اتفاقية تعاون بين قضايا الدولة والأكاديمية العسكرية المصرية    «النقل» تنفي وجود أي حساب للفريق كامل الوزير على فيسبوك    محافظ الدقهلية: اختيار المنصورة كمدينة تعلم ثمرة للجهود المستمرة ويعكس تحقيق أهداف مصر 2030    ضمن مبادرة «صحح مفاهيمك».. «أوقاف كفر الشيخ» تطلق البرنامج التثقيفي للطفل لبناء جيل واعٍ | صور    أسعار الذهب الخميس 8 يناير 2026 بالتعاملات المسائية    مصر و22 دولة يدينون بشدة الزيارة «غير القانونية» لمسؤول إسرائيلي لإقليم أرض الصومال    التشكيل الرسمي لمواجهة أرسنال ضد ليفربول في الدوري الإنجليزي    نقل مباراة الزمالك وزد بكأس عاصمة مصر إلى ستاد السلام    التشكيل - فريمبونج جناح في ليفربول.. وساكا وتروسارد أساسيان مع أرسنال    نجم وادى دجلة علي ابو العنين يتأهل إلى نصف نهائي بطولة ريتش فينوس كراتشي المفتوحة 2026    المحكمة أحالت أوراقه للمفتي، كيف حاول المتهم بقتل والده في الطالبية مراوغة جهات التحقيق؟    السيطرة على حريق بمحل بقالة بمركز طهطا فى سوهاج دون خسائر فى الأرواح    تشييع جنازة هلي الرحباني نجل فيروز الأصغر يوم السبت المقبل    الحلقة 24 من «ميد تيرم».. دنيا وائل تقدم جانب إنساني عميق صدقًا وتأثيرًا    ما هي الساعة التي لا يرد فيها الدعاء يوم الجمعة؟..هكذا كان يقضي النبي "عيد الأسبوع"    بين الشائعات والواقع.. كواليس اجتماع مجلس إدارة الزمالك    مياه الجيزة: قطع المياه عن بعض المناطق لمدة 8 ساعات    آخر تطورات سعر الدينار البحريني أمام الجنيه في البنوك    صورة شابين توفيا إثر حادث سير على الطريق الدولي الساحلي بكفر الشيخ    ضبط مركز تخسيس تديره منتحلة صفة طبيب فى الدقهلية    مصر تتوقع صرف 4 مليارات يورو من الدعم الأوروبي بحلول 2027    تشكيل مباراة باريس سان جيرمان ومارسيليا في كأس السوبر الفرنسي    كواليس مسلسل «توابع» على قنوات المتحدة في رمضان 2026    خالد سليم وهانى عادل وانتصار وسهر الصايغ فى رمضان على قنوات المتحدة    يحيي خالد أفضل لاعب في صفوف منتخب اليد أمام البرتغال بدورة إسبانيا    خالد الجندي يحذر من الزواج من شخص عصبي: هذه صفة يكرهها الله    هل من لم يستطع الذهاب للعمرة بسبب ضيق الرزق يُكتب له أجرها؟.. أمين الفتوى يجيب    الصحة تعلن تحقيق الخط الساخن 105 استجابة كاملة ل41 ألف اتصال خلال 2025 وتوسعًا في خدمات التواصل الصحي    الصحة تتابع الاستعدادات الطبية لمهرجان سباق الهجن بشمال سيناء    الأغذية العالمي: 45% من سكان السودان يواجهون الجوع الحاد    غدًا.. إعلان نتائج 49 مقعدًا ب27 دائرة    مسؤول سابق بوكالة الاستخبارات الأمريكية: الأزمة الإنسانية في السودان بلغت مرحلة مؤسفة للغاية    فيلم السادة الأفضل يحقق 78 مليون جنيه منذ عرضه    السيطرة على حريق بشقة سكنية فى سوهاج دون إصابات    انطلاق حفل توزيع جوائز ساويرس الثقافية بالجامعة الأمريكية    بث مباشر.. قمة نارية بين أرسنال وليفربول في الدوري الإنجليزي.. الموعد والقناة الناقلة وموقف الفريقين    محافظ الجيزة يبحث آليات تنفيذ المرحلة الأولى من تطوير طريق «المنيب - العياط»    بعد سحب عبوات حليب الأطفال من مصر وعدة دول.. ماذا يحدث مع شركة نستله العالمية؟    