المجلس القومي للمرأة يشيد بدور الأزهر الشريف في دعم حقوق المرأة    أوقاف الإسكندرية تحتفل بذكرى تحويل القبلة وليلة النصف من شعبان بمسجد سيدي جابر الأنصاري    وزير العدل يستقبل رئيس المحكمة العليا بموريتانيا.. صور    بنزيما يواجه الاتحاد بعد 16 يوما من انتقاله إلى الهلال    سندرلاند يكتسح بيرنلي بثلاثية نظيفة ويتقدم للمركز الثامن بالدوري الإنجليزي    تقل 12 مسافرا، وصول أول حافلة من العائدين إلى غزة عبر معبر رفح    ترامب: المحادثات مع إيران مستمرة للوصول إلى اتفاق نووي    وفاة رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات    لميس الحديدي: افتتاح جزئي لمعبر رفح بعد 21 شهرًا واحتياجات الجرحى تتطلب 400 يوم    سندرلاند يستعيد الانتصارات ويضرب بيرنلي بثلاثية    روما يسقط في فخ الخسارة أمام أودينيزي بالدوري الإيطالي    مايوركا يضرب إشبيلية برباعية ويقربه من مراكز الهبوط    التابعي: علامة استفهام على رحيل دونجا.. ومعتمد جمال لا يعمل في أجواء مناسبة    إيهاب المصرى: محمد صلاح ليس أهلاويا ويميل للزمالك أو الإسماعيلى    الخامس من تشيلسي.. ستراسبورج يستعير أنسيلمينو    بعد أزمته مع القادسية وعودته لمصر، موقف كهربا من الرجوع إلى الأهلي    بسبب التعدي على الصغار.. بدء محاكمة مديرة مدرسة الإسكندرية للغات و17 من العاملين بها 12 فبراير الجاري    أصغر أطفالها لحق بها.. وفاة نجل مستشار بعد والدته في حادث انقلاب سيارة بأسيوط    تأجيل اجتماع رؤساء النقابات الفنية لمناقشة أزمة تصريحات هانى مهنا    من إفراج إلى المداح 6.. MBC مصر تكشف قائمة مسلسلات رمضان    مخرج "قسمة العدل": الهدف الأساسي من العمل الفني أن يجعل الإنسان يفكر    شعبة الاتصالات تقترح 3 حلول لتخفيض أسعار أجهزة المحمول ومنع التهريب    حابس الشروف: الدعم الإقليمي لمصر والأردن ساهم في تثبيت الفلسطينيين    الصحة: خطتنا الطارئة تتضمن توفير مختلف الخدمات الطبية والجراحية والعلاجية لجرحى ومرضى غزة    رمضان 2026| الأحداث تتصاعد بين محمود حميدة وطارق لطفي في «فرصة أخيرة»    نقيب الموسيقيين مصطفى كامل يدعو لاجتماع لبحث أزمة هاني مهنا..غدا    محافظ بورسعيد: المسابقة الدولية أصبحت منارة للقرآن الكريم والابتهال الديني والنسخة العاشرة تحمل أسم البهتيمي    محافظ الإسماعيلية يشهد احتفال الأوقاف بليلة النصف من شعبان    السعودية وإثيوبيا تبحثان مستجدات الأوضاع بالمنطقة والقضايا ذات الاهتمام المشترك    طريقة عمل البطاطس بالكبدة، وصفة اقتصادية ومشبعة    الإفتاء ل الحياة اليوم: ليلة النصف من شعبان فرصة للتقرب إلى الله    برلماني يوضح حقيقية فرض غرامات على الأطفال مستخدمي الموبايلات    محمد مختار جمعة: النصف من شعبان ليلة روحانية يغفر الله فيها لعباده    «كل من عليها بان».. ندوة للشاعر علاء عيسى بمعرض القاهرة الدولي للكتاب    راجعين من عزاء.. وفاة 6 من عائلة واحدة في حادث سير بأسوان    ضمن فعاليات المؤتمر الدولي ... نقاشات واسعة لمكافحة