يحتفل الأقباط بذكرى ميلاد السيد المسيح من مريم العذراء فى 29 كيهك، الموافق 7 يناير من كل عام، ويسبقه صوم الميلاد الذى يمتد ل43 يومًا. ويبدأ الاحتفال بليالى كيهك التى تستمر لمدة شهر فى الكنائس، ويسمى شهر كيهك بالشهر المريمى، الذى يأتى قبل عيد الميلاد، حيث تقيم الكنيسة طوال هذا الشهر تسبحة ليلية لساعات طويلة، يرتل خلالها الحاضرون مدائح للقديسة مريم، لذا تُسمى هذه المدائح بالمدائح الكيهكية، والتى تتضمن «الثيؤطوكيات» و «الهوسات»، «الثيؤطوكية» تعنى «والدة الإله»، بينما «الهوس» هو تسبيح باللغة القبطية، هذه المدائح تمجد السيدة العذراء مريم وتروى النبوءات عن ميلاد السيد المسيح من عذراء فى العهد القديم. وفى قرى الصعيد، يتم تقسيم شهر كيهك إلى أربعة أسابيع، حيث يقضى الأهالى عشية الأحد من الليل حتى الصباح فى مدح أم النور، تقوم كل عائلة بتجهيز الطعام لجميع الحاضرين لتناوله بعد قداس الأحد، فى جو من الحميمية والمشاركة التى تحدث مرة كل عام. يتم ترتيل المدائح فى الكنيسة عن طريق «خورسين» (صفين بحرى وقبلى) فى مقدمة الكنيسة، حيث يتناوب الصفان على أداء «الأرباع»، وهى أربع شطرات شعرية بينها، ويشارك الشعب فى الترتيل مع أحدهم. كما تستخدم بعض الآلات الموسيقية الكنسية مثل الناقوس والمثلث. تتميز المدائح الكيهكية بأنها تتحدث عن مكانة السيدة العذراء فى القلوب وعن النبوءات والرموز التى وردت فى العهد القديم. وتؤدى هذه المدائح بالألحان القبطية، ويُتلى معظمها الآن باللغة العربية، بينما تؤدى بعض المدائح بالقليل من اللغة القبطية، وتتميز بالخشوع والوقار وعمقها الروحى. وإن شهر كيهك ليس مجرد طقس كنسى، بل هو إرث ثقافى يعكس التداخل العميق بين الموروث الشعبى والروحانية المسيحية، ليبقى علامة مضيئة فى التراث المصرى. وكان عيد الميلاد من المواسم المشهورة فى مصر أيام الدولة الفاطمية، حيث يذكرنا المقريزى بأن الشموع المزهرة بالأصباغ والتماثيل كانت تُباع، وكانوا يسمونها «الفوانيس»، كان الجميع يقتنيها، بغض النظر عن طبقاتهم الاجتماعية، بل كان الناس يتنافسون فى المغالاة بأسعارها حتى وصل ثمن الواحدة منها إلى أكثر من 70 مثقالًا من الذهب. ومع مرور الوقت، اختلت الأمور وتم إلغاء عادة عمل الفوانيس فى عيد الميلاد. كما كانت الدولة توزع الحلاوة القاهرية ومثارد السميد والجلاب والزلابية والسمك البورى على أرباب الرسوم، ويحدثنا ابن الحاج عن عادة اللعب بالمشاعل وعمل العصيدة فى صباح يوم العيد، بزعم أن من لا يقوم بإعداد العصيدة ويأكل منها فى هذا اليوم سيشتد عليه البرد طوال العام. زيارة المقابر من ضمن احتفالية عيد الميلاد قديمًا كانت هناك عادة زيارة المقابر، التى تسمى «الطلعة»، وتتم فى اليوم السابق لعيد الميلاد. هذه العادة توارثها الأقباط من المصريين القدماء، حيث حفظت لنا نقوش الدولتين القديمة والوسطى صورًا لرجال أو نساء متجهين