جامعتا عين شمس وبكين العالمية يبحثان تعزيز التعاون الأكاديمي    أوقاف الفيوم تواصل فعاليات الأسبوع الثقافي بعنوان:"فأما اليتيم فلا تقهر"    وزير العدل يُكرم مساعدي الوزير السابقين    فخري الفقي يحذر من تصاعد الصراعات العالمية    هبوط أسعار الذهب محليًا مع انخفاض الأوقية عالميًا    إزالة 9 أكشاك مخالفة ورفع 50 حالة إشغال طريق بالإسماعيلية    نائب محافظ الفيوم يتفقد محطات المخلفات الوسيطة بطامية وسنورس    تسليم المنتفعين أراضٍ ومنازل بالتجمعات التنموية بمركز نخل بشمال سيناء    «الشيوخ» يوافق على إنشاء لجنة عليا لدعم سياسات المنافسة    الحرس الثوري يعلن استهداف مصفاة النفط ومنشآت الكهرباء والمواني وسكك الحديد في خليج حيفا    ترامب ينتقد حلفاء واشنطن في آسيا بسبب ملف إيران    كيميتش: بايرن وريال مدريد هما الأفضل في العالم.. ومبابي أشبه بالسلاح    التعادل 12 من 14.. لا فائز من زد والمقاولون    عماد النحاس يقترب من خلافة الكوكي في تدريب المصري البورسعيدي    التعليم تكشف حقيقة تعطيل الدراسة الأربعاء والخميس ومواعيد امتحانات أبريل    الداخلية تكشف حقيقة محاولة خطف طفلتين بالمنوفية    محاكمة 30 متهما في قضية خلية الدعم المالي ب التجمع، غدا    ضبط 102 مخالفة بالمخابز ولحوم وأسماك مجهولة المصدر بكفر الشيخ    حملة رقابية موسعة على أسواق تداول المبيدات بمركز العريش    جولات ميدانية لمتابعة قوافل طبية وخدمات تنظيم الأسرة بالأقصر    مسئول لبناني: اتصالات وجهود لإعادة فتح معبر المصنع الحدودي مع سوريا    ترامب: إنقاذ الطيار الثاني شاركت فيه 155 طائرة بينها 4 قاذفات و64 مقاتلة    رسميا.. الأهلي ينفي رحيل وليد صلاح الدين عن منصب مدير الكرة    الهلال والنصر يتنافسان على ضم برناردو سيلفا    لمدة أسبوعين.. تحويلات مرورية لرفع كفاءة الباكيات المتضررة بكوبري أكتوبر    نجل عبد الرحمن أبو زهرة يكشف آخر تطورات الحالة الصحية لوالده    أسبوع لمعرض الشلاتين الثالث للكتاب    إسرائيل تزويد اليونان بأنظمة مدفعية فى صفقة تقدر ب757 مليون دولار    القاهرة الإخبارية: هجوم عنيف يستهدف قاعدة فكتوريا قرب مطار بغداد    الأربعاء.. عرض فيلم "المستعمرة" للمخرج محمد رشاد في سينما زاوية    الحرب.. وتهديدات ترامب (2)    طرق طبيعية لعلاج رائحة الفم الكريهة    وزير الإنتاج الحربي يستعرض الحساب الختامي لموازنة الهيئة القومية للعام المالي 2024 - 2025    نابولي يتلقى ضربة قوية قبل ساعات من مواجهة ميلان بالدوري الإيطالي    إصابة 3 أشخاص في انقلاب سيارة ملاكي بالدقهلية    هل تُنفذ وصية الأب بمنع ابنه من حضور جنازته؟.. أمين الفتوى يجيب    أين تقف المرأة خلف الرجل في الصلاة؟.. تجيب    التحقيق مع متهم بغسل 150 مليون جنيه حصيلة غش تجاري وتقليد علامات تجارية    تعليم الشرقية: رمضان زار 7 مدارس بإدارة كفر صقر اليوم    الصحة: مستشفى الهلال يستقبل 200 ألف مريض سنويا ويجري 12 ألف عملية عظام    القومي للطفولة: التوسع في الأسر البديلة أولوية لضمان بيئة آمنة للأطفال    محمد عفيفي يتوج بفضية «المتوازي» ببطولة كأس العالم للجمباز الفني    خبير الإدارة المحلية: القانون الحالي لا يلبي احتياجات المواطن ويعيد إنتاج المركزية    درة: وحيد حامد أول من قدمني في دور بنت البلد.. و«ميادة الديناري» من العلامات في مشواري الفني    رئيس الأعلى للإعلام يستقبل نقيب الصحفيين    حذر منها النبي.. 