ختان الإناث وزواج الأطفال    البيئة: عمل تقرير خاص بتأثير التغير المناخي على المدن المختلفة مثل ارتفاع درجات الحرارة    طبيب تغذية يكشف أفضل إفطار صحي في رمضان.. ويُحذر من كثرة تناول الفاكهة    ليلة تُفتح فيها أبواب المغفرة.. النبي يتحدث عن فضل ليلة النصف من شعبان    محافظ القليوبية يشهد احتفالية ذكرى ليلة النصف من شعبان    147 شاحنة مساعدات تعبر رفح في طريقها إلى غزة عبر كرم أبو سالم    محافظ أسيوط يهنئ الرئيس السيسي بمناسبة ليلة النصف من شعبان    الكشف على 1563 مواطناً ضمن قوافل صحية بالغربية    تكريم صاحب المبادرة المجتمعية الأعلى تقييمًا في «الإصلاح الضريبى»    رمضان عبدالمعز: ليلة النصف من شعبان نفحة ربانية وفرصة للعفو    محكمة استئناف الجنايات تؤيد إعدام قاتلة أطفال دلجا ووالدهم بالمنيا    ملتقى الإبداع يناقش «حلم في حقيبة» بمعرض الكتاب    رئيس جامعة بنها يفتتح مؤتمر "التمكين المهني والتقدّم الوظيفي استعدادًا لمستقبل العمل"    الطب البيطري بجنوب سيناء: توفير ملاجئ آمنة للكلاب الضالة    رئيس الوزراء يتابع الموقف التنفيذي لمشروعات حماية الشواطئ    عصابة المنيا في قبضة الأمن.. كواليس النصب على عملاء البنوك    محافظ المنوفية يفتتح مشروع صرف صحى ميت البيضا باستثمارات 45 مليون جنيه    وزارة الزراعة تطرح كرتونة البيض ب 110 جنيهات بمعرض المتحف الزراعى بالدقى    برلمانية المؤتمر بالشيوخ: نؤيد تطوير المستشفيات الجامعية ونطالب بضمانات تحمي مجانية الخدمة والدور الإنساني    الرقابة المالية ترفع الحد الأقصى لتمويل المشروعات متناهية الصغر إلى 292 ألف جنيه    صدام القمة السعودي.. الأهلي يواجه الهلال في مواجهة مفصلية لدوري روشن 2025-2026    حالة الطقس.. أتربة عالقة وأجواء مغبرة تغطى سماء القاهرة الكبرى والمحافظات    تسليم نظارات طبية لأكثر من 5000 تلميذ بالمرحلة الابتدائية ضمن مبادرة «عيون أطفالنا مستقبلنا» في بني سويف    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ياسر رزق يكتب ..حلم مصري.. علي مكتب الرئيس القادم
نشر في بوابة أخبار اليوم يوم 02 - 02 - 2014

""علي أرض هذا البلد.. مواطنون يعضهم الجوع وينهشهم المرض..وأسر لاتحوطها جدران
ونساء بائسات يَعُلْنَ صغاراً محرومين.. وأطفال شوارع تنتهك براءتهم في مجتمع أعمي""
في غضون أسبوعين، يخلع المشير عبدالفتاح السيسي زيه العسكري، المزين بعلامات الرتبة الأرفع التي نالها أمس، بعد 44 عاما قضاها في خدمة القوات المسلحة، طالبا، وضابطا، وقائدا.
بعدها بأيام، سوف يتقدم للترشح لانتخابات رئاسة الجمهورية.
في النصف الثاني من مارس المقبل، تعلن اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية، القائمة النهائية لأسماء المرشحين.
في ظني سوف تخلو القائمة من اسمين، تدور الآن تكهنات، وتختلط أنباء، حول اعتزامهما خوض الانتخابات.
- الأول شخصية ذكية، لها رصيد لا تريد أن تبدده، ولديها تقدير موقف لا يخاصم معطيات الواقع، ولا يجافي ضرورات اللحظة.
