أم أنها مجرد مرحلة طبيعية فى رحلة الحياة، تنحسر مع تبدل الظروف والانشغال بمسؤوليات جديدة؟ أم أن طاحونة الحياة، بما تحمله من ضغوط وسرعة، هى التى فرّقت بيننا وجعلت اللقاء رفاهية مؤجلة؟ ربما لا توجد إجابة واحدة، لكن ما أعرفه أن العلاقات مثل النباتات؛ إن لم نروِها بالاهتمام والوقت، تذبل مهما كانت جذورها قوية. خطبة الصدق جاءت خطبة الجمعة هذا الأسبوع عن الصدق، تلك الخصلة التى يصفها العلماء بأنها منجية، وواحدة من أنبل صفات الإنسان أيًّا كانت ملّته أو عقيدته. فالصدق هو الأصل منذ أن خُلق البشر، وهو الطريق الواضح الذى لا يضلّ من يسلكه. ومع ذلك يبقى الإنسان محيِّرًا فى اختياراته؛ إذ يقف أمام الطريق المباشر الصريح المنجي، ثم يقرر بإرادته أن يسلك طريقًا آخر، مسدودًا أو ملتويًا، وهو يظن فى قرارة نفسه أنه سيحقق به النجاح. هذا التناقض يجعلنى أراه أمرًا فلسفيًا عجيبًا يخص الإنسان وحده. فالكتب السماوية كلها دعت إلى الصدق، والأنبياء جميعًا اتصفوا به، وجاءت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الكثيرة لتؤكد أنه أساس الإيمان وركيزة الأخلاق، بل هو معيار يرفع الله به شأن عباده. ومع ذلك يصرّ كثير من الناس على الكذب أو التزييف أو اختيار طرق ملتوية، وكأنهم لم يذوقوا طعم الطمأنينة الذى يمنحه الصدق. أعتقد أن هذه الصفة ملازمة للفرد منذ نشأته، فهى تُزرع فى البيت، وتُغذى فى المدرسة، وتُختبر فى الحياة اليومية. والإنسان أمامه الخيار دائمًا: إما أن يكون صادقًا فى قوله وفعله، فينعم براحة الضمير، أو يسلك عكس ذلك فيعيش فى صراع داخلى مهما بدا منتصرًا أمام الآخرين .