لم يكن شعار " ارفع راسك فوق أنت مصري " مجرد عبارة يرددها المصريون من قبيل الزهو أو التفاخر للتعظيم من شأنهم ، بل هو شعار أثبتت الأيام والأحداث صدقه.. رغم القلة التي تحاول التقليل اوالتحقير من قيمة وعبقرية الإنسان المصري تلك العبقرية التي تجلت في حرب وثورتين .. ظهرت في حرب أكتوبر المجيدة عام 1973 وتجلت في ثورة 25 يناير 2011 وموجتها الثانية في 30 يونيه 2013 .. عبقرية وارادة شهد بها العالم الذي وقف مذهولا من عظمة الشعب المصري الذي أوقف عقارب الساعة أكثر من مرة وأعاد رسم السياسات الدولية أكثر من مرة ، وأحبط المصري مخططات صهيونية عالمية أيضا أكثر من مرة كان آخرها مخطط الشرق الأوسط الكبير التي نجحت الصهيونية العالمية في خطواته الأولي وحققت فيها نجاحات كبيرة كان من أهمها تدمير البنية التحية لدولتين عربيتين كبيرتين هما العراق وسوريا والقضاء علي قدرتهما العسكرية في إطار مخطط الشرق أوسط الكبير وعندما جاء الدور علي " الكبيرة " مصر لاستكمال باقي سيناريو الاستحواذ علي دول المنطقة فوجئ المخططون والمنفذون والداعمون لهذا المشروع الصهيوني الكبير بالمصريين ينتفضون عن بكرة أبيهم في مشهد أذهل العالم وهم يدافعون بقوة وجسارة عن أقدم حضارة عرفها التاريخ .. ملحمة وطنية سطرها المصريون ورسالة مدوية بعثوا بها للعالم فحواها أن "مصر غير قابلة للكسر".. في مصر جيش وشعب .. ولمصر درع وسيف .. ولا حياة علي الكرة الأرضية بدون مصر .. ويكفيها فخرا وعزة أن ذكرها المولي عز وجل في كتابه الكريم اكثر من مرة نذكر منه قوله تعالي " ادخلو مصر ان شاء الله آمنين " ، وقول رسولنا الكريم صلي الله عليه وسلم " إن جند مصر من خير أجناد الأرض لأنهم وأهلهم في رباط إلي يوم القيامة". اليوم تمر الذكري الأربعين لحرب أكتوبر المجيدة التي أعادت العزة والكرامة لكل المصريين ، وعلي الرغم مما كتب ونشر في الصحف ووسائل الإعلام عن هذه الحرب وأسرارها ، إلا أن أحدا لم يتطرق طيلة هذه السنوات الطويلة إلي كشف وإبراز عظمة الإنسان المصري وعبقريته حتي بعد قيام ثورة 25 يناير بموجتيها الأولي والثانية .. تلك العبقرية التي لم تتوقف عند حدود معينة، فتجد جندي لا يجيد القراءة ولا الكتابة وقد شارك في حرب أكتوبر مستخدما أحدث أسلحة الإشارة .. كيف له أن يستخدمها وهو لا يجيد القراءة - حتى مع التدريب عليها - كيف كان يحدد الإحداثيات ، وطبيعة الأرض .. تلك هي عبقرية الإنسان المصري الذي تسلح بالإيمان متيقنا بأن النصر من عند الله .. أخذ بالأسباب فتحقق النصر الكبير .. نفس العبقرية تجلت في ثورة 25 يناير عندما اعتقد العالم أن المصريين يحيون أمواتا ولم يعد باستطاعتهم أن يثورو علي الفساد والأوضاع السيئة في مصر وتعامل العالم مع هذا الوضع بأن النظام الحديدي – كما كان يلقبونه - لن يسقط ، وأن مبارك الابن سيخلف مبارك الأب في حكم مصر .. وهيأ العالم نفسه لهذا الأمر ، وإذا بالمارد المصري يخرج من القمقم وإذا بملايين هادرة تخرج للشوارع والميادين مطالبة برحيل النظام الفاسد .. وقتها توقفت عقارب