وطبقا لما سمعت من هذه الشخصية مباشرة، أعتقد أنها تؤثر عدم الترشح، رغم ضغوط قوية تتعرض لها من داخل محيطها الشبابي والسياسي. وقد يتطور القرار إلي موقف مساند للمشير السيسي، حين تطالع برنامجه الرئاسي.
- الثاني شخصية لها خلفية عسكرية، معروفة جماهيرياً، ولديها طموح سياسي. كانت ترغب في التقاعد والترشح في انتخابات الرئاسة السابقة، لكن حيل بينها وبين ما تريد، بأمر حاسم من قيادة عسكرية أعلي.
شيء ما في صدر هذه الشخصية يدفعها دفعا نحو الترشح.
وشيء ما في عقلها يكبح هذه الرغبة ويحيد بها بعيداً عن مسارها المرسوم.
وحسبما فهمت من هذه الشخصية في لقاء قريب جمع بيننا، فهي تميل إلي عدم خوض الانتخابات، تغليبا لما تراه يحقق مصلحة وطنية، علي ما تعتبره حقاً أصيلاً وتطلعاً مشروعاً.
ولعل هذه الشخصية تعلن خلال أيام عن قرارها بعدم الترشح، مقروناً بالأسباب.
***
المنافسة تبدو شبه محسومة - حتي وإن خاضها الذين سوف يحجمون - في خضم موجة جماهيرية هادرة، تتطلع إلي السيسي كبطل شعبي، لا كواحد من بين مرشحين.
قبل نهاية ابريل، ستعلن اللجنة العليا اسم المرشح الفائز في الانتخابات. لن تقتضي النتيجة إجراء جولة إعادة. بل ربما يحوز الرئيس المنتخب نسبة تأييد فائقة، تبعث في نفسه شعوراً بقلق المسئولية، بأكثر مما تثير فيها من مشاعر السعادة بالفوز!
جرت المقادير بما هو متوقع، سوف يؤدي الرئيس المنتخب اليمين، أمام الجمعية العمومية للمحكمة الدستورية العليا، بحضور الرئيس المؤقت عدلي منصور، ثم يبدأ في مباشرة مهامه الرئاسية من قصر »الاتحادية« في نفس اليوم.
***
إذا شاء مالك الملك، ونفذت إرادة الشعب، سيكون عبدالفتاح سعيد حسين خليل السيسي، هو الرئيس السادس لجمهورية مصر العربية.
ومثلما أظن أن شاغل السيسي الآن ليس مسألة الترشح للانتخابات وإنما البرنامج الذي سيطرحه علي الجماهير، أحسبه لن ينشغل حين يخوض الانتخابات باليوم الذي سيجلس فيه علي مقعد الرئيس، وإنما باليوم الذي سيسلم فيه الراية إلي من سيخلفه علي كرسي الرئاسة.
أمام السيسي حين يدخل مكتب الرئيس في الطابق الثاني من قصر الاتحادية مهمة تحقيق حلم ظل حياً في وجدان جماهير صابرة، خرجت في ثورتين عظيمتين تنادي بحرية تنعم فيها بعيش كريم مغموس بالكرامة، في وطن حر مستقل الإرادة، يعدل بين أبنائه، وينحاز للفقراء منهم والمهمشين.
سقف تطلعات المصريين لا تحده سماء، وهذا هو شأن الشعوب العظيمة.
غير أن المصريين ليسوا سذجاً ليتصوروا أن المن والسلوي ستنزل عليهم من السماء في اليوم التالي لدخول ساكن الاتحادية الجديد، ولا هم يتوهمون أن بإصبع السيسي خاتم سليمان وبيده مصباح علاء الدين.
الذي نعرفه ولابد أن السيسي يعلمه أن الشعب المصري يمتلك قدرات كامنة هائلة، وأن المصريين قادرون علي مفاجأة أنفسهم وإبهار العالم حين تتوافر لهم قيادة وطنية مخلصة صادقة أمينة، تؤمن بالجماهير، وتستطيع شحذ الهمم واستنهاض العزائم لتفجير هذه القدرات الكامنة.