سانتفيت مدرب مالي: تنتظرنا معركة شرسة أمام أقوى فرق ربع نهائي أمم أفريقيا    محافظ قنا يكرم فريق منظومة الشكاوى بعد تحقيق استجابة كاملة بنسبة 100%    استشاري يحسم الجدل حول تقديم الإندومي للأطفال    التعليم تضع اجراءات صارمة لتأمين امتحانات الشهادة الاعدادية 2026    وكيل صحة أسيوط يعقد اجتماعا لبحث احتياجات عيادات تنظيم الأسرة من المستلزمات الطبية    اليمن.. تصعيد عسكري والجنوب يراهن على وحدة الصف    تخصيص قطعتي أرض لتوفيق أوضاع عمارات إسكان اجتماعي بمحافظة جنوب سيناء    العراق يعرب عن قلقه من التطورات الأخيرة في حلب    ورش مهرجان المسرح العربي بالإسماعيلية تسلط الضوء على فن تشكيل الصورة البصرية    "تغيّر المناخ" يحذر من شتاء أشد برودة وتقلبات حادة تؤثر على المحاصيل والمواطنين    ضبط شخص بحوزته بندقية آلية لإطلاقه النار احتفالا بفوز مرشح انتخابى فى الدلنجات    لجنة انتخابات الوفد تستقبل طلبات الترشح لرئاسة الحزب لليوم الأخير    خبر في الجول - المصري يتمم اتفاقه بتجديد عقد محمود حمدي    الأكاديمية الطبية العسكرية تفتح باب التسجيل فى برامج الدراسات العليا    «التنمية المحلية» تعلن تشغيل 4 مجازر جديدة لسكان 3 محافظات    اسعار المكرونه اليوم الخميس 8يناير 2026 فى محال المنيا    أكثر من مليون أسرة في أوكرانيا أصبحت بلا تدفئة ولا مياه    دار الإفتاء تحدد آخر وقت لصلاة العشاء: الاختيار والجواز والضرورة    مواقيت الصلاه اليوم الخميس 8يناير 2026 فى المنيا    رئيس كولومبيا: أطلعت ترامب على جهود مصادرة المخدرات في البلاد    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



كنوز| «الأخبار» تضىء الشمعة 116 لفيلسوف الحب والمرح والعذاب
نشر في بوابة أخبار اليوم يوم 04 - 12 - 2024

بعد غدٍ.. فى السابع من ديسمبر يضيء عشاق كاتبنا الكبير وشاعرنا الرقيق كامل الشناوى الشمعة 116 فى ذكرى مجيئه للدنيا عام 1908، كانت أمنية حياتى أن أراه، أتكلم معه، أستمع له، اسأله فيجيبنى مثلما كنت أسأل شقيقه الأصغر الشاعر الغنائى الكبير مأمون الشناوى الذى تعرفت عليه بمنزل الفنان محرم فؤاد بحضور الموسيقار بليغ حمدى، لكن لسوء حظى غادر شاعرى المفضل وكاتبى الأول كامل الشناوى الدنيا فى 30 نوفمبر 1965 ووقتها كان عمرى 14 عاماً، قرأت خبر رحيله فى جريدة «الأخبار» فحزنت حزناً شديداً على من قرأت بعض ما كتب شعراً ونثراً.
وكنت متيماً بأشعاره التى تغنى بها محمد عبد الوهاب وأم كلثوم وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ ونجاة، وحفظت عباراته الفلسفية فى الحب والمرأة والحياة والحزن والعذاب والموت.
اقرأ أيضًا| كنوز| السادات يستقبل الملكة «كليوباترا» فى استراحة الإسماعيلية
عرفت من شقيقه مأمون: أن كامل بك لم يعشق السهر حباً فى السهر إنما هرب من الموت الذى يداهم الناس أثناء النوم ! كان يحب كل من يحب السهر معه، ينام فى اليوم خمس ساعات يقضيها فى أرق وقلق، كان يُمنى نفسه بكثير من الطمأنينة وقليل من القلق، لأن الطمأنينة التامة استسلام، والقلق التام عذاب لا يطيقه الإنسان.
