ابراهيم عبد القادر المازنى الأرجح فى الاحتمال والأقرب إلى المعقول أن هناك شخصين اسم كل منهما «طه حسين» وأحدهما أفندى مبصر يقول الشعر ويدعو إلى تغيير الهجاء والثانى شيخ ضرير يكتب فى الأدب كنت جالساً ذات يوم مع صديقى الأستاذ العقاد فتذاكرنا «حديث الأربعاء» وصاحبه واستطردنا إلى طريقته فى البحث و«التحقيق العلمى» ثم إلى سيرة مجنون ليلى. فقال الأستاذ العقاد: عن أى شىء يسفر البحث يا ترى لو نسجنا على منوال الدكتور فيما كتبه عن المجنون؟ أنه لا يبقى منه شىء كما لم يبق هو شيئاً من المجنون. والحق أقول أن مقترح العقاد راقنى، وأن نفسى ظلت تنازعنى بعد ذلك أن أتولى إمضاء هذه الفكرة. فلبثت أتردد حتى لم أعد أستطيع المقاومة. وقد أقنعت نفسى بقولى لها: إن العقاد لا يضيره أن أسطو على فكرة أو أفكار له، فإنه أغنى من ذلك وأنا أفقر من أن أدعها له وإن كنت أردها بهذا الإعلان إليه وبعد هذا البيان الذى لابد منه أقول: لنفرض أن مؤرخاً فى القرن الثالث والعشرين مثلاً تناول حياة الدكتور بمثل «تمحيصه وتحقيقه العلمى» فهل تكون النتيجة إلا كما يأتى:- «يزعمون أن رجلاً اسمه الدكتور طه حسين عاش بمصر فى أوليات القرن العشرين وأنه صاحب هذه الكتب المختلفة التى نسبوها إليه ونحلوه إياها. ولكن كل ما اطلعت عليه مما يعزى له يحملنى على التردد بين رأيين: أحدهما أن يكون هناك أناس كثيرون يتسمون «طه حسين» وثانيهما أن يكون هذا اسما استعارة فرد أو عدة أفراد لما كتبوه ونشروه. ذلك أنه - على ما روى - أزهرى النشأة والأزهر هذا جامعة إسلامية كبرى يلبس طلابها الجبة والقفطان والعمامة أو ما يمثل ذلك من ثياب العامة فى ذلك الوقت مما تجد نماذج منه فى المتاحف، فهو على هذا «شيخ». ويقولون أنه كان فى صدر أيامه هذه يكتب فى صحيفة يومية اسمها (الجريدة) ولكنى راجعت مجموعة هذه (الجريدة) فى دار الكتب فألفيت أحد أدباء ذلك العصر واسمه «عبدالرحمن شكرى» يسميه «طه أفندى حسين» فى مقال له. وهو مالا سبيل إلى حمله على أنه خطأ أو زلة قلم لأن الفرق بين الأفندى والشيخ كان من الوضوح والاختلاف فى التعليم والنشأة والوسط والزى هو من الشدة بحيث لا يعقل أن يقع الخلط بينهما. فهل طه أفندى حسين هو عين الشيخ طه حسين؟ ولا شك أن شكرى كان يعرف المعنىَّ (بطه أفندى حسين) فقد كانت بينهما ملاحاة يدل على ذلك قصيدة نشرتها الجريدة بامضاء «طه حسين» مطلعها: قل لشكرى فقد غلا وتمادى بعض ما أنت فيه يشفى الفؤادا وأحر بمتهاجيين أن يعرف كل منهما صاحبه وأن لا يجعله (أفندياً) وهو شيخ. ومما هو خليق أن يضاعف الشك فى أنهما شخص واحد أن الشعر لم يكن من أدوات الشيخ طه حسين وأن ناشرى كتبه ومترجمى حياته لم ينسبوا إليه بيتاً واحداً. ويعزى إلى طه حسين ولا أدرى أيهما؟ مقال بل عدة مقالات فى الجريدة يدعو فيها إلى تغيير الهجاء ورسم الكلمات. فهل كان الداعى إلى هذا والملحّ فيه الشيخ طه أو طه أفندى؟ أما الشيخ طه فكان على ما يقولون مكفوف البصر وكان فى ذلك الوقت لا يزال طالباً بالأزهر. ومن المعلوم أن طلبة الأزهر كانوا من (المحافظين) ومن أشد طبقات المتعلمين استنكاراً للبدع ونفوراً من أصحابها. زد على ذلك أنه ضرير. وما اهتمام الضرير برسم الكلمات؟!! ما له وهذا وهو لا يعانيه ولا يكابد صعوباته؟ إن الاهتمام لذلك والتحمس له أحق بأن يكون من رجل يكابد الكتابة بنفسه لا من كفيف ما عليه إلا أن يملى. وهو على كل حال خاطر أولى به ان يجرى ببال مبصر لا ضرير، فالأرجح فى الاحتمال والأقرب إلى المعقول أن هناك شخصين اسم كل منهما «طه حسين» وأحدهما أفندى مبصر يقول الشعر ويدعو إلى تغيير الهجاء والثانى شيخ ضرير يكتب فى الأدب. والآن من هو الدكتور طه حسين صاحب «حديث الأربعاء»؟ أهو الشيخ أم الافندى، أم هو لا هذا ولا ذاك بل شخص ثالث؟؟ أما أنه أحدهما فأنى أقطع بنفيه. وحسبك الفرق بين أسلوب هذين وأسلوب ثالثهما. وسننقل لك فقرات تريك من التباين مالا يدع مجازاً للشك فى أن الكتاب عديدون: قال الشيخ طه حسين فى كتابه ذكرى أبى العلاء «كان أبو العلاء يحرص أشد الحرص على أن يخفى نفسه على القارئ فى بعض رسائله ولكن شخصه كان يأبى الا الظهور. وكان يلقى بينه وبين القارىء أستاراً صفيقة من غريب اللفظ، وحجباً كثيفة من ثقيل السجع، ويقيم حوله أسواراً منيعة من المباحث اللغوية والصور الدينية، ولكن عواطفه الحادة تأبى إلا أن تخترق هذه الموانع كافة لتصل إلى قلب القارئ فتترك فيه ندوباً لدغات الجمر أخف منها وقعاً وأهون منها احتمالا». وهو أسلوب لا شذوذ فيه كما ترى. ولكن اقرأ الآن الفقرة الآتية من كلام (الدكتور) طه حسين فى نفس الموضوع والمعنى قال «ذلك أن أبا العلاء كان - كما تعلم - من أشدالناس إيثاراً للغريب وتهالكا عليه. ثم كان أبو العلاء إلى هذا - فيما أعتقد أنا - يتكلف الغريب ويتعمده ليصد عامة الناس وجهالهم - سواء فى ذلك العلماء وغير العلماء - عن قراءته والظهور على ما فيه. وكأن أبا العلاء كان لا يكتب لعصره، وكأنه كان يحس أن عصره خليق إلا يكتب له، وكأنه كان يكتب لهذا العصر الحديث الذى نحن فيه وللعصور التى ستليه، وكأنه كان يخشى على آثاره الأدبية أن يفهمها أهل زمانه فيفسدوها ويشوهوها ويحولوا بيننا وبين فهمها، وكأنه أنما أقام من الغريب وقواعد النحو والصرف والعروض والقافية طلاسم وأرصاداً شغل بها أهل عصره عن هذا الكنز حتى لا يصلوا إليه وحتى تسلم لنا نحن خلاصته، فنترك للقدماء نحوهم وصرفهم وغريبهم وعروضهم وقوافيهم، ونفرغ لخلاصة هذا الكنز من فلسفة فى الخلق والجماعة والدين». ثم اقرأ للشيخ طه حسين قوله من ذكرى أبى العلاء أيضاً « من قرأ رسالة الغفران وأراد أن يفقه معناها حق الفقه احتاج إلى دقة ملاحظة، وحذق فطنة، بعد نظر، ونور بصيرة، وإلى أن يدرس روح الكاتب فيحسن درسه ويعرف أغراضه فإذا لم يوفق إلى ذلك مرت به رسالة الغفران وهو يظنها من أقوم كتب الدين». وقس هذا إلى ما كتبه (الدكتور): «أراد أبو العلاء أن يتفكه وأراد أبو العلاء أن ينقد وأراد أن يكفر وأراد أن، يؤمن ولست أحتاط فى لفظ ولا أتحرج من