حينئذ، لن ننتظر مناً ولا سلوي ولن نبحث عن خاتم أو مصباح.
***
من أين أبدأ؟! لعله أول سؤال يراود السيسي الآن من قبل أن يتقاعد ويترشح، ويفوز، ويجلس علي مقعد الرئاسة.
فهناك متلازمة الفقر والجهل والمرض، وهناك تحديات البطالة والتنمية والأمن، وهناك تهديدات داخلية وخارجية بعضها حال وبعضها مرتقب.
قد يستطيع السيسي أن يبدأ في كل هذا معاً بخطوات علي طريق الألف ميل، لكن ثغرة الاختراق الحقيقية في جدار الأزمات المصرية المزمنة، التي يمكنه إنجازها وبسرعة، لينبعث منها ضوء يبشر بأن الحلم قابل للتحقيق، هي مشروع العدالة الاجتماعية أو بالأحري برنامج القضاء علي الظلم الاجتماعي.
فعلي أرض هذا البلد، مواطنون يعضهم الجوع وينهش في أحشائهم المرض، هناك أسر لا تحوطها جدران ولا تظلها أسقف، ونساء بائسات يَعُلْنَ صغارا يبحثون عن كسرة خبز في صندوق قمامة، وأطفال شوارع تنتهك براءتهم في مجتمع أعمي، وتداس آدميتهم علي مرأي من حكومات خرقاء، ويجندهم خوارج لحرق الأخضر واليابس.
ادعي أن العدالة الاجتماعية هي الملف الذي يحظي بالأولوية عند السيسي قبل غيره من ملفات حيوية، وأزعم أن الخطر الأكبر الذي يتهدد البلاد في تقدير السيسي وبتعبيره الذي سمعته هو «ثورة العوز» أو «ثورة الجياع».
أعلم أن هناك أفكاراً ومشروعات تحدث عنها السيسي تلميحا وتصريحا، تتعلق برعاية وتأهيل أطفال الشوارع، والتوسع في إصلاح أحوال القري الأكثر فقراً، وتغيير وجه الحياة في المناطق العشوائية، وهناك غيرها الكثير.
لكن من الظلم للسيسي أن نحمله وحده مسئولية التفكير والتنفيذ، وأجد لزاما عليّ وعلي غيري كشركاء في وطن واحد، أن نطرح أفكارنا لعل بعضها ينير طريقاً أو يفتح طاقة.
***
في رأيي المتواضع هناك خطوات يسهل الأخذ بها علي الفور وإجراءات أخري يمكن وضعها موضع التنفيذ بسرعة، بعضها سبق أن طرحته في أعقاب ثورة يناير في عهد المجلس العسكري، وكلها تصب في خانة الانحياز للغالبية العظمي من أبناء الشعب.. ويمكن الشروع فيها كحزمة واحدة ضمن برنامج العدل الاجتماعي علي النحو التالي:
تخصيص 10 مليارات جنيه «أقل من 1.5 مليار دولار»، توزع كقروض حسنة بلا فوائد، بواقع 10 آلاف جنيه للقرض، علي مليون سيدة من ربات الأسر المعدمات، علي أن يكون القرض في صورة مشروع متناهي الصغر، كماكينات الخياطة والتريكو، وتربية الدواجن والخراف والماشية، وأكشاك بيع الخضراوات والفواكه والخردوات وغيرها. علي أن يسدد القرض علي مائة شهر بواقع 100 جنيه شهريا بعد فترة سماح سنة.. وتخصص حصيلة الأقساط السنوية «1.2 مليار جنيه»، لتقديم قروض جديدة، أي أن هناك 120 ألف سيدة معدمة جديدة سوف تحصل علي هذا «القرض الدوار» في كل عام.
وإذا اعتبرنا أن كل سيدة من هؤلاء تعول 4 أفراد، فسوف يستفيد من القرض لأول مرة 5 ملايين مواطن معدم، يضاف إليهم 600ألف مستفيد في كل عام.