خلاصة قراءتى لأغلب ما كتب شعراً ونثراً تؤكد أنه كان يعيش بفلسفة خاصة به فى نظرته للدنيا والناس والحياة، كلماته تقطر فرحاً، وتقطر حزناً أيضاً، تترجم برقة ورومانسية عذاباته التى جعلته يقول: «عدت يا يوم مولدى .. عدت أيها الشقى»، ومع ذلك كان ينفى عن نفسه صفة التشاؤم موضحاً: «أنا لست متشائماً. لكنى أحب دائماً أن أسأل وأفكر وأقع فى حيرة، وبعض الناس يسمون هذا تشاؤماً، لكنى لا أسميه هكذا، فأنا اعتبر ذلك طبيعياً بالنسبة للإنسان، فلا يصح أن نواجه أى شىء دون أن نفكر فيه ونتساءل عنه ونناقشه، فأنا مثلاً أتكلم عن المرض بألم، لأنى أتألم فعلاً من المرض، فهل هذا تشاؤم ؟».
كلنا قرأنا عذاباته مع مرارة الحب الذى فتك بقلبه بسهام الغدر والخيانة، ومع ذلك فهو يتعامل مع الحب بفلسفة تجعله يقول: «حياتى لم تخل من الحب، وأنا من المؤمنين بأن الحب لا يصيب القلب إلا مرة واحدة، ثم بعد ذلك يتكرر، ويكون انعكاساً للحب الأول، إذا نظرت اليوم إلى آخر حب فى حياتى، تذكرت حبى الأول، فهو صورة منه، وأقصد أن آخر نموذج مثل أول نموذج، هناك من يقول: إنه لم يعد هناك حب حقيقى ينبع من القلب والروح كما كان أيام قيس وليلى، وروميو وجولييت، حب زمان زى حب النهاردة، كل ما هنالك أن المحبين اليوم يُكثرون من التحدث عن حبهم للغير، والحب أسرار، إن خرج عن قلب الحبيبين أصبح مضغة، وزالت نشوته، وتفشت سريته، مشاعر الإنسان هى هى، زمان والآن، ولكن يختلف الإنسان نفسه فى الإفصاح عن شعوره».
شاعرى وكاتبى الكبير كامل الشناوى كان يفلسف الحب والزواج والإنسان ذاته فيقول: «الإنسان مشكلة، فكيف يتزوج مشكلة أخرى، فى حياتى أكثر من حبٍ وأكثر من امرأة، الاستقرار المادى جاء فى سن لا تسمح بالزواج، عندما كنا صالحين للزواج لم يكن عندنا من المال ما يؤمن الزواج، ولما أصبح عندنا المال، لم نعد فى سن تسمح بالزواج، وعموماً الزواج مشكلة، ولا أرضى أن «أنجب» مشكلاتٍ جديدة، وأنا غير نادم على أننى لم أتزوج».
كاتبى الكبير وشاعرى المفضل كامل الشناوى كان يفلسف الموت وعمر الإنسان فيقول: «الناس جميعاً يتمنون أن تطول أعمارهم، قد يشذ عنها بعض المفكرين والفلاسفة وهواة الانتحار، ولست والحمد لله واحداً من هؤلاء، وكثيراً ما أتساءل هل طول العمر نعمة أم نقمة، أم عقوبة؟ الموت ليس مشكلة بل الحياة هى المشكلة ! أيها الموت أنا لا أخافك، لكنى لا أفهمك، لا أخشى الموت فقد واجهت ما هو أصعب منه عندما واجهت الحياة نفسها، وإذا كانت الحياة حقيقة والموت حقيقة، فأين نحن البشر من الحقيقتين؟ هل نحن أحياء ننتظر الموت ؟ هل نحن موتى تركنا مرحلة الحياة ؟ لكن لماذا نسأل عما لا جدوى فى أن نجهله أو لا نجهله!!».
ما أكثر ما كتب أستاذنا الكبير وشاعرنا المرهف، وأتمنى أن يتم جمع كل ما كتب فى الصحف والمجلات والأرشيف موجود، نحن من سنربح ما هو أغلى من المليون، سنربح درراً وكنوزاً وجواهر بمذاق كامل الشناوى، وما تحدث به فى سهراته أكثر بكثير مما كتبه، كان حكاء من الطراز الأول.. وصدق الموسيقار محمد عبد الوهاب عندما قال: «الذى أسفت عليه أن أحداً لم يُفطن إلى أن يضع فى كل مجلس لكامل الشناوى مسجلاً ليسجل لنا ما أبدعه فى المجالس»!