6 عادات تدمر حياتك وعلاقتك بربك    وزير الاستثمار يبحث مع نظيره المغربي ترفيع العلاقات إلى شراكات استثمارية    المسلمانى: بدأنا العمل فى تأسيس فرقة ماسبيرو المسرحية    الإفتاء: الشرع نهى عن الاقتراب من مال اليتيم إلا بأحسن الوجوه    إقبال كبير على أنشطة مسرح الثقافة المتنقل بالفيوم    مهرجان المسرح لشباب الجنوب يقدم عروضا تفاعلية للأطفال بقنا    نواف سلام: التوغل الإسرائيلي في لبنان أمر مرفوض بالكامل    أوفا يعيد الخلافة.. وينتظر الليجا الإسبانية    لإعادة بناء عظام الوجه.. جراحة استغرقت 7 ساعات بمستشفى كفر سعد في دمياط    التأمين الصحي تستقبل وفدًا رفيع المستوى من البنك الدولي لتعزيز الشراكة الاستراتيجية    أمريكا وإيران تتسلمان خطة سلام وترامب يتوعد "بالجحيم"    رئيس جامعة القاهرة يصدر قرارات بتعيين 24قيادة جامعية جديدة تتضمن 3وكلاء كليات و12رئيسًا لأقسام    دعاء صلاة الفجر| اللهم اغفر لنا الذنوب التي تحبس الدعاء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عبد الحليم قنديل يكتب: «حلاوة روح» أمريكا

بعد وزير خارجيته "سيرجى لافروف"، أعلن الرئيس الروسى "فلاديمير بوتين" أن هدف حربه في أوكرانيا أبعد من حدودها، وأنه يتطلع لكسر الهيمنة الأمريكية على مصائر العالم، ولوحظ أن تصريحات مماثلة صدرت عن الصين فى الوقت نفسه، وأن بكين اتهمت واشنطن بالكيل بمكيالين، وأنها لا تتذكر قواعد القانون الدولى ومبادئ الأمم المتحدة، إلا حينما تكون مواتية لمصالحها.
وربما لا يكون من جديد نوعى فى التصريحات، ومثلها كثير سبق، من تصريحات بوتين فى مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2006 ، وإلى إعلان صينى روسى مشترك صدر قبل شهرين فى بكين ، وكلها تتحدث صراحة عن الحاجة إلى عالم متعدد الأقطاب ، وعن ضرورة تفكيك الهيمنة الأمريكية الأحادية ومعاييرها المقلوبة ، كان ذلك قبل انطلاق العملية العسكرية الروسية فى أوكرانيا، التى تبدو كواقعة فارقة فى حياة العالم المعاصر، انتقل فيها الصدام الكونى من الأقوال إلى الأفعال الساخنة، وبدا أن أمريكا تخوض حربها الأخيرة ، وباستخدام كل ما ملكت لا تزال من أدوات هيمنة عسكرية واقتصادية ومالية ودعائية ، حاولت بها حشر روسيا "بوتين" فى الزاوية ، واستزافها بسلاسل عقوبات اقتصادية ومالية هى الأقسى بإطلاق فى التاريخ، وجذبت إليها ما استطاعت من حلفاء وتابعين ، واستدعت إلى جوارها جماعة حلف شمال الأطلنطى "الناتو" فى أوروبا ، ودفعت إلى ساحة الحرب الأوكرانية بأكبر حملة نقل لسلاح "فتاك"، جاوزت فى قيمتها عشرات المليارات من الدولارات ، وإلى حد تصريح وزير الخارجية الأمريكى "أنتونى بلينكن" ، أن واشنطن تتعهد بتسليم أوكرانيا عشرة أنظمة من صواريخ "جافلين" صائدة الدبابات مقابل كل دبابة روسية ، ناهيك عن صواريخ "ستينجر" وأنظمة الدفاع الجوى والمسيرات الانتحارية والمروحيات وقطع المدفعية ، فوق تزويد أوكرانيا بقوات ظل سرية خاصة أمريكية وبريطانية وفرنسية ، تستتر من وراء لافتة "فيلق الأجانب" ، الذى أعلن عنه الرئيس الأوكرانى "فولوديمير زيلينسكى" مع بدء الحرب ، وقد كان ذلك كله قائما منذ عام 2014 ، بعد ضم روسيا لشبه جزيرة "القرم" ، وزادت وتيرته على نحو جنونى فى الأسابيع الأخيرة ، وكأن أمريكا تريد أن "تحارب روسيا حتى نهاية آخر أوكرانى" كما قال المفكر الأمريكى "نعوم شومسكى" ، لكن هذا الحشد كله ، لم يؤد إلا إلى متاعب وخسائر تحملتها القوات الروسية ، التى قررت الانسحاب من حصار العاصمة الأوكرانية "كييف" ، وإعادة تركيز جهدها الأساسى فى اتجاه الشرق والجنوب الأوكرانى ، واستكملت الاستيلاء على مدينة "ماريوبول" الاستراتيجية على "بحر آزوف" ، ودفعت المجموعات الأجنبية إلى الهروب ، واحتفظت بما تيسر من جثث وأسرى رجال المخابرات الغربيين ، فوق تدمير كتائب "آزوف" و"الجناح الأيمن" العصب الأقوى فى الجيش الأوكرانى ، وجرى ذلك كله بهدوء وتحفظ نسبى ، فى الوقت الذى لم تدفع فيه روسيا بعد بقوتها الحاسمة إلى الميدان ، وهو ما يتوقع حصوله فى الأيام والأسابيع المقبلة، وخوض معارك باتجاه "خاركيف" و"أوديسا" ، قد تستخدمها موسكو فى جولة ضغط واعتصار أخيرة .