استحداث معاش باسم معاش الثورة لغير القادرين علي الكسب وغير المشمولين بمظلة الضمان الاجتماعي.
إعفاء الشباب المتعثرين في سداد أقساط قروض الصندوق الاجتماعي من فوائد الديون، وتشجيع الشباب صاحب المشروع الناجح والملتزم بالسداد بإعفائه من هذه الفوائد، ليضخها في التوسع بمشروعه.
توزيع أراضي مشروعات الاستصلاح في توشكي وشرق العوينات وترعة السلام بسيناء والساحل الشمالي، علي شباب الخريجين العاطلين، مع اعطاء الأولوية لخريجي الزراعة والدبلومات الزراعية حسب أسبقية التخرج، علي أن يكون التوزيع من خلال جمعيات ينشئونها تحت إشراف رسمي، مع إقامة شركات تسويق كبري للحاصلات والمنتجات الزراعية المصنعة يتملكها شباب من خريجي التخصصات الأخري بأسهم متساوية.
نقل بعض المنشآت الرسمية والحكومية إلي خارج الحيز العمراني، خاصة في قلب القاهرة والإسكندرية ومدن القناة وفق خطة عاجلة مدروسة، وطرح أرضها بنظام حق الانتفاع لإقامة مشروعات خدمية أو تنموية، وتخصص الحصيلة لإنشاء وحدات سكنية شعبية بالعاصمة والمحافظات للشباب من حديثي الزواج أو المقبلين عليه أو سكان العشوائيات بنظام الإيجار التمليكي.
مع هذه الإجراءات العاجلة وغيرها.. أدرك وجود احتياجات أخري لتحقيق العدالة الاجتماعية علي المدي المتوسط والطويل، منها النهوض بالتعليم ورفع مستوي الرعاية الصحية من خلال التأمين الصحي الشامل، وتطوير مرافق مياه الشرب والصرف الصحي والنقل، وكلها تحتاج إلي استثمارات بمئات بل بآلاف المليارات من الجنيهات، وهناك أفكار لتنفيذ تلك المشروعات عبر المشاركة المجتمعية، منها فكرة الاقتصادي حسن هيكل الخاصة بتطبيق نظام ضريبة المرة الواحدة علي الثروة، وفكرة النائب السابق مصطفي الجندي المتعلقة بإعفاء مشروعات القطاع الخاص الجديدة من الضريبة للأبد، في مقابل تملك
الدولة نسبة 25% أو 30% من المشروع، وعلي ذكر مصطفي الجندي فقد سمعته يطرح أفكارا غير تقليدية عن توفير الخبز والكهرباء للمعدمين دون تحميل الدولة بأعباء إضافية، أراها ممكنة وسهلة وسيكون لها دوي وصدي.
***
لا ينتابني أي ملل من تكرار القول بأن الزعيم جمال عبدالناصر استطاع أن يحول 23 يوليو إلي ثورة حقيقية بعد 48 يوما فقط من قيامها، حينما أعلن عن مشروع الإصلاح الزراعي وأنهي أقدم إقطاعية في التاريخ، وأعطي الفلاح المعدم الأجير خمسة أفدنة هي حق له في أرض بلاده.
التاريخ علي مايبدو يدور دورة كاملة.. فالحلم يتجدد، والامتداد موجود، والدرب لم يعد مهجوراً
""علي أرض هذا البلد.. مواطنون يعضهم الجوع وينهشهم المرض..وأسر لاتحوطها جدران
ونساء بائسات يَعُلْنَ صغاراً محرومين.. وأطفال شوارع تنتهك براءتهم في مجتمع أعمي""
في غضون أسبوعين، يخلع المشير عبدالفتاح السيسي زيه العسكري، المزين بعلامات الرتبة الأرفع التي نالها أمس، بعد 44 عاما قضاها في خدمة القوات المسلحة، طالبا، وضابطا، وقائدا.
