محافظ كفرالشيخ يشهد الاحتفال بذكرى انتصارات العاشر من رمضان    محافظة القليوبية تحيي ذكرى العاشر من رمضان بمسجد ناصر ببنها    وزير التعليم العالي: خطة جديدة ل تطوير الجامعات الأهلية    إسرائيل تستند إلى بند " القوة القاهرة " في وقف الغاز لمصر، ما التفاصيل ؟    بتوجيه من الملك سلمان.. السعودية تستضيف الخليجيين العالقين في المطارات    عبدالرحيم علي: واشنطن تستهدف كسر إيران نوويا وعسكريا.. ولا رهان على باكستان والحل في صوت العقل لإنقاذ الشرق الأوسط    الإسماعيلي يتقدم على الجونة في الشوط الأول    تحرير 628 مخالفة تموينية في حملات مكبرة بالإسماعيلية    إخماد حريق اندلع في عيادة طبيب أنف وأذن بالفيوم دون إصابات بشرية    تأخر عرض الحلقة 12 من مسلسل الست موناليزا دون توضيح السبب    القارئ محمود كمال الدين: مصر ستظل بلد القرآن    مسلسل إفراج الحلقة 11.. عمرو سعد ينقذ نجله وابنة عمه ويحذر حاتم صلاح    تعرف علي تشكيل الطلائع لمواجهة حرس الحدود    على جمعة يوضح الفرق بين صلاة الفجر والصبح.. فيديو    رمضان 2026| «فوتشيني باللحمة المفرومة» طبق رئيسي مبتكر لعزومات الشهر الفضيل    عاجل- إسرائيل: عملياتنا العسكرية ضد إيران ستستمر أيامًا «لتحريرها من النظام»    عن الهوى والمال والدم.. الحلقة 11 من"رأس الأفعى" تكشف كواليس الانشقاق الكبير داخل الجماعة الإرهابية    لجنة المشاركة السياسية بالقومى للمرأة تناقش خطة عملها خلال الفترة المقبلة    الشوط الأول| بايرن ميونخ يتأخر أمام دورتموند في الدوري الألماني    رونالدو يقود هجوم النصر أمام الفيحاء    مجلس الكنائس العالمي يدين الهجمات العسكرية على إيران ويحذر من اتساع رقعة الصراع    باسم سمرة: الجيل الجديد عنده ورق ودور العرض السينمائية اختفت    مروان عطية: مطلبتش أعدل عقدي.. والزمالك الأقوى في مصر بعد الأهلي    ارتفاع حصيلة قتلى تحطم طائرة عسكرية أثناء الهبوط في بوليفيا إلى 20 شخصا    الأزهر الشريف يرسم لوحة أخوّة عالمية على مائدة الإفطار    سقطا من مكان مرتفع.. وفاة عاملين في حادثين بالقاهرة    الكشف على 379 وتحويل 23 حالة للجراحة في قافلة "طب الإسكندرية" بالظاهرية    ليدز ضد مان سيتي.. عمر مرموش يقود الهجوم فى غياب هالاند    وزير الأوقاف يهنئ القارئ بلال سيف بفوزه بمسابقة القرآن في تنزانيا    «فخر الدلتا» الحلقة 11.. أحمد يطلب المساعدة.. وفخر يغلق الهاتف    وقف محاكمة المتهمين بواقعة مطاردة نجلي الفنانة زينة بكلب بالشيخ زايد    منظمة أوبك بلس تحدد مسار أسواق النفط في اجتماع غد بعد حرب أمريكا وإيران    «صيام النصر».. روحانيات العاشر من رمضان تتوج نصر أكتوبر    الإسكندرية تشن حملات ب5 أحياء لإزالة التعديات واسترداد أراضي الدولة    الحرب على إيران | سعر الريال السعودي خلال تعاملات البنوك اليوم    الكهرباء: التغذية آمنة ومستقرة وخطط بديلة لمواجهة أي تطورات    القاهرة الإخبارية: تحليق مكثف للطيران الإسرائيلي بعد رصد صواريخ إيرانية    وزير الرياضة يهنئ اتحاد الخماسي الحديث بذهبية وفضية مصر في كأس بافيل    موعد آذان المغرب.... تعرف على موعد اذان المغرب اليوم العاشر من رمضان السبت 28فبراير 2026 بتوقيت المنيا    الخارجية السعودية