وإذا فعلها "بوتين"، وهو على الأغلب سيفعلها ، وربما يلجأ إلى تكتيك إعلان هدنة لا وقفا دائما نهائيا لإطلاق النار، بما يتيح له توجيه الضربات الانتقائية كلما رغب إلى ما يتبقى من أوكرانيا ، وإذا فعلها الرئيس الروسى ، فربما يكون قد كسب جولة أوكرانيا ، وبأقل تكاليف ممكنة ، ودونما انتظار لموافقة "كييف" من عدمها على تأكيد روسية القرم ، وفصل منطقة "الدونباس" ، وربما ضمها لاحقا باستفتاء يشبه ما جرى فى "القرم" ، واستنزاف قوافل السلاح الغربى ، والنزع العملى لسلاح أوكرانيا ، والحيلولة دون ضمها للناتو أو لأى حلف معاد ، وتجنب استخدام "أوكرانيا" كمصيدة استنزاف ممتد للقوات الروسية ، ودفع تناقضات الأرثوذكس والكاثوليك واليهود إلى مداها فى الغرب الأوكرانى ، الذى يصير محروما من ثروة الشرق وموارده الطبيعية والزراعية والصناعية ، التى تضاف كلها كمدد إلى روسيا ، وإلى حساب صمودها فى وجه الحصار الأمريكى الغربى ، الذى طال كل ما هو روسى ، من الاقتصاد إلى السياسة والرياضة والثقافة والفن ، فوق سرقة الأصول المالية الروسية فى عواصم الغرب جميعا ، ومن دون أن تؤدى أدوات العقاب الباطشة إلى خسارة تقعد الاقتصاد الروسى ، الذى صعدت عملته "الروبل" إلى أرقام قياسية غير مسبوقة ، بعد إعلان "بوتين" التوجه إلى تصدير الغاز والبترول لأوروبا مقابل الروبل لا الدولار واليورو ، وربط قيمة "الروبل" بالغطاء الذهبى ، وتطوير نظم دفع بديلة لنظام "سويفت" المالى العالمى ، الذى تسيطر عليه أمريكا وبنوكها ، وتشجيع التبادل التجارى مع الآخرين باستخدام بالعملات الوطنية ، أو بنظام المقايضة ، أو بغطاء "اليوان" الذهبى الصينى ، وكلها اختراقات ملهمة ، وإن لم تكن وليدة ساعتها ، تؤدى مع استطراد عملها وصقله ، إلى تفكيك ديكتاتورية الدولار ، التى بدأت بعد الحرب العالمية الثانية باتفاقية "بريتون وودز" ، ثم بتحكم "البنك الدولى" و"صندوق النقد الدولى" ، ثم بجعل الدولار عملة احتياط عالمية ، وبدون غطاء ذهبى مقابل ، وهو ما جرى أواسط سبعينيات القرن العشرين ، بفرض الدولار أساسا لتسعير البترول والمعادن الأخرى ، وهو ما مكن أمريكا من إدامة سيطرتها المالية ، بمجرد طباعة أوراق بنكنوت ، من دون استناد إلى غطاء ذهبى ولا إلى إنتاجية اقتصادية عينية منظورة ، وبما خلق مفارقة عبثية ، جعلت أمريكا نظريا فى وضع الاقتصاد العالمى الأول ، برغم أنها أكبر مدين فى التاريخ الإنسانى ، وزادت جملة ديون اقتصادها إلى اليوم على الثلاثين تريليون دولار .