بعدها بأيام، سوف يتقدم للترشح لانتخابات رئاسة الجمهورية.
في النصف الثاني من مارس المقبل، تعلن اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية، القائمة النهائية لأسماء المرشحين.
في ظني سوف تخلو القائمة من اسمين، تدور الآن تكهنات، وتختلط أنباء، حول اعتزامهما خوض الانتخابات.
- الأول شخصية ذكية، لها رصيد لا تريد أن تبدده، ولديها تقدير موقف لا يخاصم معطيات الواقع، ولا يجافي ضرورات اللحظة.
وطبقا لما سمعت من هذه الشخصية مباشرة، أعتقد أنها تؤثر عدم الترشح، رغم ضغوط قوية تتعرض لها من داخل محيطها الشبابي والسياسي. وقد يتطور القرار إلي موقف مساند للمشير السيسي، حين تطالع برنامجه الرئاسي.
- الثاني شخصية لها خلفية عسكرية، معروفة جماهيرياً، ولديها طموح سياسي. كانت ترغب في التقاعد والترشح في انتخابات الرئاسة السابقة، لكن حيل بينها وبين ما تريد، بأمر حاسم من قيادة عسكرية أعلي.
شيء ما في صدر هذه الشخصية يدفعها دفعا نحو الترشح.
وشيء ما في عقلها يكبح هذه الرغبة ويحيد بها بعيداً عن مسارها المرسوم.
وحسبما فهمت من هذه الشخصية في لقاء قريب جمع بيننا، فهي تميل إلي عدم خوض الانتخابات، تغليبا لما تراه يحقق مصلحة وطنية، علي ما تعتبره حقاً أصيلاً وتطلعاً مشروعاً.
ولعل هذه الشخصية تعلن خلال أيام عن قرارها بعدم الترشح، مقروناً بالأسباب.
***
المنافسة تبدو شبه محسومة - حتي وإن خاضها الذين سوف يحجمون - في خضم موجة جماهيرية هادرة، تتطلع إلي السيسي كبطل شعبي، لا كواحد من بين مرشحين.
قبل نهاية ابريل، ستعلن اللجنة العليا اسم المرشح الفائز في الانتخابات. لن تقتضي النتيجة إجراء جولة إعادة. بل ربما يحوز الرئيس المنتخب نسبة تأييد فائقة، تبعث في نفسه شعوراً بقلق المسئولية، بأكثر مما تثير فيها من مشاعر السعادة بالفوز!
جرت المقادير بما هو متوقع، سوف يؤدي الرئيس المنتخب اليمين، أمام الجمعية العمومية للمحكمة الدستورية العليا، بحضور الرئيس المؤقت عدلي منصور، ثم يبدأ في مباشرة مهامه الرئاسية من قصر »الاتحادية« في نفس اليوم.
***
إذا شاء مالك الملك، ونفذت إرادة الشعب، سيكون عبدالفتاح سعيد حسين خليل السيسي، هو الرئيس السادس لجمهورية مصر العربية.
ومثلما أظن أن شاغل السيسي الآن ليس مسألة الترشح للانتخابات وإنما البرنامج الذي سيطرحه علي الجماهير، أحسبه لن ينشغل حين يخوض الانتخابات باليوم الذي سيجلس فيه علي مقعد الرئيس، وإنما باليوم الذي سيسلم فيه الراية إلي من سيخلفه علي كرسي الرئاسة.
أمام السيسي حين يدخل مكتب الرئيس في الطابق الثاني من قصر الاتحادية مهمة تحقيق حلم ظل حياً في وجدان جماهير صابرة، خرجت في ثورتين عظيمتين تنادي بحرية تنعم فيها بعيش كريم مغموس بالكرامة، في وطن حر مستقل الإرادة، يعدل بين أبنائه، وينحاز للفقراء منهم والمهمشين.
سقف تطلعات المصريين لا تحده سماء، وهذا هو شأن الشعوب العظيمة.