إلى المقابر وهم يحملون السلال التى تحتوى على المواد الغذائية، وهى عادة كانت تحملها النساء كما هو الحال فى عصرنا الحديث، كانت النساء يحملن الخبز والكعك والفاكهة ليتم توزيعها على الفقراء والمحتاجين فى المقابر، كتضحية ورحمة لروح الموتى من ذويهم، وعلى الرغم من استنكار رجال الدين المسيحى لهذه العادات ورفضهم لها، إلا أنها ما زالت موجودة ولكن بشكل ضئيل فى بعض القرى، وتم تقليصها فى قرى أخرى. وفى يوم العيد، يذهب كاهن القرية لزيارة بيوت المسيحيين لتقديم تهنئة العيد والصلاة فى بيوتهم. ولا يخلو هذا من تقديم بعض النقود للكاهن، كما يحدث فى كل عيد. تقاليد فى يوم العيد، تقوم كل عائلة بفتح «المندرة» الخاصة بها، وهى قاعة كبيرة توجد فى بيت كل عائلة مخصصة للمناسبات مثل الأفراح والتهنئة بالأعياد وتقديم واجب العزاء وحل النزاعات، لاستقبال المهنئين بالعيد، وخاصة المسلمين الذين يأتون لتقديم التهنئة لإخوتهم المسيحيين، إذ يتم إكرامهم وتقديم واجب الضيافة لهم من مخبوزات العيد. وقد اعتاد المسلمون والمسيحيون تبادل الزيارات والتهنئة فى أعياد كل منهما. وإذا كان فى القرية أحد قد توفى قبل العيد، يقوم أصحاب المتوفى بفتح المندرة يوم العيد لاستقبال المعزين، ويُسمى ذلك «التوحيشة»، ومن المتعارف عليه فى القرية أنه لا يجوز لأهل المتوفى الذهاب إلى الكنيسة للاحتفال بالعيد، لأنهم فى حالة حزن، والذهاب إلى الكنيسة يوم العيد يعتبر فرحًا، مما يعكس قوة الأعراف الاجتماعية والتقاليد الشعبية التى قد تكون أكثر إلزامًا من القوانين. كما تقوم السيدات القبطيات بتقديم أطباق البسكويت والكعك إلى جيرانهن من المسلمات فى يوم العيد، وكذلك تفعل المسلمات فى أيام عاشوراء وعيد الفطر وعيد الأضحى والمولد النبوى، حيث يُقدمن الهدايا والحلويات لجيرانهن المسيحيات، وقديماً، كانت النساء العجائز فى القرى يُطلقن على عيد الميلاد «عيد اللبن»، لأنه يأتى فى فصل الشتاء، حيث يكثر إنتاج اللبن من المواشى، وهو موسم زراعة البرسيم الذى تتغذى عليه المواشى. ويطلق عليه أيضًا «العيد الصغير»، تمييزًا له عن عيد القيامة الذى يُسمى «العيد الكبير». مع اقتراب أعياد الميلاد ورأس السنة، تتزين شوارع المدن والمحلات التجارية فى مصر بطابع مميز يعكس روح الفرح والمحبة. تبدأ المدن بالتزين بالأضواء الملونة والنجوم المضيئة، وتُزين واجهات المحلات بأشجار الميلاد المزينة بالألعاب والأضواء. كما تُعرض الهدايا المتنوعة من الدمى والشوكولاتة والهدايا التذكارية، مما يجذب الزوار والمتسوقين. يذهب المسيحيون إلى الكنائس بالملابس الجديدة فى ليلة الاحتفال برأس السنة واحتفالية عيد الميلاد، حيث يحضرون الصلاة والاحتفالات. شجرة الكريسماس أصبحت شجرة الكريسماس جزءًا لا يتجزأ من الاحتفالات العالمية، تتزين شجرة الصنوبر أو السرو بالألعاب والنجوم والأضواء، وتوضع تحتها الهدايا، مما يجذب