مفاجأة إيران بعد الهجوم الأمريكى على منشآتها النووية، هى الإعلان عن تهريب جزء من اليورانيوم المخصب إلى مواقع أكثر أمانًا، والرسالة واضحة: لم تكن نهاية الطريق بل بداية فصل جديد أكثر غموضًا وتعقيدًا. طهران أرادت أن تقول لأمريكا وإسرائيل إن الحلم النووى لم ينته ودخل مرحلة مختلفة من السرية والمراوغة.. وقد لا تكون المنشآت التقليدية هى الهدف مستقبلاً، بل شبكات متنقلة من الأساطيل والسيارات ومعامل موزعة، ما يزيد من صعوبة المراقبة الدولية. إيران رغم الضربات الموجعة والمؤثرة تصر على مواصلة مشروعها النووى دون تراجع، وتتمسك بما تسميه «حقًا سياديًا»، رافضة الضغوط الدولية، وغير مبالية بالهجمات العسكرية، وكل المؤشرات تؤكد أن محاولات إثنائها لم تنجح حتى الآن والواقع يقول إن الخطر مستمر والتصعيد وارد، والمجتمع الدولى أمام تحدٍ حقيقى قبل أن تتسع الحرب الاقليمية. إنه فصل جديد من مسرحية الفوضى الخلاقة، وإن بدا التدخل الأمريكى كعملية جراحية خاطفة تهدف لإزالة الخطر النووى الإيراني، إلا أن تداعياته تمتد لسنوات، وقد تتغير خلالها ميادين المواجهة من منشآت نووية إلى عواصم وميادين أخرى. ظل الرؤساء الأمريكيون السابقون يتعاملون مع الملف الإيرانى بكثير من الحذر، ويتجنبون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة قد تجرّ المنطقة إلى أتون صراع شامل، وتغير هذا النهج جذرياً مع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وقلب الطاولة على قواعد اللعبة التقليدية، واتخذ سلسلة قرارات مفاجئة. وتغيرت الموازين لصالح اسرائيل، وبعد أن كانت عقيدتها العسكرية لعقود تتمثل فى منع أية دولة بالمنطقة من امتلاك القدرة النووية، تحوّلت إلى سياسة «الضرب المبكر» والعدوان المباشر، لكل من يقترب من امتلاك هذه القوة، حتى ولو كان الثمن هو إشعال حرب إقليمية. ولم تكتف إسرائيل بقصف المنشآت، بل أعلنت « حرب العقول» واغتالت عددًا من علماء الذرة الإيرانيين، فى تكرار واضح لما فعلته سابقًا فى العراق ومع علماء الذرة الآخرين الذين قامت باغتيالهم. ما يحدث يعيد إلى الأذهان ذكريات الغزو الأمريكى للعراق، عندما استندت واشنطن إلى تقارير استخباراتية ثبت لاحقًا أنها كاذبة، وتبيّن أن بغداد لم تكن تمتلك أى برنامج نووى فعّال، لكن جورج بوش الابن قال بوضوح: «حتى لو كنت أعلم أن العراق لا يمتلك النووي، كنت سأضربه» .. فهل يُكرر التاريخ نفسه؟ وهل تكون إيران ضحية لتقديرات خاطئة ؟. تتراوح السيناريوهات المحتملة، بين تصعيد إقليمى واسع يشمل ضربات متبادلة بين إيران وحلفائها من جهة، وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى .. أو العودة لطاولة المفاوضات تحت ضغوط دولية ..أو حرب باردة جديدة تتخللها عمليات استخباراتية واغتيالات متبادلة. والمخرج الوحيد هو وقف التصعيد وكبح الطموحات الإقليمية، والاعتراف بأنه لا يمكن لأى طرف أن يفرض سيطرته الكاملة على المنطقة بالقوة .