تخرج عن صمتها: إدانة حادة للهجمات الإيرانية "السافرة والجبانة" على الرياض والمنطقة الشرقية    تغريم المتهم بنشر شائعات ضد بدرية طلبة 20 ألف جنيه    أوقاف الإسكندرية تنظم مسابقة قرآنية لتعزيز القيم الإيمانية في شهر رمضان    «التعليم» تبدأ تشكيل لجان وضع أسئلة الثانوية العامة 2026 الشهر المقبل    تداول 46 ألف طن و814 شاحنة بضائع عامة ومتنوعة بموانئ البحر الأحمر    نجل الرئيس الإيراني: والدي نجا من محاولة اغتيال دون إصابة    سط تريندات الحلويات الرمضانية.. هل الحلويات المنزلية هي الخيار الأفضل صحيا؟    رابط وخطوات الحصول على نتيجة الفصل الدراسي الأول بجامعة القاهرة الجديدة التكنولوجية    الداخلية تعلن مد مبادرة كلنا واحد بتخفيضات تصل ل 40%    الداخلية تعلن نتائج حملات أمنية موسعة لقطاع الأمن الاقتصادي وضبط آلاف القضايا    مواعيد مواجهات الجولة العاشرة بدوري عمومي سيدات كرة اليد اليوم    حسام حسن: هدفي في مرمى الشناوي "لا ينسى".. واللعب للزمالك يشرفني مثلما لعبت للأهلي    تنفيذ 10 قرارات إزالة تعديات بمساحة 800م2 فى كفر الشيخ    ازاي تحافظ على صحة جهازك الهضمي في رمضان؟    «147 جولة».. استنفار في «الصحة» لسرعة إنهاء المشروعات القومية بتوجيهات رئاسية    الإنتاج الحربي يدخل عصر الحروب الذكية.. خطة رسمية لتطوير الأسلحة بالذكاء الاصطناعي    صلاح يتطلع لكسر رقم جيرارد التاريخي مع ليفربول    السفارة الأمريكية في قطر تفرض إجراءات البقاء في أماكن الإقامة لجميع موظفيها    عصام شعبان عبدالرحيم يهاجم حمو بيكا: كله ينزل تحت    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ننشر نص كلمة شيخ الأزهر خلال إطلاقه ملتقى «حكماء الشرق والغرب» في باريس
نشر في بوابة أخبار اليوم يوم 24 - 05 - 2016

دعا فضيلة الإمام الأكبر د. أحمد الطيب للانتقال من فقه الأقليات إلى فقه الإندماج والتعايش الإيجابي مع الآخرين، جاء ذلك خلال إطلاقه الملتقى الثاني للحوار بين حكماء الشرق والغرب بالعاصمة الفرنسية باريس.
ودعا فضيلته المسلمين في أوروبا إلى أن يعوا جيدًا أنهم مواطنون أصلاء في مجتمعاتهم، وأن المواطنة الكاملة لا تتناقض أبدا مع الإندماج الذي يحافظ على الهوية الدينية.
وأضاف "الطيب" في كلمته أنه لا ينبغي أن تكون بعض القوانين الأوروبية التي تتعارض مع شريعة الإسلام حاجزًا يؤدي إلى الانعزال السلبي والانسحاب من المجتمع، وأنه ينبغي أن تكون نظرتنا الجديدة للغرب موضوعية مبنية على مبدأ التأثير والتأثر.
وأكد على أن الشرق والغرب لم يعودا بمعزل عن الآخر فكلاهما يؤثر في الأخر ويتأثر به، موضحًا أن العولمة تمثل مرحلة جديدة على طريق الصراع العالمي، مطالبًا استبدالها ب"العالمية".
وقال إن العولمة أدت إلى تدمير هوية الشعوب وخصاصها التي خلقها الله عليها، أما العالمية عبر عنها شيوخ الأزهر في القرن الماضي بانها الزمالة العالمية أو التعارف كحل لانقسام العالم وتكريس الثنائيات الحادة التي تنتهج الصراع وتشعل الحروب.
وذكر الإمام الأكبر أن عالمية الإسلام تنظر إلى العالم كله على أنه مجتمع واحد تتوزع فيه مسئولية الأمن والسلام على الجميع، وأن العدل والمساواة والإخوة بين البشر هي حدود كونية لله على هذه الأرض.