الأطفال والكبار على حد سواء. يُزين الأقباط شجرة الكريسماس بالأضواء والكرات الملونة والشرائط، وتُعتبر النجمة الذهبية التى توضع على قمة الشجرة رمزًا لنجمة بيت لحم، التى أرشدت المجوس إلى مكان ولادة المسيح. تُزين الكنائس أيضًا بشجرة الكريسماس، وكذا المنازل، ليكون جزءًا من مظاهر الفرح فى المناسبة وربما يرجع قبول المصريين لشجرة الكريسماس والاحتفال بها إلى الذاكرة الجمعية التى تحتفظ بالأساطير، وعلى رأسها أسطورة أوزريس الذى عاش ومات ورُدَّت إليه الحياة ثانية فأصبح شجرة خضراء، لذا كان المصريون القدماء يرمزون للحياة المتجددة فى مثل هذا اليوم من كل عام، وكان المصريون يحتفلون فى العاصمة المقدسة أبيدوس بعيد شجرة أوزير أمام معبده، فيأتون بأكثر الأشجار اخضراراً. وقد كان المصريون يحتفلون برأس السنة أو كما يطلق عليه «عيد أوبت»، مستقلين قوارب فى النهر مصطحبين أبناءهم وزوجاتهم، مبتهجين بالغناء والرقص. بابا نويل ومذود البقر تعود شخصية بابا نويل إلى «القديس نيقولاس» الذى توفى عام 341م، واشتهر بلقب «صانع العجائب» لكثرة المعجزات التى نُسِبت إليه. كان معروفًا بتوزيع الصدقات على الفقراء، وسُمى «سانتا كلوز» أو «بابا نويل» وأول تصوير لشخصية بابا نويل ظهر عام 1862م، حيث صُوِّر كرجل مسن قصير القامة، يرتدى ملابس حمراء وقبعة صغيرة، ويمتلك لحية بيضاء طويلة، يأتى ليلا حاملا الكثير من الهدايا للأطفال، ويضعها لهم تحت شجرة عيد الميلاد التى كانوا قد أعدوها مع أهاليهم، ويستيقظون صباح العيد لفتحها، ومن العادات المنتشرة أيضا أن يقوم جميع أفراد الأسرة بتبادل الهدايا. وترمز هذه «الزيارة الليلية» لمعانى إسعاد الآخرين التى رافقت قدوم المسيح إلى هذا العالم. أما «مذود البقر»، فيقوم الأقباط بعمل مغارة على شكل مذود بقر فى فناء الكنيسة، وفى المنازل وهو المكان المتواضع الذى شهد ميلاد الطفل يسوع المسيح. يتم وضع مجسمات للعذراء والطفل يسوع ويوسف النجار، وتماثيل للخراف والمجوس الذين أتوا ليقدموا هدايا للسيد المسيح، وتُضاء هذه المغارة إحياءً لذكرى هذا الحدث المبارك. فى الختام، يُعد الاحتفال برأس السنة وأعياد الميلاد فى مصر مزيجًا فريدًا من الطقوس الدينية والعادات الشعبية التى تعكس عمق التراث الثقافى المصرى وارتباطه بالحياة الروحية. من خلال احتفالات الأقباط فى شهر كيهك وصوم الميلاد، وصولًا إلى مظاهر الفرح التى تعم المدن فى ليلة رأس السنة، يظهر كيف أن هذه الأعياد أصبحت فرصة للتجمع العائلى والاجتماعى، والتعبير عن مشاعر الفرح والمشاركة بين المصريين من مختلف الأديان. سواء فى الأضواء والزينة، أو تبادل الهدايا، أو تقاليد تقديم الطعام والاحتفال مع الجيران، فإن أعياد الميلاد تظل شاهدًا على التلاحم بين مختلف أفراد المجتمع المصرى، وعلى استمرار تأثير التاريخ المصرى القديم فى تشكيل هذه الاحتفالات التى تجمع بين الروحانية والفرح.