في حدث أدبي كبير فازت رواية «صلاة القلق» للروائي المصري محمد سمير ندا، بالجائزة العالمية للرواية العربية، المعروفة إعلاميًا ب«البوكر» لعام 2025، لتنفجر ردود فعل حول الخبر الذي جاء بعد غياب مصر عن الجائزة منذ عام 2009، بين من عبر عن فرحته بعودة الجائزة لمصر ومبدعيها، ومن اعتبرها تكريما لجيل شاب من المبدعين المصريين الجدد، حيث سبق لندا أن أصدر روايتين قبل الرواية الفائزة، لكن على الجانب الآخر اندلع نقاش حول الرواية التى نشرت فى دار تونسية الأمر الذى ولد مواجهات بين مثقفين من مختلف التيارات عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ◄ محمد سمير ندا أول مصرى يحصل على الجائزة منذ يوسف زيدان 2009 ◄ جدل حول الرواية بعد نشرها في دار تونسية والبعض هاجمها دون أن يقرأها! أعلنت لجنة تحكيم الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر)، فى 24 أبريل الجاري، فوز رواية «صلاة القلق» للكاتب محمد سمير ندا بالجائزة لعام 2025، فى دورتها الثامنة عشرة، إذ سبق أن أطلقت الجائزة فى أبو ظبى الإماراتية عام 2008، بحصول رواية «واحة الغروب» للروائى المصرى بهاء طاهر على الجائزة، ثم فازت رواية «عزازيل» للروائى المصرى يوسف زيدان، لعام 2009، وبعد فوز اثنين من الروائيين المصريين لم يفز أى مصرى بالجائزة على مدار 15 دورة، ليأتى فوز رواية ندا بعد غياب سنوات ليجعل مصر على قائمة الدول الحاصلة على البوكر العربية، إذ لم تحصل أى دولة على ثلاث جوائز بوكر باستثناء السعودية، إلا أن واحدة منها كانت مشتركة بين الروائية السعودية رجاء عالم والروائي المغربي محمد الأشعري. ◄ جائزة الجيل فوز محمد سمير ندا اعتبر على نطاق واسع انتصارا لجيل جديد من المبدعين المصريين، فهو من مواليد العام 1978، ويعد من أبناء جيل شاب لم يتجاوز الخمسين يعد حاليا من أبرز الأجيال الأدبية فى مصر، فجاءت الجائزة تتويجا لهذا الجيل ومجهوداته الأدبية، خاصة أن ندا يعتبر أصغر مصرى يحصل على الجائزة، إذ حصل عليها الكاتب الراحل بهاء طاهر وهو يقترب من الثمانين، بينما حصل عليها يوسف زيدان بعدما جاوز الخمسين من عمره، الأمر الذى يكشف عن تحول مهم فى المشهد الأدبى المصري، إذ سبق أن نافس عدد من أبناء جيل ندا الأدبى على جائزة البوكر كان آخرهم الروائى طارق إمام (مواليد 1977)، الذى وصلت روايته «ماكيت القاهرة» إلى القائمة القصيرة لنسخة الجائزة لعام 2022، إلا أن الجائزة ذهبت وقتها إلى رواية «خبز على طاولة الخال ميلاد» للروائي الليبي محمد النعاس. عبر الروائي الكبير إبراهيم عبد المجيد عن فرحته بفوز «صلاة القلق» بالجائزة، منوها بكتابته عنها فور صدورها، العام الماضي، وأشار إلى أن الرواية فارقة فى تاريخ الإبداع العربى من حيث الشكل والمضمون، بينما قال الناقد الأدبي سيد محمود إنه توقع هذا اليوم بأن الرواية تستحق عن جدارة واستحقاق الفوز بكل تكريم مستحق، وكتب الروائى ناصر عراق عبر صفحته الشخصية على «فيسبوك»: «الروائى المصرى الجاد الموهوب الأستاذ الكبير محمد