كاتبنا المبدع الكبير الذى نحتفى بذكرى مولده كانت لديه شفافية شديدة جعلته يقرأ طالعه فى قصيدة نظمها قبل وفاته يقول فيها: «إذا مت فابكونى وقولوا لقد قضى.. شهيد حياة عاثر الحظ شاكياً.. وما لحده إلا جوانح قد حوت.. شعوراً من الأشجان والحب دامياً».
مصطفى أمين يكشف قاتلة كامل الشناوى؟!
كُثر الحديث عن قصة الحب التى توهمها فعاشها من طرفٍ واحد مع المطربة الصغيرة التى صعد بها لعنان الشهرة، لكنها ردت الجميل بالخيانة التى أصابته فى مقتل فكتب رائعته «لا تكذبى»، وجاءه صديق يقول له: «المطربة إياها عندما علمت بآلامك قالت: إنك مسكين، الغيرة دمرتك»! وفى صباح اليوم التالى صدرت «أخبار اليوم» بمقال قال فيه:
- «صدقينى إذا قلت لك إننى لست مسكيناً، ربما كنت كذلك لو أننى استسلمت للوهم الذى علقنى بكِ ولكننى قاومته ورفضت، وجعلت من كبريائى حصناً يحمينى منكِ، ومن قلبى، ولا شيء يقوى أن يدمرنى لأننى أحيا، ما دمت أحيا، فإن العواصف التى تهب من حولى لا تزيدنى إلا قوة على مواجهة الأعاصير، إننى لست كثباناً من الرمل تبدده حفنة من الهواء، ولكننى جبل لا أبالى بالعاصفة، أحتفى بها وبدلاً من أن تزمجر فى الفضاء أجعلها تغنى من خلال صخورى، وليس صحيحاً أننى أغار من أى إنسان تعرفينه، فالغيرة لا تكون إلا ممن تحبينهم وقد عرفت بالتجربة أنكِ لم تحبِ إلا ذاتاً واحدة، لا أستطيع أن أغار منها لأنها مختبئة فى ثيابكِ، إنك تحبين نفسك وتغارين ممن يشاركك حبها بل إنكِ تناصبينهم العداء ومن أجل ذلك عاملتنى كما لو كنت عدوكِ الطبيعى، أحببتكِ فكرهتنى، قدمت اليكِ قلبى، فطعنته بخنجر مسموم».
الخيانة جعلته يرى أن الحب والعذاب شيء واحد، فقال عنها: «إنَّها تَحتَلُ قَلبي.. تتصرفُ فيهِ كَما لو كان بيتها تكنسهُ وتمسَحهُ وتعيد ترتيبَ الأثاثِ وتقابلُ فيهِ كُل الناس.. شخص واحد تتهربُ مِنه.. هو صاحبُ البيتِ»!!
صديقه الكاتب الكبير مصطفى أمين يقول فى كتابة «شخصيات لا تُنسى»: «عشت مع كامل الشناوى الحب الذى أبكاه وأضناه وحطمه وقتله فى آخر الأمر، أعطى لهذه المرأة المجد والشهرة والشعر ولم تعطِه شيئًا، أحبها فخدعته وأخلص لها فخانته، جعلها ملكة فجعلته أضحوكة، وقصيدة «لا تكذبى» كتبها فى غرفة مكتبى بالزمالك، كان ينظمها ودموعه تختلط بالكلمات، كان يتأوه كرجلٍ ينزف وهو ينظم، وبعد أن انتهى من نظمها قال: إنه يريد أن يقرأ القصيدة على المطربة بالتليفون، كان تليفونى بسماعتين، أمسك سماعة وأمسكت أنا وأحمد رجب سماعة فى غرفة أخرى، تصورنا أن المطربة ما تكاد تسمع القصيدة حتى تشهق وتبكى وتنتحب ويغمى عليها وتستغفر وتعلن توبتها، بدأ كامل يلقى القصيدة بصوت منتحب خافت، تتخلله العبرات والتنهدات والآهات وكانت المطربة صامتة، وبعد أن انتهى، قالت: «كويسة قوي، لازم أغنيها»، انتهت المحادثة ورأينا كامل الشناوى أمامنا كأنه جثة بلا حراك»!!