غير أن المصريين ليسوا سذجاً ليتصوروا أن المن والسلوي ستنزل عليهم من السماء في اليوم التالي لدخول ساكن الاتحادية الجديد، ولا هم يتوهمون أن بإصبع السيسي خاتم سليمان وبيده مصباح علاء الدين.
الذي نعرفه ولابد أن السيسي يعلمه أن الشعب المصري يمتلك قدرات كامنة هائلة، وأن المصريين قادرون علي مفاجأة أنفسهم وإبهار العالم حين تتوافر لهم قيادة وطنية مخلصة صادقة أمينة، تؤمن بالجماهير، وتستطيع شحذ الهمم واستنهاض العزائم لتفجير هذه القدرات الكامنة.
حينئذ، لن ننتظر مناً ولا سلوي ولن نبحث عن خاتم أو مصباح.
***
من أين أبدأ؟! لعله أول سؤال يراود السيسي الآن من قبل أن يتقاعد ويترشح، ويفوز، ويجلس علي مقعد الرئاسة.
فهناك متلازمة الفقر والجهل والمرض، وهناك تحديات البطالة والتنمية والأمن، وهناك تهديدات داخلية وخارجية بعضها حال وبعضها مرتقب.
قد يستطيع السيسي أن يبدأ في كل هذا معاً بخطوات علي طريق الألف ميل، لكن ثغرة الاختراق الحقيقية في جدار الأزمات المصرية المزمنة، التي يمكنه إنجازها وبسرعة، لينبعث منها ضوء يبشر بأن الحلم قابل للتحقيق، هي مشروع العدالة الاجتماعية أو بالأحري برنامج القضاء علي الظلم الاجتماعي.
فعلي أرض هذا البلد، مواطنون يعضهم الجوع وينهش في أحشائهم المرض، هناك أسر لا تحوطها جدران ولا تظلها أسقف، ونساء بائسات يَعُلْنَ صغارا يبحثون عن كسرة خبز في صندوق قمامة، وأطفال شوارع تنتهك براءتهم في مجتمع أعمي، وتداس آدميتهم علي مرأي من حكومات خرقاء، ويجندهم خوارج لحرق الأخضر واليابس.
ادعي أن العدالة الاجتماعية هي الملف الذي يحظي بالأولوية عند السيسي قبل غيره من ملفات حيوية، وأزعم أن الخطر الأكبر الذي يتهدد البلاد في تقدير السيسي وبتعبيره الذي سمعته هو «ثورة العوز» أو «ثورة الجياع».
أعلم أن هناك أفكاراً ومشروعات تحدث عنها السيسي تلميحا وتصريحا، تتعلق برعاية وتأهيل أطفال الشوارع، والتوسع في إصلاح أحوال القري الأكثر فقراً، وتغيير وجه الحياة في المناطق العشوائية، وهناك غيرها الكثير.
لكن من الظلم للسيسي أن نحمله وحده مسئولية التفكير والتنفيذ، وأجد لزاما عليّ وعلي غيري كشركاء في وطن واحد، أن نطرح أفكارنا لعل بعضها ينير طريقاً أو يفتح طاقة.
***
في رأيي المتواضع هناك خطوات يسهل الأخذ بها علي الفور وإجراءات أخري يمكن وضعها موضع التنفيذ بسرعة، بعضها سبق أن طرحته في أعقاب ثورة يناير في عهد المجلس العسكري، وكلها تصب في خانة الانحياز للغالبية العظمي من أبناء الشعب.. ويمكن الشروع فيها كحزمة واحدة ضمن برنامج العدل الاجتماعي علي النحو التالي:
تخصيص 10 مليارات جنيه «أقل من 1.5 مليار دولار»، توزع كقروض حسنة بلا فوائد، بواقع 10 آلاف جنيه للقرض، علي مليون سيدة من ربات الأسر المعدمات، علي أن يكون القرض في صورة مشروع متناهي الصغر، كماكينات الخياطة والتريكو، وتربية الدواجن والخراف والماشية، وأكشاك بيع الخضراوات والفواكه والخردوات وغيرها. علي أن يسدد القرض علي مائة شهر بواقع 100 جنيه شهريا بعد فترة سماح سنة.. وتخصص حصيلة الأقساط السنوية «1.2 مليار جنيه»، لتقديم قروض جديدة، أي أن هناك 120 ألف سيدة معدمة جديدة سوف تحصل علي هذا «القرض الدوار» في كل عام.