سمير ندا يفوز بالبوكر عن روايته الفاتنة (صلاة القلق)، ألف ألف مبروك للأستاذ محمد». كما اعتبرت الروائية صفاء النجار أن الجائزة ذهبت إلى مصر كلها قائلة: «مصر فازت بالبوكر». ◄ اقرأ أيضًا | محمد سمير ندا يفوز بجائزة البوكر العربية عن رواية «صلاة القلق» ◄ موجة جدل حالة الاحتفاء بفوز محمد سمير ندا بالجائزة العربية الأكثر شهرة فى مجال الرواية، لم يمنع من انفجار موجة من الجدل حول عدد من النقاط المثيرة تتعلق بالرواية، سواء حول طبيعة الأفكار التى تتناولها، إذ تدور الرواية فى قرية منسية فى قلب صعيد مصر ضمن أحداث عام 1977، وتدعى (نجع المناسي)، وهو مكان من اختراع المؤلف، وهى قرية منفصلة عن العالم بما يعتقد أهلها أنه حقل ألغام من الخطر محاولة تعديه، ولا يعرف سكان القرية إلا أن مصر فى حالة حرب مع إسرائيل منذ عشر سنوات، وأن العدو الإسرائيلى يحاول التوغل إلى مصر عن طريق النجع، أى أن النجع خط دفاع أول على الحدود المصرية، ثم يصيب القرية نيزك أو قمر صناعى فلا أحد يعرف من أهل القرية على وجه التحديد، ثم وباء يشوه سكان القرية، الأمر الذى يدفع شيخ المسجد لاعتماد صلاة القلق للخروج من الوباء وتخطى المحنة، ويقول إعلان الجائزة إنه «يمكن قراءة الرواية كمساءلة سردية لمرويات النكسة وما تلاها من أوهام بالنصر»، وهى الجملة التى فجرت جدلا إذ ظن البعض أن المقصود بها هو نصر أكتوبر 1973. الأمر تطور إلى مهاجمة البعض للرواية دون قراءتها، فالناقد الأدبى عبد السلام الشاذلى هاجم الرواية عبر صفحته الشخصية على فيسبوك، بزعم أنها تشكك فى نصر أكتوبر، استنادا إلى مهاجمة البعض للرواية من هذا المنطلق، إلا أن الروائى والإعلامى محمد موافى رد عليه فى تعليق بسؤال إذا ما كان قرأ الرواية من الأصل أم إنه يردد الاتهامات التى قيلت عن الرواية؟ خصوصا أن موافى كتب عن رواية «صلاة القلق» أكثر من مرة وأشاد بها بعد قراءتها، فما كان من الشاذلى إلا أن حذف المنشور بعدما تبين أن ما قاله غير صحيح وأنه لم يقرأ الرواية أصلا، بينما هاجم البعض الآخر بعض أفكار الرواية مثلما فعل الناقد رضا عطية الذى قال إن الرواية «ضعيفة فنية ومفككة»، مهاجما أفكار المؤلف حول تناوله لهزيمة 1967 وزعمه أن الرواية تشكك فى نصر أكتوبر 1973، إلا أن الناقد الأدبى سامح فايز رد عليه قائلا إن الرواية التى قرأها جيدا لا تتضمن أى ذكر لنصر أكتوبر، بل تتحدث عن هزيمة يونيو وكيف روج لها البعض وقتها على أنها انتصار، وتابع: «الرواية متميزة جدا على المستوى الفني، وتمثل حالة جديدة لم نعرفها فى مشهد الرواية المصرية على مدار آخر عشر سنوات، ربما نختلف مع بعض أفكار الرواية لكنها تظل أفكارا، فالاختلاف هو وقود حرية الرأى والتعبير». ◄ الكاتب مصري والدار تونسية لم يتوقف الجدل عند هذا الحد بل تعلق بأحقية القول بفوز مصر بالجائزة من عدمه، لأن الرواية طبعت فى تونس وصدرت عن دار «منشورات ميسكلياني» التونسية، الأمر الذى اعتبره البعض ينقص من كون الجائزة مصرية على الرغم من مصرية الكاتب، خصوصًا أن