وأضاف: "العالمية تفرض علينا أن نعيد نظرتنا في فهمنا للغرب لتوظيف المشترك الإنساني، وعلى جميع صانعي القرار والمؤثرين فيه تحمل مسئولياتهم لصد الإرهاب العالمي، وأيضا التصدي لمحاولات تهويد القدس".
وتابع: "حل القضية الفلسطينية يمثل مفتاح المشكلات الكبرى التي تعيق إلتقاء الشرق بالغرب وتباعد ما بين الشعوب وتؤجج صراع الحضارات".
وفيما يلي نص الكلمة :
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه.
السادة الأجلاء من أهل العلم والفكر والسياسة ومن رجال الدين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛
فيسرني باسمي وباسم مجلس الحكماء أن أرحب بكم هنا على أرض فرنسا وفي عاصمتها العريقة، عاصمة الأدب العالمي والفكر الحر، ومهد الثورة الكبرى التي انطلقت من أرضها الثائرة على الظلم والقهر، منذ أكثر من قرنين، وبإرادة شعبها الذي حرر أوروبا من أغلالٍ وقيودٍ كبَّلتها قرونًا طوالا، واستعبدتها مرة باسم السلطان، وأخرى باسم الدَّين، وثالثةً باسم الإقطاع، حتى باتت الثورةُ الفرنسية مَعْلمًا من أهم معالم التاريخ ومرجعًا لفلسفة الحرية والحضارة، وتنوير العقل الأوربي وانتشاله من طَورِ الرُّكود والجمود إلى التحليق عاليًا في آفاق الإبداع والعلم والثقافة والفنون.. وحتى باتت أوروبا المعاصرة بكل ما تَزخَرُ به من تقدم مذهلٍٍ في العلم والمعرفة والرقي الإنساني، والديمقراطية وحقوق الإنسان، مدينة للثورة الفرنسية، ولفرنسا والفرنسيين.. فتحيةً لهذا البلد، وتحيةً لأهله، ولكلِّ محبي السلام والعدل والمساواة بين الناس.
أيها السادة!
هذا هو اللقاء الثاني بين حكماء الشرق وحكماء الغرب ..، بعد اللقاء الأول الذي عُقد في مدينة فلورنسا، مدينة الحوار والفن والثقافة: في الثامن من يونيو من العام الماضي (8 يونيو 2015م)، والذي أظلَّه –حينذاك- أملٌ قويٌ في ضرورة أن يبحث حكماء الغرب وحكماء الشرق عن مخرج من الأزمة العالمية التي وصفْتُها في كلمتي في فلورنسا بأنها «إن تُركت تتدحرج مثلَ كرة الثلج فإن البشرية كلَّها سوف تدفع ثمنها: خرابًا ودمارًا وتخَلُّفًا وسَفْكًا للدِّماء؛ وربما بأكثر مما دفعته في الحربين العالميتين في النصف الأول من القرن الماضي»، ولم تمضِ شهورٌ ستَّةٌ على هذا التخوَّف الذي شابته مسحة من التشاؤم، ربما غير المشروع، حتى شهدتْ باريس الجميلة المتألقة، ليلةً سوداء، فَقَدَت فيها من أبنائها قَرابةَ مائة وأربعين ضحية، سُفِكَت دماؤُهم في غَمْضةِ عين، إضافة إلى ثلاثةِ مائة وثمان وستين آخَرين، في حادثة إرهاب أسود لا يختلف اثنان في الشرق ولا في الغرب في رفضه وازدراء مُرَّتكِبِيِه، وتنَكُّبهم للفطرة الإنسانية والطبيعة البشرية وكل تعاليم الأديان والأعراف والقوانين..
