لم يغيّر الغرب من نظرته إلى روسيا فى أعقاب تفكك الاتحاد السوفيتى السابق، فطالما أن روسيا أصبحت الوريث الشرعى للاتحاد، يصبح من المفهوم أن تصبح أيضًا وريثته فى مجال كراهية الغرب لها والعمل على تفكيكها وإضعافها. والحقيقة، أن الغرب ظل محتفظًا بمخاوفه، التى ربما تكون مصطنعة فى بعض الحالات ومتوارثة فى حالات أخرى، من حقب زمنية تغوص جذورها فى قرون عديدة من التاريخ. لكن بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، عمد الغرب إلى تعديل أساليبه وتكتيكاته فقط، والتى يستهدف بها إضعاف الدولة الروسية وإهلاكها، ثم الانتقال إلى مراحل أخرى من تفكيكها. وفى سبيله لذلك، ظل يتبع أساليب وتكتيكات ثبت نجاحها مع الكثير من الدول، وبصفة خاصة فى الشرق الأوسط وإفريقيا ومختلف أنحاء العالم. والحديث هنا يدور عن قناعة الولاياتالمتحدة والغرب بأن الأساليب القديمة فى إخضاع الدول عن طريق اجتياحها واستعمارها لم تعد تجدي، بل إنها ربما تكلّفهم الكثير من الأرواح والأموال، فى حين أن الأساليب الجديدة أكثر جدوى وأقل تكلفة، وتقوم فى الأساس على أن يأتى السقوط من الداخل. ◄ صناعة غربية لا يخفى على أحد أن الغرب كان وراء الكثير من الثورات والانقلابات فى العالم للتخلص من الأنظمة التى لا تنصاع له، أو لإلهاء الشعوب عن مشروعات لا يريد تعريضها للتعطيل، مثلما هى الحال فى الشرق الأوسط عند قيام الدولة الصهيونية. فكان السبيل والحل هو إلهاء الشعوب العربية، سواء بظروفها الداخلية وإعادة ترتيب البيت، أو بخلافات مصطنعة وغير منطقية فيما بينها، وبذلك ضمِن للدولة المصطنعة فترة طويلة من الزمن للنهوض وتعزيز أركانها وقدراتها فى كل مجال. ◄ أجندات غربية والأدوات التى يتبعها الغرب فى هذا المجال تقوم فى الأساس على تشكيل قوى سياسية تحمل أجندات غريبة وغير وطنية، سواء عن وعى أو عن غير إدراك، فالاختراق السليم غالبًا لا يقوم على أساس المصارحة، لا بجهة التأثير ولا حتى بهدفه. والأداة الثانية هى منظمات حماية حقوق الإنسان والمرأة وغيرها من الحركات والكيانات الأهلية. وأنا هنا لا أتهمها كلها بالاختراق أو العمالة، فيكفى إذا كان لديك مائة منظمة وحركة من هذه النوعية، أن يكون وسطها حركة أو أكثر بأجندات مغرضة. وللأسف، فهذه التى أتحدث عنها غالبًا ما تكتسب طابع الاعتدال والتعاون مع السلطات، فتنخر بسهولة فى جسد الأمة كما ينخر السرطان فى جسد المريض. ◄ أسلوب «الخطفطة» أما الوسيلة التالية، والتى أعتبرها أكثر خطورة، فهى وسائل الإعلام. وهنا ربما أعود بدفّة الحديث مرة أخرى إلى روسيا. فبعد تفكك الاتحاد السوفيتى السابق، كانت النغمة السائدة فى مختلف وسائل الإعلام الروسية هى نغمة تروّج وتؤصّل للانصياع الكامل للغرب، والتنازل عن الهوية الروسية بكل سهولة، بل والأكثر من ذلك الترويج لبيع أصول الدولة بأبخس الأسعار. فالمهم هو التخلص «من القطاع الوطنى مهما كان السعر»، ووقتها رصدنا موجة من الخصخصة فى روسيا، حتى أن البعض أطلق عليها، ليس الخصخصة، لكن «الخَطفَطة - أى الخطف والسلب». فكانت مسيرة الخصخصة هذه مجرد وسيلة لبيع أصول تُقدَّر بمليارات، وربما عشرات المليارات، بثمن بخس للغاية، وذلك على أمل تطويرها لتتحول إلى إنتاج بضائع أكثر منافسة فى السوق العالمية. لكن فى الواقع، كان الهدف هو القضاء على أى منتج روسى يمثل أية منافسة أو حتى له مستقبل. وفى غضون ذلك، لم يكن الإعلام بمختلف وسائله واتجاهاته يتحدث أو يحذّر من ذلك، بل ظل يصفق ويهلل لما يجرى ويصوره على أنه إنجازات. ◄ خنجر الإعلام لكن ما هو دور الإعلام فيما نتحدث عنه من العمل على تدمير روسيا من الداخل؟ الدور رئيسى وبارز. فمن ناحية، يعمل هذا الإعلام على بثّ نعرات التميز والاختلاف عن الآخرين وضرورة الهيمنة، وما شابه من موضوعات تؤصّل مشاعر الغلو والتطرف لدى مختلف شرائح المجتمع. وربما أن هذا هو السبب الذى فتح الباب أمام ظهور مجموعات النازيين الجدد والوطنيين المتطرفين. وفى الوقت نفسه، كان الغرب يستغل هذه الرسائل والإشارات ليغذى بها وسائل إعلام الدول المجاورة، ويُبرز روسيا على أنها مصدر تهديد قوى لها، وأنها ما إن تكتسب القوة حتى تَصبّ عليها الواحدة تلو الأخري. في خضم ظروف وأحداث لسنا بصدد الحديث عنها فى هذا المقام، ضمّت روسيا فى عام 2014 إلى صفوفها القرم وسيفاستوبول. وربما أن العالم وقتها كان فى حالة تخبط وإرهاق بسبب الظروف المحيطة، فآثرت الغالبية الحياد وعدم الاعتراف «رسميًا» بعملية الضم. لكن ضمنيًا، كان هناك اعتراف لدى دائرة كبيرة من دول العالم التى لم يكن لديها أى استعداد للتضحية بمصالحها مع روسيا، ناهيك عن الموقف العدائى من الغرب وهيمنته وكل من يتعاون معه. ثم عادت روسيا مرة أخرى لتشن الحرب على أوكرانيا وتضم أجزاء كبيرة من أراضيها، لأسباب ودواعٍ كانت غالبية دول العالم على استعداد لتقبلها أيضا، تحت ضغط الظروف الاقتصادية والاجتماعية التى سادت العالم وقتها، وربما أيضًا لاستمرار الموقف السلبى من الغرب الاستعماري. ◄ مستقبل روسيا ◄ هنا نستطيع أن نستشف الخطورة، لكنها ليست الخطورة النابعة من روسيا، وإنما الخطورة التى تُحيق بروسيا ومستقبلها. فكيف؟ الولاياتالمتحدة والغرب ظلّا لفترة طويلة يروّجان لفكرة أن روسيا تعمل على استعادة، ليس الاتحاد السوفيتي، لكن الإمبراطورية الروسية، وذلك من خلال ابتلاع الدول المحيطة بها وتهديد الدول الأوروبية، وأنها لا تساند سوى النظم الاستبدادية. وفى الوقت نفسه، كان الغرب يعزز - لا أقول تعاونه، لكن أقول تحركاته - فى دول الجوار الروسي، بما فى ذلك عن طريق الترويج لشائعات حول الطبيعة الاستثنائية لهذه التحركات، التى من شأنها تهديد المصالح الروسية. والحقيقة أنه كان لوسائل الإعلام الغربية وكذلك الروسية دور بارز فى تحقيق مخطط ابتلاع روسيا للطُّعم والوثوب على الدول المجاورة لها، وبالتالى منح الغرب الفرصة الذهبية لإثبات ما يدعيه عمليًا. لو تابعنا وسائل الإعلام الروسية فى الفترة التى أعقبت تفكك الاتحاد السوفيتى السابق، فسنجد أن الكثير منها كان يتناول دول الكومنولث بنوع من السخرية والتهكم، خاصة إذا كان الحديث عن تعزيز التعاون مع الغرب لتحقيق مشروعات قومية. ونلاحظ فى الوقت نفسه أنه بينما كان الإعلام الروسى يتعامل بتعالٍ واضح مع مشاكل ومصالح دول الاتحاد السوفيتى السابق، لم تكن روسيا فى وضع يسمح لها بتقديم البديل لتحقيق التنمية فى هذه الدول. ◄ دول الكومنولث وبعد تولى فلاديمير بوتين السلطة، عمد إلى تعديل سياسات بلاده بإيلاء المزيد من الاهتمام بدول الكومنولث، وتفهُّم طموحاتها واحتياجاتها فى مجال التنمية وتأكيد الهوية، وبالتالى تعدل الخطاب الإعلامى تجاه هذه الدول، وتحلّى بالمزيد من الموضوعية والاحترام تجاهها. لكن فى الوقت نفسه، كان من الطبيعى بقاء بعض وسائل الإعلام التى تدين بالولاء للغرب وتنفّذ أجندته. وهذه الوسائل واصلت اللعب