وإذا اعتبرنا أن كل سيدة من هؤلاء تعول 4 أفراد، فسوف يستفيد من القرض لأول مرة 5 ملايين مواطن معدم، يضاف إليهم 600ألف مستفيد في كل عام.
استحداث معاش باسم معاش الثورة لغير القادرين علي الكسب وغير المشمولين بمظلة الضمان الاجتماعي.
إعفاء الشباب المتعثرين في سداد أقساط قروض الصندوق الاجتماعي من فوائد الديون، وتشجيع الشباب صاحب المشروع الناجح والملتزم بالسداد بإعفائه من هذه الفوائد، ليضخها في التوسع بمشروعه.
توزيع أراضي مشروعات الاستصلاح في توشكي وشرق العوينات وترعة السلام بسيناء والساحل الشمالي، علي شباب الخريجين العاطلين، مع اعطاء الأولوية لخريجي الزراعة والدبلومات الزراعية حسب أسبقية التخرج، علي أن يكون التوزيع من خلال جمعيات ينشئونها تحت إشراف رسمي، مع إقامة شركات تسويق كبري للحاصلات والمنتجات الزراعية المصنعة يتملكها شباب من خريجي التخصصات الأخري بأسهم متساوية.
نقل بعض المنشآت الرسمية والحكومية إلي خارج الحيز العمراني، خاصة في قلب القاهرة والإسكندرية ومدن القناة وفق خطة عاجلة مدروسة، وطرح أرضها بنظام حق الانتفاع لإقامة مشروعات خدمية أو تنموية، وتخصص الحصيلة لإنشاء وحدات سكنية شعبية بالعاصمة والمحافظات للشباب من حديثي الزواج أو المقبلين عليه أو سكان العشوائيات بنظام الإيجار التمليكي.
مع هذه الإجراءات العاجلة وغيرها.. أدرك وجود احتياجات أخري لتحقيق العدالة الاجتماعية علي المدي المتوسط والطويل، منها النهوض بالتعليم ورفع مستوي الرعاية الصحية من خلال التأمين الصحي الشامل، وتطوير مرافق مياه الشرب والصرف الصحي والنقل، وكلها تحتاج إلي استثمارات بمئات بل بآلاف المليارات من الجنيهات، وهناك أفكار لتنفيذ تلك المشروعات عبر المشاركة المجتمعية، منها فكرة الاقتصادي حسن هيكل الخاصة بتطبيق نظام ضريبة المرة الواحدة علي الثروة، وفكرة النائب السابق مصطفي الجندي المتعلقة بإعفاء مشروعات القطاع الخاص الجديدة من الضريبة للأبد، في مقابل تملك
الدولة نسبة 25% أو 30% من المشروع، وعلي ذكر مصطفي الجندي فقد سمعته يطرح أفكارا غير تقليدية عن توفير الخبز والكهرباء للمعدمين دون تحميل الدولة بأعباء إضافية، أراها ممكنة وسهلة وسيكون لها دوي وصدي.
***
لا ينتابني أي ملل من تكرار القول بأن الزعيم جمال عبدالناصر استطاع أن يحول 23 يوليو إلي ثورة حقيقية بعد 48 يوما فقط من قيامها، حينما أعلن عن مشروع الإصلاح الزراعي وأنهي أقدم إقطاعية في التاريخ، وأعطي الفلاح المعدم الأجير خمسة أفدنة هي حق له في أرض بلاده.
التاريخ علي مايبدو يدور دورة كاملة.. فالحلم يتجدد، والامتداد موجود، والدرب لم يعد مهجوراً


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.