ولعلكم تتفقون معي في أن هذا الحادث الأليم، ومثلُه حوادثُ أخرى دموية وقعت في بلجيكا، بل حوادث أشدُّ دمويةً وأكثر وحشيةً، تحدُث كل يوم في الشرق الذي غَرِقَ إلى أذنيه في مستنقعات الدَّمِ والثُّكْل واليُتْم والتهجير، والهروب إلى غير وِجْهةٍ في الفيافي والقفار، بلا مأوى ولا غِذاءٍ ولاَ غطاء.. هذه الحوادثُ تَفرِضُ فرضًا على أصحاب القرار النافذ والمؤثرِ في مجريات الأحداث، أن يتحملوا مسؤولياتهم كاملةً أمامَ الضَّمِيِر العالمي والإنساني، وأمامَ التاريخِ، (بل أمام الله يوم يقوم الناس لرب العالمين)، في أن يتدخَّلُوا لصد هذا الإرهاب العالمي، ووقف حمامات الدماء المسفوكة وأكوام الأشلاء المتناثرة من أجساد الفقراء والمساكين، وأطفالهم ونسائهم، والتي يقدِّمونها كل يوم قرابينَ على مذابح العابثين بمصائر الشعوب، والغافلين عن قِصاصِ السَّماءِ وعدالتها، التي قد تُمهل قليلاً، لكنها بكلِّ تأكيدٍ لا تُهمِلُ ولا تنسى.. وفي هذا السياق تلزم مطالبة العالم أيضًا بالتصدي لمحاولات تهويد أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، المسجد الأقصى المبارك، وحل القضية الفلسطينية حلا عادلاً شاملاً، لأن حل هذه القضية –في نظرنا-هو مفتاح المشكلات الكبرى التي تعيق التقاء الشرق بالغرب، وتباعد ما بين الشعوب، وتؤجج صراع الحضارات.
أيها الحكماء الأجلاء..
لم يعد أيٌّ من الشرق والغرب اليوم بمَعْزِلٍ عن الآخَر، كما كان الحالُ في القرن الماضي، ولم يعد الشرقُ هو هذا المجهول المُخيف، الذي تترامى أطرافُه فيما وراء البحارِ كما كان يتصوَّرُه الغربيون من قبل، كما لم يعد الغرب هو النموذج الغريب الذي يستطيع الشرقيون من مسلمين ومسيحيين أن يتجنبوه، ويُغلِقُوا أبوابهم دونه، ليستريحوا من خَيرِه أو شرِّه، فقد تقارب ما بينهما، وانطوت مسافةُ البعدِ وتلاشتِ الحواجزُ، وهاجر المسلمون واستوطنوا الغربَ، ولم يعُد لهم من وطن غيرُه، وهاجرت فلسفات الغرب السياسيةُ والاجتماعية وأنماطُ حياتِه اليومية واستوطنت عقولَ المسلمين، فأثَّرت في رؤاهُم وأنظارهم، وسيطرت على مساحة –لا يستهان بها- في مناهج تفكيرهم وطرائق سلوكهم وتصرُّفاتهم، ولا تزال المذاهب الاجتماعية الغربية كاللّيبرالية، والقومية، واليسارية تعمل عَمَلَها في أذهانِ كثيرٍ من المفكِّرين والسياسيين الشرقيين، ربما بأقوى ممَّا تعملُ في أذهان أهلها من الغربيين، بعد أن بدأت هذه المذاهب تتراجع في الذهنية الغربية بتأثير العولمة، التي تُبشِّرُ العالَم بل تَسُوقُه بفلسفة النواة والمركز والأطراف، والتي لا تَسمحُ بتقسيم العالم إلى شرقٍ وغربٍ، يتميز كل منهما عن الآخَر بثقافته، وحضارته، وأكاد أقول: بِدينِه وِلغته.. وفيما أعتقد فإن هذه العولمة لا يمكن أن تكون حلاً لعلاقات التوتر والتربص المتبادلة بين الشرق والغرب، أو تُشكِّلُ خطوة على طريق التقائهما وتعاونهما من أجل تحقيق السلام العالَمي، وتوفير السعادة للإنسانية جمعاء.. بل هي بكلِّ تأكيد مرحلةٌ جديدةٌ على طريق الصِّراعِ العالمي، بما تتأبَّطه من تدمير لهُويَّاتِ الشعوب وخصائصها التي خَلَقَها الله عليها، والتي لا يمكن لأيً شعب منها أن يُفرِّطَ فيها قبل أن يفرط في حياته وكل ممتلكاته.
ولا مَفَرَّ –أيها الحكماء الكبار-من التفكير في «العالمية» بدلاً من «العولمة»، وهي العالمية التي عبَّر عنها شيوخ الأزهر -في القرن الماضي بعد الحربين العالميتين -بالزمالة العالمية أو التعارف، كحَلٍّ لانقسام العالم وتكريس الثُّنائيات الحادة التي تنهج الصراع وتُشعِلُ الحروب.