على استفزاز هذه الدول والتشكيك فى نوايا روسيا تجاهها. وهو ما يعنى أن الفيروس فى روسيا كان من الداخل، وكان من الواضح أن هناك من يعمل على تغذية النعرات ومشاعر التعالى لدى بعض شرائح المجتمع الروسى تجاه دول الاتحاد السوفيتى السابق. وفى الوقت نفسه، كان شركاؤهم فى هذه الدول يسلّطون الضوء على هذه الكتابات وما صاحبها من بعض حوادث قد تكون فردية أو جماعية تغذى مشاعر الشكوك تجاه روسيا. عندما بدأت روسيا عمليتها العسكرية فى أوكرانيا، والتى أكدت أنها تنطلق فيها من اعتبارات تخص الأمن القومي الروسي وأخرى ذات طابع إنساني، وتخص تعرّض فئة محددة من المجتمع الأوكرانى للإبادة الجماعية، وهو أمر يرجع تقييمه للتاريخ ومتخصصى الشئون القانونية الدولية، صاحب ذلك استنفار جماعى من جانب وسائل الإعلام لتأكيد الحقوق الروسية ووضع الدولة الروسية وضرورة احترام مصالحها على المستوى الدولى ككل. وهذا أمر ينطوى على وطنية وضرورة ملحة لإذكاء الجبهة الداخلية فى مواجهة التهديدات الخارجية. إلا أنه صاحب ذلك بعض كتابات عمدت، فى إطار حديثها عن المجد الروسى ومصالح روسيا وأمنها القومي، إلى التشكيك فى نوايا الآخرين واستغلال بعض الأوضاع، وعلى الأخص أوضاع المتحدثين باللغة الروسية فى مختلف الدول، لدقّ الإسفين بين روسيا وهذه الدول. والسؤال المحيّر هنا هو: هل تدرك السلطات الروسية خطورة الوضع؟ وهل تدرك أن وطنية بعض وسائل الإعلام لا تختلف كثيرًا عن وطنية العملاء المندسين؟ وهل تعلم أن خلق مناخ من العداء والشك المتبادل بين روسيا والدول المجاورة لها، وكذلك دول الاتحاد السوفيتى السابق، ليس فى مصلحة روسيا؟ هل تدرك أنه لا يمكن أن تعيش أية دولة - مهما كان وضعها - فى مناخ من العداء مع جيرانها؟ ◄ الطعم الثاني! والأكثر من ذلك: هل تبتلع روسيا الطُّعم الثاني، وتفكر فى تهديد أية دولة أخرى من دول الكومنولث أو حتى البلطيق؟ مع العلم بأن هناك أقلامًا دأبت، على مدار الشهور الأخيرة، فى تناول سياسة بعض دول الكومنولث، مثل كازاخستان وأذربيجان وغيرهما، بنوع من التشكيك، وأنها تمثل تهديدًا للمصالح الروسية، أو على الأقل تنتقص من مصالح المتحدثين باللغة الروسية فى هذه الدول وغيرها. وهنا يجب أن تنتبه القيادة الروسية لخطورة تعزيز هذه الأفكار والمشاعر، والتحريض على التدخل بالقوة لتحسين الأوضاع، فإما أن تبتلع روسيا الطُّعم مرة أخري، وتُمعن فى خلق دوائر عداء مستحكمة حولها، أو تتجه إلى الحوار مع هذه الدول، وتؤكد لها أنها ليست مصدر تهديد، وأن من حقها التنمية والتطور، وأن ذلك يمكن تحقيقه من خلال التعاون المشترك مع روسيا أو غيرها من الدول، على ألا تسمح هذه الدول بخطوات خبيثة من شأنها تهديد الأمن القومى الروسي. من المهم جدًا مراجعة أداء وسائل الإعلام المختلفة وما تبثّه من رسائل، بحيث يمكن تحديد الهدف الحقيقى من هذه الرسائل، وهل تنطوى على أجندات خارجية أم لا. وفى الوقت نفسه، فربما ترتبط هذه الرسائل بتوجيهات من أفراد أو مسئولين فى السلطة لا يسعون لتحقيق مصلحة الدولة، لكنهم يتعاونون بشكل غير مباشر مع العدو الخارجي. والأمر واضح وتداعياته نلمسها فى الكثير من دول العالم، بما فى ذلك فى منطقتنا، التى كثيرًا ما تفاجَأ باختراقات خطيرة من جانب عملاء أجانب، الأمر الذى فى بعض الأحيان يؤدى إلى سقوط الدولة بأكملها، أو خلق مجالات عداء مستمرة مع مختلف دول الجوار، وتلك التي تمثل ظهير الأمن القومي للدولة.