الروائى محمد ندا ظهر فى أحد الحوارات التلفزيونية قبل يوم من إعلان الجائزة وكشف عن أنه عرض الرواية على ست من دور النشر الكبرى فى مصر والعالم العربي، ولم يتلق أى رد من هذه الدور، الأمر الذى قاده للتعاون مع الدار التونسية، التى نشرت الرواية بالفعل، لذا رأى البعض أن الرواية تحسب لجنسية دار النشر وليس لجنسية المؤلف، بينما رأى البعض أن التهنئة يجب أن تذهب إلى ندا بشكل حصرى وليس للثقافة المصرية، الأمر الذى عبر عنه الكاتب عماد الدين الأكحل، صاحب دار إيبيدى للنشر الإلكترونى والورقي، قائلا: «صادفنى الكثير من التهانى التى تنسب الفوز لمصر، وهذا مبرر ومدلل على اعتزازنا بمصريتنا، ولكن صراحة أرى هذا النسب غير لائق، ولا بد أن يكون النسب بالكامل للمبدع محمد سمير ندا، هو مصرى الجنسية والأصل وعروبى الثقافة والنشأة»، لافتا إلى أن الرواية لم تصدر عن دار نشر مصرية، لذا لا يمكن نسبة الجائزة إلا لصاحبها فقط. ◄ انفتاح السوق الأمر الذى تصدى له العديد من المثقفين بالتفنيد، وهو ما لخصه أحد مؤسسى مكتبة تنمية محمود لطفى قائلا إن «11 فائزا بالبوكر من أصل 19 فائزا (أعطيت الجائزة لعملين فى عام 2011)، نشروا أعمالهم فى بلد غير البلد الذى يحملون جنسيته، وهو أمر معتاد فى ظل انفتاح الأسواق العربية على بعضها البعض»، وضرب المثل بالروائى السعودى عبده خال الذى نشر روايته (ترمى بشرر) فى لبنان والتى فاز بالجائزة فى دورة 2010، كما نشرت الروائية السعودية رجاء عالم روايتها (طوق الحمام) فى المغرب، وحصلت على الجائزة فى عام 2011، وكذلك العراقى أحمد سعداوى نشر روايته (فرانكشتاين فى بغداد) فى لبنان وحصل على الجائزة فى دورة 2014، أما الروائى الليبى محمد النعاس فقد نشر روايته فى تونس وحصل على الجائزة فى 2022، كذلك أشار لطفى إلى أن عميد الرواية العربية الحاصل على نوبل للآداب نجيب محفوظ، سبق أن نشر روايته الشهيرة (أولاد حارتنا) فى دار الآداب البيروتية، فهل هذا مبرر لاعتبار محفوظ روائى لبنانى مثلا؟ على حد قوله. على كل حال ووسط التهانى والجدل حول فوز ندا بالجائزة، تظل حقيقة أن حصول الكاتب الشاب على جائزة البوكر دفع بالكثير من الأحجار فى مياه الثقافة المصرية، بداية من الاحتفاء بأسماء بعينها فى المشهد الثقافى بعضها لا يستحق إلا لكونه من ضمن شلة لها سيطرة إعلامية، مع غمط حق أسماء تمتلك مشروعها الأدبى العميق والتى لا تتلقى الكثير من الدعم وتسليط الأضواء، فضلا عن الحديث عن معايير اختيار دور النشر لأسماء بعينها لنشر أعمالها بناء على معايير سطحية فى بعض الأحيان تتعلق بعدد المتابعين للكاتب على وسائل التواصل الاجتماعي، وليس انتهاء بمعايير ترشيح أسماء كتاب بعينهم للجوائز على معايير لا تتعلق بقيمة العمل الأدبى ذاته بل تخص كون الكاتب مشهورا أو كبيرا فى السن أو له شبكة علاقات فى الوسط الثقافى، إذ قدم محمد يوسف ندا المعروف بعزوفه عن النشاط الاجتماعى وإخلاصه لمشروعه الروائى حالة تكسر كل هذه الأشكال التى أصبحت تقليدية فى المشهد الإبداعى فى مصر.