معنى وإنما أريد أن أكون حراً فيما أفهم وفيما أقول فالحرية وحدها هى السبيل الى فهم أبى العلاء. وقد أراد أبو العلا هذا كله، أراد ان يتفكه فتفكه إلى غير حد، وأراد أن يكفر فكفر بغير حساب، وأراد أن يؤمن فآمن فى غير شك. أراد هذا كله ووفق إلى هذا كله أحسن توفيق الخ». وإنما أكثرت من المقتطفات ليتيقن القارئ أن الكاتبين شخصان مختلفان ولا عجب أن يكونا كذلك فإن الاسلوب صورة من النفس. وهكذا صار عندنا من المشتركين فى حمل هذا الاسم ثلاثة اشخاص متباينين: شيخ، وافندى، ودكتور. ويظهر أن هناك أكثر من دكتور طه حسين واحد. ففى بعض المقالات المعزوة إلى المتسمى «الدكتور طه حسين» تنويه بأن كاتبها كفيف، وفى البعض الآخر ما يفيد أنه مبصر: فهو يقول «قرأت، ورأيت، وشهدت» وما إلى ذلك من الألفاظ الدالة على الرؤية، ويصف لك بعض المشاهد لا تخيلا بل كما هى كائنة، مثال ذلك بعض رسائل بعث بها من فرنسا وفيها يصف مناظر البلدان، ومقالات عن روايات شهد تمثيلها ولم يقتصر فى كلامه عنها على تناول القصة بل جاوز هذا إلى التمثيل والأداء. وما يؤكد هذا التعدد أيضاً أن لأحد هؤلاء الدكاترة - فإنهم على ما يبدو لى كثير أبناء يسميهم أسماء أفرنجية. وأن الصحف المحفوظة فى دار الكتب مختلفة فبعضها يقول الشيخ طه والبعض يذكر الدكتور طه وواحدة تزعمه أستاذاً فى الجامعة وأخرى صحفياً. ومعروف أن قوانين ذلك العصر لا تجيز أن يكون المرء موظفاً فى جامعة أميرية وصحفياً فى الوقت عينه. وأحد هؤلاء الدكاترة كان مولعاً باللاتينية واليونانية، وكان يلح على وزارة المعارف أن تدرسهما فى المدارس الثانوية ولا يكاد يتفق ذلك مع الصبغة الأزهرية الأولى. أضف إلى ذلك أن (الشيخ طه حسين) كان ذا لحية وأن دكتور الجامعة أو الصحفى كان أفندياً حليقاً. فالأمر كما ترى لا يعدو إحدى اثنتين: أن يكون هناك أشخاص عديدون بهذا الاسم وهو غير محتمل، أو أن يكون هذا الاسم مستعاراً وهو الارجح». وبعد فكيف يرى القراء هذا المنطق؟ أليس مهلهلاً واهن الأركان متداعى البنيان؟ نعم هو كذلك بلا نزاع! ولكنه ليس أوهى من منطق الدكتور ولقد أردنا أن نثبت بهذا التطبيق أنه ما هكذا يكتب التاريخ، ولا من هذا النحو يكون «التعمق فى البحث والإلحاح فى التحقيق العلمى». وأنه إذا كان مجرد التضارب فى الروايات والعجز عن التوفيق بينها يكفى لمحو رجل من الوجود فقد صار ذلك سبيلاً لإنكار كل شئ. ولقد تعمدنا فيما أوردنا أن نسوق أشياء من هنا وهنا، وأن نهمل الصلات الكائنة بينها. لأن كثيراً من حلقات السلسلة يسقط مع الزمن، ولأن هذا على الأرجح هو كل ما يبقى معروفاً عن المترجم له بعد قرن أو قرون. وهل فى تراجم العرب مثلاً أكثر من هذا؟ هل يعرف أحدنا عن شاعر أموى أو جاهلى. ما هو أوفى أو أشد اتساقاً مما أوردنا من حياة الدكتور؟ كلا: فإذا كان الدكتور طه يبيح لنفسه أن ينكر وجود المجنون اعتماداً على التضارب فى الروايات ونقصها وتشويهها فقد أضاع الدكتور نفسه والله! وشبيه بهذا أن يختلف شهود حادثة فننكر وقوعها.