الرسالة السعودية من قرار تعليق المنحة، التى قدمتها الرياض إلى لبنان « الدولة « بقيمة 4 مليارات دولار، دعما للجيش اللبنانى وقوات الامن، تقول وببساطة شديدة، ان عصر «الشيكات بدون رصيد سياسى « انتهي، وأن على الجميع ان يعى حقيقة ان السعودية قد تغيرت كثيرا، وأنها قد تكون مختلفة وجديدة تماما فى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، ويكفى للدلالة على ذلك، موقفها من الدفاع عن امنها القومى فى اليمن،عبر عاصفة الحزم، وقدرتها على تشكيل تحالف عربى يخوض المواجهات هناك، يضاف إلى ذلك جهدها فى اطار التحالف الاسلامى. الموقف السعودى الحاسم فى تلك القضية، تعبير عن حالة غضب وصلت إلى ذروتها، من اختطاف حزب الله للقرار اللبنانى، والذى تجسد فى مواقف وزير الخارجية جبران باسيل، فى اجتماع وزراء خارجية الدول العربية بالقاهرة فى 10 يناير الماضى، ووزاء خارجية دول منظمة التعاون الاسلامى فى جدة فى 22 من الشهر ذاته، واللذان تم تخصيصهما للبحث فى اتخاذ موقف موحد، تجاه الاعتدءات الايرانية على سفارة وقنصلية المملكة العربية السعودية فى طهران ومشهد، حيث خالف الوزير اللبنانى الإجماع العربى والاسلامى، الذى ادان تلك الهجمات، وأعلن عن تحفظ بلاده على القرار، تمسكا منها بسياسية «النأى بالنفس». وأثار الموقف اللبنانى استغراب الوزراء العرب، خاصة وأن القضية واضحة، وتمثل مخالفة للقوانين والاعراف الدولية، ووصل الامر إلى ان يتوجه وزير الخارجية الاماراتى الشيخ عبدالله بن زايد فى الاجتماع، بسؤال الوزير اللبنانى عندما تحجج بأن موقفه هو حفاظ على الوحدة الوطنية اللبنانية، « ولماذا اذن تشارك فى اجتماعات الجامعة العربية». علما بأن دولة مثل العراق، وهى اقرب سياسيا لإيران من لبنان، كان وزير خارجيتها ابراهيم الجعفرى من الذكاء، بأنه لم يقف ضد الاجماع العربى، ووافق على مشروع القرار وبدون تحفظ. ولابد قبل مناقشة تداعيات القضية، التوقف عن بعض المعلومات المفيدة، ومنها ان وزير الخارجية اللبنانى، هو زوج ابنة الجنرال ميشيل عون زعيم التيار الحر، المرشح للرئاسة الجمهورية اللبنانية، والحليف الابرز لحزب الله، كما ان الحزب هو شريك فى المنظومة السياسية اللبنانية عبر تمثيله فى الحكومة بوزيرين، وفى مجلس النواب ب11 نائبا، والاهم هو ان سياسية «النأى بالنفس» التى يتذرع بها الوزير اللبنانى، هو البند ال12 من17 بندا تضمنها اعلان بعبدا، الذى يمثل توافقا بين الزعامات السياسية منذ عدة سنوات، ويشير إلى تحييد لبنان عن سياسية المحاور والصراعات الاقليمية والدولية، حرصا على الوحدة الوطنية والسلم الاهلى فى لبنان، ويقال ان هذه الصيغة، كانت بطلب من حزب الله، فى محاولة للتخفيف من الضغوط على النظام السورى، فى بداية الازمة هناك فى مارس 2011، نتيجة اعلان مجموعة 14 آذار بزعامة سعد الحريرى دعمها للتحركات المعارضة لنظام بشار الاسد. والتزم الوزير بهذه السياسة، واستخدم لغة خشبية فى كل الاجتماعات، خدمة للتحالف بين حزب الله وبين صهره ميشيل عون، الذى يسعى إلى الوصول إلى بعبدا مقر الرئاسة اللبنانية، على اسنة رماح حزب الله، دون ان يدرك ان الحزب أول من اخترق مبدأ «النأى بالنفس»، باعتباره جزءا من المخطط الايراني، الذى يستهدف دول المنطقة ليس فى سوريا وحدها، حيث تورط فى الازمة السورية عسكريا، ويسقط له ضحايا بصفة يومية فى معاركه للحفاظ على نظام بشار، كما اننا لم نسمع للوزير اللبنانى اى تعليق، سواء بالرفض او الادانة، على التصريحات الرسمية الايرانية، على لسان كبار المسئولين هناك، بأن طهران اصبحت تتحكم فى اربع عواصم عربية، ذكر منها لبنانوسورياوالعراق واليمن. الموقف السعودى من لبنان، والذى حظى بدعم خليجى، تبعاته لن تقتصر على البعد العسكرى والامنى، من خلال وقف صفقات الاسلحة المتطورة من طائرات ومدرعات وصواريخ وغيرها، ولن تتوقف على الاقتصاد اللبنانى الذى يئن اصلا، من تراجع ملحوظ فى قيمة الليرة امام الدولار، والخوف من تأثير الازمة على تحويلات اللبنانيين العاملين فى دول الخليج، والتى تقدر ب 8 مليارات دولار نصفها من السعودية وحدها، وليس فى امكانيته فقدان اكبر داعم للاقتصاد اللبنانى، بل الاخطر فى تداعيات الازمة، على الوضع السياسى اللبنانى الهش، الذى يعانى من انقسام حاد حول الخطوة السعودية، والذى سيؤثر بالسلب مع استمرار عدم قدرة الفرقاء على التوصل إلى رئيس للجمهورية، منذ مايو 2014 عبر 35 جلسة لمجلس النواب، وهناك مخاوف على التشكيلة الوزارية نفسها، اذا اقدم بعض الوزراء من الموالاة فى تقديم استقالتهم. ليعيش لبنان فى فراغ سياسى تام،بغياب الرئيس والحكومة،ومجلس نيابى انتهت مدته منذ اشهر.