ذكر مصطفى أمين فى المقال اسمها واتهمها بقتل كامل الشناوى، وذكر اسمها سليط اللسان جليل البندارى ووجه لها نفس الاتهام، لكن لم يذكر أحد الشخص الذى رآه كامل الشناوى معها، قيل: إنه مخرج سينمائى، وقيل: إنه أديب كبير ! وقيل.. وقيل.. لكن الأصدق فى القول والأكثر تأثيراً ومرارة ما قاله كامل الشناوى نفسه: «أحببتها وظننت أن لقلبها نبضاً كقلبى لا تقيده الضلوع.. أحببتها وإذا بها قلب بلا نبض.. سراب خادع.. ظمأ وجوع.. فتركتها.. لكن قلبى لم يزل طفلاً يعاوده الحنين إلى الرجوع.. وإذا مررت ببيتها تبكى الخطى منى وترتعد الدموع».
«كنوز»
نوادر «الشناوى» مع العقاد!
اشتهر كاتبنا وشاعرنا كامل الشناوى فى الوسط الصحفى والأدبى والسياسى والفنى بخفة ظله وقدرته الفذة فى تقليد الأصوات وصنع المقالب الساخنة، وقد كتبت السيدة روزاليوسف مقالًا فى مجلتها عام 1950 تروى فيه بعضاً من نوادره ومقالبه قائلة :
«كان صديقى الأستاذ كامل الشناوى محور المرح وروح الفكاهة فى دارنا الصحفية، وما أكثر نوادره وقفشاته التى تشيع الضحكات، كان بارعاً فى تقليد الأصوات والنبرات التى تتيح له تدبير «المقالب»، وأتذكر اليوم الذى كتب فيه الأستاذ العقاد مقالًا عنيفًا ضد أحمد نجيب الهلالى وزير المعارف وأعطاه لتوفيق صليب سكرتير التحرير وقال له: إنه مسافر إلى الإسكندرية وطلب منه ألا ينشر المقال إلا إذا اتصل به من الإسكندرية، وفى الليل دق التليفون وسمع توفيق صليب صوت العقاد يطلب منه نشر المقال غداً، وبعد دقائق دخل كامل الشناوى على صليب ضاحكاً: فقد كان هو الذى قلد صوت العقاد، وبعد ساعة دق التليفون مرة ثانية..
ورفع توفيق السماعة وكان المتحدث هو العقاد فعلاً يطلب منه ألا ينشر المقال، فظن توفيق صليب أن المتكلم هو كامل الشناوى فانفجر فيه قائلاً : «يا أخى بلاش دوشة أنت مش لاقى حاجة تعملها، أنا مش فاضى للعب ده»، رد العقاد كان عنيفًا، واستمر توفيق صليب يشتم وهو يظن أنه يشتم كامل الشناوى قبل أن يكتشف أن محدثه هذه المرة هو العقاد نفسه!
عاد العقاد من الإسكندرية وهو فى أشد حالات الغضب للشتائم التى جرؤ توفيق صليب على توجيهها إليه، وعبثاً حاولنا أن نقنعه بالمقلب الذى وقع فيه توفيق صليب، ورفض العقاد أن يصدق حتى كامل الشناوى الذى اعترف له بحقيقة ما فعله، وعلى الرغم من روح المرح والسهر.. وعلى الرغم من أن قلبه كان مثل سينما مترو على حد قول مصطفى أمين، وعلى الرغم من خفة الظل التى كان يتمتع كامل الشناوى بها، وسهره طوال الليل هرباً من الموت الذى يجيء فى الظلام، إلا أن ذهنه كان متوقداً.. وعواطفه الجياشة تبدع أشعاره التى تغنى بها كبار المطربين والمطربات.
«روزاليوسف» - 1950
عبقرية شاعر الليل فى مرآة يوسف السباعى
أتذكر موقفاً كاشفاً للشاعر الغنائى إسماعيل الحبروك عندما التقينا فى حفل استقبال بإحدى السفارات، أراد الحبروك أن يُعرَفَ أحد السفراء على الكاتب والشاعر الكبير كامل الشناوى، فقال له: «الأستاذ كامل الشناوي.. رئيس تحرير جريدة الجمهورية».
ضحك كامل الشناوى وقال معترضاً: «كامل الشناوى كفاية»، فقال الحبروك: «مش لازم اعرفك بتشتغل إيه؟»، رد الشناوى قائلاً: «انت فاكرنى بشتغل رئيس تحرير الجمهورية؟».