وحتى قبل أن يعلن بوتين انتصاره المتوقع فى العملية الأوكرانية ، فقد بدا فزع أمريكا من هزيمة تنتظرها ملحوظا ، وراحت تتصرف بشراسة "حلاوة الروح" المعروفة عن الثيران وقت الذبح وطلوع الروح ، وقد أعادت تجريب الأساليب نفسها التى اتبعتها فى زمن الحرب الباردة القديمة مع الاتحاد السوفيتى السابق ، ثم أعادت تجريب أساليبها فى زمن القطبية الأحادية بعد انهيارات موسكو الشيوعية أوائل تسعينيات القرن العشرين ، ومن دون أن تأخذ فى حسابها كثافة التغيرات الدولية ، وما جرى من إعادة توزيع متسارعة لتوازنات الاقتصاد والتكنولوجيا والسلاح ، جعلت التفوق الأمريكى واحتكاره لكرسى العرش العالمى ذاهبا بإطراد إلى خبر كان ، ثم جاءت عملية أوكرانيا لتكشف الغطاء عن ما جرى ويجرى ، فقبل عشرين سنة ، كان بوسع واشنطن أن تهش الآخرين بعصاها ، وأن تردد مقولة جورج بوش الإبن "من ليس معنا فهو ضدنا" ، وأن يؤتى تهديدها أكله ، وبما شجعها على خوض حربين استنزافيتين طويلتين فى أفغانستان والعراق ، إضافة لعشرات الحروب والغارات الأصغر ، انطلاقا من مئات القواعد العسكرية الأمريكية فى أربع جهات الدنيا ، وجاءت نتائج حروب واشنطن للمفارقة إنهاكا لما تبقى من قوتها ، وتحطيما للهيبة الأمريكية الكونية المفترضة ، بدت أماراته ظاهرة فى الانسحاب الفوضوى المخزى المذل من أفغانستان قبل شهور، وبما جعل حديث "جوبايدن" العجوز الخرف عن استعادة "القيادة الأمريكية للعالم" محط سخرية واستهزاء ، ونزع خوف التابعين من سطوة أمريكا المزعومة ، وعلى نحو ما بدا فى تصويتات الأمم المتحدة نفسها فى مجرى العملية الأوكرانية ، فقد حشدت أمريكا كل قوتها وضغوطها ، وحملت 141 دولة على إدانة روسيا فى الجمعية العامة للأمم المتحدة مع بدء الحرب ، ثم تناقص العدد إلى 93 دولة فى التصويت اللاحق لتعليق عضوية روسيا فى مجلس حقوق الإنسان ، أى أن 48 دولة خرجت عن طاعة أمريكا فى أسابيع ، وفى المقابل ، رفضت أو امتنعت 82 دولة عن التصويت ضد روسيا ، وهو ما جعل دعوى أمريكا عن عزل روسيا محض هراء وطلقات أوهام ، زادت من فزع أمريكا الغريزى ، خصوصا أن الدول التى رفضت أو امتنعت عن إدانة روسيا ، تكون الجزء الأكبر من سكان العالم وطاقاته فى عوالم السلاح والاقتصاد ، وبما دفع واشنطن لإشهار غضب منفلت ، قادها لتدبير ودعم انقلاب فى باكستان لإزاحة "عمران خان" بعد لقاء الأخير مع بوتين فى موسكو ، تبعته الحملة المحمومة على رئيس الوزراء الهندى "مودى" لوقف استيراده للغاز والبترول من روسيا ، ومن دون أن تثمر الضغوط حتى على البلدين النوويين المتجاورين المتحاربين تاريخيا ، فقد اندفع طوفان عارم من التأييد الجماهيرى الجارف لعمران خان فى باكستان ، وصار بوسعه أن يكسب بسهولة أى انتخابات مقبلة فى "إسلام آباد" ، وامتنعت الهند عن تقديم أى تعهد مريح إلى واشنطن ، والهند وباكستان كما هو معروف ، تجمعهما علاقات تجارة واقتصاد أكثر تنوعا وتشابكا مع بكين حليفة موسكو ، فوق ما ظهر من خسائر دول الغرب وشركاته الكبرى المقاطعة لموسكو ، وهو ما قد يعنى ببساطة ، أن واشنطن تعاقب حلفاءها وتجدع أنفها .
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.