في عالم الآثار، قد يكون لقطعة حجر صغيرة القدرة على قلب المفاهيم وتغيير المسلمات التاريخية. ومؤخرًا، أُثيرت ضجة واسعة بعد إعلان اكتشاف نقش أثري مذهل في منجم الفيروز بسيناء، يعود تاريخه إلى ما يقرب من 3800 عام. نقش غامض يحمل عبارة تُرجمت مبدئيًا إلى "هذا من موسى"، ما جعل بعض الباحثين يتساءلون: هل نحن أمام أول إشارة تاريخية محتملة إلى النبي موسى في الوثائق المصرية القديمة؟. وبين الحماسة والتريث، ما زال الجدل مفتوحًا. - النقش المثير: لحظة اكتشاف تهز الوسط الأثري في قلب شبه جزيرة سيناء، وتحديدًا بمنطقة منجم الفيروز الشهير، وبينما كان فريق من الباحثين المصريين والأجانب يقومون بأعمال تنقيب روتينية، تم العثور على نقش أثري محفور على صخرة من الحجر الرملي. النقش كُتب بالخط السينائي القديم – أحد أقدم الخطوط الأبجدية المعروفة، والذي يُعتقد أنه طُوّر من الهيروغليفية المصرية في مناطق العمال والنقّابين بشبه جزيرة سيناء. - الترجمة الأولية: "هذا من موسى"؟ الدهشة لم تكن في وجود النقش ذاته، بل في محتواه. الترجمة الأولية التي اقترحها بعض الخبراء للعلامات الأبجدية كانت تعني ما يُقارب عبارة: "هذا من موسى" أو "منسوب إلى موسى". تلك العبارة، إذا ثبتت صحتها علميًا، ستكون ذات دلالة غير مسبوقة، لأنها تمثل أقدم إشارة نصية معروفة لاسم "موسى"، بل وربما توفّر خيطًا جديدًا في الربط بين الروايات الدينية والتاريخية حول شخصية النبي موسى عليه السلام. - تحفّظ أكاديمي وتشكيك علمي ورغم الحماسة التي رافقت الإعلان الأول، إلا أن عددًا من علماء المصريات وخبراء الكتابات القديمة سارعوا إلى التحذير من الاستنتاجات المتسرعة. وأكدوا أن الترجمة ما تزال مبدئية جدًا، وأن الخط السينائي القديم معقد، ويحتمل تأويلات متعددة. كما أشاروا إلى أن اسم "موسى" كان شائعًا نسبيًا في مصر القديمة، خصوصًا في تراكيب مثل "تحتمس" أو "رعمسيس"، مما يجعل من الضروري إجراء مراجعة دقيقة قبل الربط بين النقش والنبي موسى تحديدًا. - السياق الزمني: ما الذي نعرفه عن عام 1800 قبل الميلاد؟ اقرأ أيضا| «جبانة الكورو».. أسرار ألوان حضارتين على ضفاف النيل الحقبة التي يُرجّح أن يعود لها النقش، أي حوالي 1800 ق.م، تقع ضمن ما يُعرف ب"عصر الدولة الوسطى" في مصر، وتحديدًا خلال الأسرة الثانية عشرة، والتي شهدت توسعًا مصريًا في سيناء واستغلالًا مكثفًا لمناجمها، ومنها مناجم الفيروز. يُعتقد أن العمال في تلك المناطق هم من استخدموا الخط السينائي لكتابة رسائل ونقوش بسيطة، قد تحمل دلالات دينية أو علامات ملكية أو شخصية. - العلاقة بالنصوص الدينية: تقاطعات وتباينات في التوراة والقرآن، يُذكر أن موسى عليه السلام عاش في مصر، وتربى في بيت فرعون، ثم خرج إلى سيناء، حيث تلقى الوحي. لكن لا توجد حتى الآن أي دلائل أثرية حاسمة تشير إلى شخصيته. وإذا ثبتت صحة قراءة هذا النقش، فستكون له أهمية هائلة، كونه أول توثيق محتمل لاسم موسى ضمن سياق أثري قد يرتبط بسيناريو خروجه أو وجوده في أرض سيناء. - ما بعد الاكتشاف: خطوات علمية ضرورية حاليًا، يخضع النقش لتحليل مكثف من قبل فرق علمية متعددة التخصصات، تشمل: - خبراء في الخط السينائي - مختصين في اللغات السامية القديمة - مؤرخين للديانات الإبراهيمية - متخصصين في علم الآثار والنقوش الصخرية وسيتم خلال الشهور المقبلة نشر نتائج دراسات علمية مُحكمة لتقييم الترجمة ومصداقية النقش، وتأريخه بدقة، وتفسير سياقه الحضاري. رغم أن اسم "موسى" وحده كفيل بإثارة الجدل، فإن الحذر العلمي مطلوب. ومع ذلك، فإن مجرد احتمال أن يحمل حجر في سيناء إشارة إلى نبي بحجم موسى، يُعد حدثًا استثنائيًا، يُعيد إحياء التساؤلات حول العلاقة بين النصوص الدينية والتاريخ المادي. ففي عالم الآثار، أصغر نقش قد يحمل أعظم قصة وربما يكون ما كُتب على حجر الفيروز هو بداية لفصل جديد لم يُروَ بعد من تاريخ الشرق القديم.