فقال الحبروك فى دهشة: «أمال بتشتغل إيه؟».
فأجابه: «باشتغل كامل الشناوى، ممكن بكرة أسيب الجمهورية، لكن حافضل زي مانا كامل الشناوى».
وترك كامل الشناوى الجمهورية وبقى هو كامل الشناوى، وترك الدنيا بحالها، ولست أذكره كراحل طواه الثرى، ولست أذكره كذكرى أليمة، لكنى اذكره كما هو كامل الشناوي، الذى يضحك من الناس، ويُضحِك الناس على الناس، وعندما تقرأ له تشعر أنك تجلس إليه، وقرأت له قصيدة رثاء ذات مرة فى الطبيب الرقيق الذى سهرت معه ليلة كاملة لكى نتلقى معاً ابنى إسماعيل وهو يهبط إلى الدنيا، ومات الطبيب أخو جلال الحمامصى بعد فترة وجيزة، وبكيته مرتين، مرة عند سماعى نعيه، ومرة عندما قرأت رثاء فى أوجع قصيدة رثاء سمعتها، ولست أدري أين ذهبت القصيدة، لقد سألت عنها كامل عدة مرات وظننت أننى سأقرأها فى ديوانه، لكنى لم أعثر عليها حتى الآن، إبداعات كامل الشناوى تجعله حاضراً فى نفوس عشاقه.
يوسف السباعي «آخر ساعة»
«أنيس» شاهد على نجوم سهراته
عرفنا الأستاذ كامل الشناوى شاعراً جميلاً يرتجل النكت، صحفياً لا نظير له فى الصحافة المصرية، ومن غير كامل الشناوى لا تكون سهرات ولا حكايات ولا نوادر ولا نكات يرتجلها، وكان الوزير حفنى باشا محمود شقيق رئيس الوزراء محمد باشا محمود يخترع المواقف ويرتجل الحكايات ويُفبركها ونضحك..
ولكنه لا يضحك، وإذا ضحك فللداخل، كان نموذجاً عجيباً للقدرة الفذة على إخفاء مشاعره، كان يقول: إنه مستعد أن يدفع لكامل الشناوى ما يشاء من المال ويحبسه ليظل يحكى لنا الحكاية الواحدة بعشرين شكلاً.. وهى تبعث على الضحك. كانت مجالس كامل الشناوى تضم باشاوات مصر ومطربيها «أم كلثوم وعبد الوهاب وفريد الأطرش وعبد الحليم وبليغ حمدى وكمال الطويل ومصطفى محمود وكمال الملاخ ويوسف إدريس وشادية وزينات علوى»، ونحن الأدباء والصحفيين الشبان، ولا تبدأ السهرة إلا بحضور كامل الشناوي.. فيقول ويقول.. وتقفز النكتة اللاسعة من هذا الموقف.. وتتناثر هذه النكت فى مصر والعالم العربى بسرعة هائلة، ويسأل الأصدقاء فى الرياض وبيروت والدار البيضاء عن آخر ما قال كامل الشناوى، والذى قاله كثير جداً، والذى سجلناه قليل جداً.
مثلا.. كان مفتوناً بجرسونة فى فندق الهيلتون، كانت لها عينان جميلتان فكان يقول لها : «عيناك توجعني» والبنت المسكينة لا تفهم التعبير الجميل، فكانت تقول: « لا.. عينى بتوجعنى أنا»، وكان الشناوى يتصنع الأسف فيقول : «طيب افهمها العبارة دى إزاى ؟ عينك بتوجعنى !».
وكان يقول عن مذيعة التليفزيون سلوى حجازى : «إنها من شدة أدبها ورقتها إذا فَتحت درج مكتبها.. دقت عليه قبل أن تفتحه» !
وكان يقول عن الموسيقار محمد عبد الوهاب: « إنه لا يكذب ولا يقول الحق» ! وعندما قدمنى بعد سنوات طويلة بعد تخرجى فى الجامعة إلى أستاذى منصور باشا فهمي.. الذى درّسَ لى علم الجمال فى قسم الفلسفة قال له : «يا باشا ده أنيس منصور.. سميك فى الاسم والقسم والإثم»!