ويطول الحديث في بيان «عالمية الإسلام» ونظرته للعالم كله على أنه مجتمع واحد، تتوزع فيه مسؤولية الأمن والسلام فيه على جميع أفراده، وقد يلخص ذلك ما يحضرني في هذا المقام من حديث لنبي الإسلام صلى الله عليه وسلم يقول فيه: «مَثَلُ القَائِم في حُدُودِ اللَّه والْوَاقِع فيها، كَمثل قَومٍ اسْتَهَموا على سَفِينَةٍ، فَأَصابَ بَعْضُهم أعْلاهَا، وبعضُهم أَسْفلَهَا، فكان الذين في أَسفلها إذا استَقَوْا من الماء مَرُّوا على مَنْ فَوقَهمْ، فقالوا: لو أنا خَرَقْنا في نَصِيبِنَا خَرقا ولَمْ نُؤذِ مَنْ فَوقَنا؟ فإن تَرَكُوهُمْ وما أَرَادوا هَلَكوا وهلكوا جَميعًا، وإنْ أخذُوا على أيديِهِمْ نَجَوْا ونَجَوْا جَميعًا».
ولا ينبغي أن يقتصر فهمنا لحدود الله في الحديث بالمعنى الضيق الذي ينطبق على المجتمعات الإسلامية، وأعني به الأحكام الشرعية الفقهية، بل ينبغي فهم هذه الحدود بالمعني الأعم الذي يؤكد مبدأ «العالمية» في الإسلام، فكما لله حدود شرعية جزئية، فله أيضًا حدود كونية على هذه الأرض، في مقدمتها: العدل والمساواة بين البشر، وتقرير الأخوة بينهم؛ لأنهم جميعًا يلتقون في أب واحد وأم واحدة، وأن ما بينهم من فروق واختلافات فطرهم الله عليها هي اختلافات التنوع والتعارف والتآخي، وأن من يخرج منهم على حدود الله في كونه فعلى الباقين أن يأخذوا على يديه، وإلا فسوف تغرق سفينة الإنسانية ويكون مصيرُها الهلاك والدَّمار، وهذا ما يخشاهُ ويحاذِرُه عُقلاء السياسة وأرباب العلم والفكر –الآن- شرقًا وغربًا .
على أن العالمية التي نتطلع إليها كبديل عن «العولمة » لإنقاذ العالم من المآسي التي يتردى فيها شطره الشرقي: الأوسط والأقصى – تفرض علينا نحن الشرقيين إعادة النظر في فهمنا للغرب وتقييم حضارته، واكتشاف ما يسكن هذه الحضارة من قيم إنسانية مشتركة، لا يتفاضل فيها شرق ولا غرب، وكذلك توظيف المشترك الإنساني في علاقات دولية تقوم على التعاون وتَجنب الحروب، وأن تكون نظرتنا الحديثة للغرب نظرة موضوعية تتأسس على مبدأ التأثير والتأثر، وفلسفة التعارف والتكامل، وتطبيق القاعدة الذهبية في أمر العلاقة بين المسلمين وغيرهم في الوطن الواحد، والتي يحفظها التلاميذ في المدارس، وهي قاعدة: «لهم ما لنا وعليهم ما علينا».
أيُّهَا الإِخوة!
يَضِيقُ الوقت المُحَدَّد لكلمتي هذه عن بيانِ القضيَّة التي أراها مدخلاً مناسبًا لالتقاء الشرق بالغرب، وأعني بها قضية «اندماج المسلمين» في أوطانهم الأوروبية، وانفتاحهم على مجتمعاتهم، التي وُلدوا فيها وصاروا جزءًا لا يتجزأ من نسيجها الوطني بكل أبعاده الاجتماعية والثقافية والسياسية، لكنها أصبحت تُشَكِّلُ عقبةً على طريق المواطنةِ الكاملةِ الَّتِي تُمثِّلُ عنصرَ ثراءٍ وقوَّةٍ للمجتمع الأوروبي.
وقد خضعت ظاهرة «الاندماج» الإيجابي هذه لدراسات عدة، وعُقد من أجلها أكثر من مؤتمر، وكتب فيها الكثير من المقالات والكتب، وكلها ترصد تردُّدَ كثيرٌ من المسلمين عن الاندماج في مجتمعاتهم الجديدة، خوفًا على هُويتهم الدِّينية من الذوبان، وأيضًا توجُّس المجتمع الأوروبي من تفكُّكِ مكتسباته الحضارية إذا ما فتح الأبواب للمختلفين عنه دينًا وثقافة، وقد رصَدَ المُحَلِّلون بعض العقبات على الجانبيين: الإسلامي والأوروبي، لا تزالُ تعملُ عملها في إقامة الحواجز والفواصل، والتهميش الذي كان أحد الأسباب في انضمام كثير من الشباب الأوروبي المسلم إلى حركات العنف والإرهاب المُسَلَّح.