أنيس منصور من كتاب «نفسى»
الإيمان والغفران
بقلم: كامل الشناوى
كنَّا نتحدَّث عن الشاعر عمر الخيام ..
هل كان ملحدًا ؟ هل كان شاكًّا؟ هل كان متصوفًا ؟ هل كان عربيدًا؟
قلت: إن الخيام كان مؤمنًا، وفغر الحاضرون أفواههم، وقالوا: هل يكون مؤمنًا مَن يناقِش الله ويعاتبه، ويقول له : كيف لا تغفر لى إلا إذا تبتُ عن ذنبى ؟ إنك لست تاجرًا حتى تعطينى غفرانًا مقابل توبة، ولكنك إله تُعطى بلا مقابل !
قال أحدهم : هذا تجديف !
قلتُ: إن هذا التجديف يدل على الإيمان أكثر ممَّا يدل على الإلحاد.. فالإيمان بالله هو أن تشعر به.
والخيام يُخاطب الله كما لو كان - سبحانه وتعالى - كائنًا حيًّا يرضى ويغضب، يقسو ويرحم، وهذا شعور عميق نافذ جارف بوجود الله.
ربما كان تصوُّر الخيام خاطئًا، ولكن الشعور صحيح، وإذا كان منطق الخيام ضعيفًا أو تافهًا، فإن هذا لا يعنى أنه غير مؤمن، وما أكثر المتصوفين والمنقطعين لعبادة الله، الذين خاطبوا ربهم، عاتبين ساخطين، وقد رَوَت الأساطير القديمة أن أيوب، وهو نبى من أنبياء الله، ثار على ما امتحنه الله به، من موت زوجه وأبنائه، وإصابته بالجذام والبرص والطاعون، ولما زاره أصدقاؤه من الملائكة والرسل، وسمعوا صرخاته فى وجه الله هربوا منه، فقال لهم الله : لماذا تهربون؟ لو لم يَغضب من قسوتى لما استحقَّ رحمتى !
وتطرَّقَ الحديث إلى الشاعر عمر الخيام، وهل هو فيلسوف ؟!
قلت: إن الفيلسوف يحب أن يكون صاحب مذهب، والخيام صاحب خواطر وأفكار وانفعالات، فهو شاعر وليس فيلسوفًا، ولقد تأثَّرَ بأبى نواس وبأبى العلاء المعري.
وقيل: إن تأثُّرَه بأبى العلاء كان أكثر من تأثُّره بأبى نواس، وأبو العلاء كان فيلسوفًا.
وقلتُ: إن أبا العلاء لم يكن فيلسوفًا لكن كان شاعرًا، وما تصوَّرناه فلسفةً ليس إلا تفكيرًا وتأمُّلًا، ولا يمكن أن نعدَّ زهده فى الحياة وعزوفه عنها مذهبًا فلسفيًّا، وإنما هو نظام ربط نفسه به ولم يدعُ أحدًا إلى انتهاجه.
وفى أثناء ذلك دخل علينا فضيلة الشيخ الباقورى.
وقال: عمَّ تتساءلون؟
قلنا: عن النبأ العظيم، الذى هم فيه مختلفون.
وقال: أى نبأ وأى خلاف؟!
قلنا : نبأ الخيام، وهل هو ملحد؟
أو هو مذنب ؟
قال الأستاذ الباقورى : إن الخطيئة طبيعة فى الإنسان، وعلى الإنسان ألَّا يُجاهِر بها، والله يغفر الذنوبَ لمَن يشاء، وروى هذا الحديث الشريف، وهو: «كل أمتى معافًى، إلا المُجاهِرين، وإنَّ من الإجهار أن يعمل المرء بالليل عملًا ثم يُصبح وقد ستره الله عليه، فيقول: يا فلان، إنى عملت كذا وكذا. فيبيت يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه».
وروى الأستاذ الباقورى حديثًا قدسيًّا هذا نصه: «عبادى لا تيئسوا من رحمتى إذا أذنبتم، فوَعِزَّتى وجلالى، لئن لم تذنبوا لخلقتُ خلقًا غيركم يذنبون فيستغفرون فأغفر لهم».
من كتاب «زعماء وفنانون وأدباء»
ما أقسى هذا الجمال الذى يتعقبني.. ليس ما يتعقبنى جمالها.. الذى يتعقبنى حنينى الطائش.. ووفائى الأحمق !


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.