وتأتي في مقدمة معوقاتِ الاندِمَاج من جانبِ المسلمين-الانتماءاتُ الإقليمية والولاءات العِرقيَّة والاختلافات الطائفية والمذهبية، التي تلازمهم في أوروبا ملازمة الظل، وتجعل من الصعب عليهم الانخراطَ في مجتمعاتهم، بل كثيرًا ما تصعِّب عليهم الاختلاطَ بغيرهم من المسلمين الذين يعيشون معهم ويعتقدون معتقدهم، لكنَّهم لا ينتمون إلى اقليمهم، ولا ينتسبون إلى هويتهم العرقية والطائفية، .. ومن أهم المعوقات من جانب المسلمين أيضًا هذه الدعوات التي يُطلقها البعض باسم الدين وتدعوا إلى مفاصلةِ المجتمع الأوروبي نفسيًّا، والاقتصار في مخالطته على الضَّرورات.
وعلى الجانب الأوربي تأتي، في مقدمة هذه العقبات، المواد الإعلامية السلبية التي تسيء للمسلمين، وتصورهم للشارع الأوروبي على غير حقيقتهم، ومن ذلك الرسوم المسيئة لنبيهم –صلى الله علي وسلم-عن وعي وقصد وجهل تام بمكانة الدِّين ومنزلة الأنبياء في قلوب المسلمين شرقًا وغربًا، والخلط بين الصورة الحقيقية للمجتمعات الإسلامية الشرقية، وبين ما يحدث في مناطق الصراع والتوتر من صُور الدماء والأشلاء، .. ومما يرصده الباحثون من عوائق على هذا الطريق تسييس الوجود الإسلامي في أوروبا، والمضاربة به في بورصة الانتخابات لجذب مزيد من الأصوات مما ينعكس سلبًا على علاقات الأوربيين بمواطنيهم.
لذلك أقترح أن تكون قضية «الاندماج الايجابي»، هذه هي موضوع اللقاء التالي، وهو اللقاء الثالث بين حكماء الشرق والغرب، في المكان والزمان اللذين يعلن عنهما فيما بعد، إن شاء الله.
وإلى أن نلتقي -بإذن الله تعالى -حول هذا الموضوع أدعو المواطنين المسلمين في أوروبا إلى أن يعوا جيدًا أنهم مواطنون أصلاء في مجتمعاتهم، وأن المواطنة الكاملة لا تتناقض أبدًا مع الاندماج الذي يحافظ على الهوية الدينية، ولكم –أيها المسلمون الأوربيون – في أنموذج المدينة المنورة بقيادة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-الأسوةُ الحسنة، حيث أسست وثيقة المدينة، وهي أول دستور عرفته الإنسانية، أسست مبدأ المواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين المختلفين دينًا وعرقًا.
هذا ولا ينبغي أن تكون بعض القوانين الأوربية التي تتعارض مع شريعة الإسلام حاجزًا يؤدي إلى الانعزال السَّلبي، والانسحاب من المجتمع، فهذه القوانين لا تفرضها الدولة على الناس – وإذا ألزمت بعضُ القوانين المسلمين بما يخالف شريعتهم فعليهم حينئذ الالتزام التام باللجوء إلى القوانين التي تكفُلُ لهم حق التضرر من هذه القوانين والمطالبة بتعديلها.
وكلمة أخيرة أوجهها إلى الدعاة الأئمة وكل من يشارك في خطابات المسلمين وإرشاداتهم هنا في أوروبا: أنه قد آن الأوان لأن ننتقل من فقه الأقليات إلى فقه الاندماج والتعايش الإيجابيين.. وعليكم أن تتذكروا -وتذكروا-قواعدنا الفقهية الجامعة، التي تقرر أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال والأشخاص، وأن التكليف بحَسبِ الوسع، وأن دين الله يسر، وأن المشقة تجلب التيسير، وأن الأمر إذا ضاق اتَّسَع، وأنه لا تحريم مع الاضطرار، ولا وجوب مع العجز، والمؤمن مُلْزَمٌ بوفاء العهود والعقود.. ولا دِينَ لمن لا أمانة له .. وأعلم أيها المسلم في كل مكان أن الناس إما أخٌ لك في الدين أو نظير لك في الإنسانية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.