الساعة ليس في مصر وحدها ، بل توقفت في العالم أجمع لما لمصر من مكانة وأهمية دولية .. شاهدنا شاب يقف أمام مدرعة ويمنعها بجسده من العبور ، وآخر يستخدم أحدث التكنولوجيا لتجيش الشعب ضد النظام الفاسد .. شاهدنا المسلم يصلي في الميدان والمسيحي يقف ليحرسه حتي يفرغ من الصلاة ، وهذا لا يحدث إلا في مصر .. وحتى مع الانفلات الأمني وغياب الشرطة بعد 28 فبراير 2011 لم نسمع عن حادث سرقة واحد أو اعتداء علي كنيسة .. حتى اللصوص ترك بعضهم هوايته في سرقة المواطنين وتوحدوا مع الشعب حول هدف واحد وهو رحيل النظام إلي الحد الذي شاهدنا فيه عدد من اللصوص يقفون في لجان شعبية بجوار الشباب لحماية البيوت والممتلكات في ظل غياب الأمن .. تلك كانت عبقرية الإنسان المصري التي لن تجدها إلا في مصر. وتمر الأيام ويأتي رئيس جديد بالانتخاب الحر المباشر ، وعلي الرغم مما شابه عملية الاقتراع من مخالفات إلا أن الشعب ارتضي بأولي مراحل الديمقراطية ومنح الإخوان لأول مرة الفرصة لحكم مصر وتحقيق مطالب الثورة التي قامت من أجلها إلا أن الوضع ساء والأحوال تدهورت والأزمات زادت عن الحد مع شراهة الحكم في أخونة كل مفاصل الدولة ، بل ووصل الأمر إلي حد السعي للتفريط في تراب مصر باتفاقيات مشبوهة ، بالإضافة إلي عملية الإفراج عن عدد من الإرهابيين الذين كانوا يقضون عقوبات داخل السجون المصرية منهم أعضاء بحركة حماس ، وحزب الله * وإزاء هذا الوضع المتردي والذي يهدد الأمن القومي المصري واستقرار البلاد احتقن الشارع المصري ، وللمرة الثانية يراهن العالم علي خاسر فراحوا يعقدون الصفقات ويبرمون الاتفاقيات مع النظام الجديد ظنا منهم أنه باق علي الأقل لمدة 500 عاما كما صرح وقتها بذلك رئيس الجمهورية المعزول وعدد من أتباعه وعشيرته.. وإذ بالمارد المصري يوقف عقارب الساعة مرة أخري ويحبس العالم أنفاسه بعد خروج المصريين بعشرات الملايين - بعد أقل من عامين ونصف علي الثورة الأولي – إلي الشوارع رافضين حكم " المرشد " مطالبين برحيل نظام الإخوان .. كانت الموجة الثانية للثورة في 30 يونيه أكبر عددا من الموجة الأولي والسبب هو شعور المصريين بالخوف علي الدولة والأرض والعرض .. حتى أن من كان يطلقون عليهم " حزب الكنبة " – كناية عن الملايين التي كانت عازفة عن المشاركة السياسية – نزل الي الشوارع واصطحبوا معهم " الكنبة " في مشهد وطني لا تجده الا في مصر .. وحيال هذا الوضع انحاز الجيش المصري الي الشعب ، كما فعلها في ثورة 25 يناير ، ولم يكن الجيش وحده هو الذي انحاز للشعب وأيد ثورته بل دخل المشهد وبقوة الأمن المصري ورجال الشرطة الذين صححوا من أوضاعهم في 25 يناير وانحازوا للشعب في 30 يونيه فرفعهم المصريون علي الأعناق أيضا في مشهد لا تراه الا في مصر .. وانتصرت الثورة وانتصرت معها ارادة المصريين وسط ذهول العالم الذي لم يصدق أن نظاما يسقط في ساعات رغم أنه كان مدعوما من الخارج ويسانده تنظيما دولي ينتشر في أكثر من 80 دولة .. خرجت بعض الدول عن صوابها ووصفت ما حدث بمصر بأنه انقلابا عسكريا وليس بثورة وإذا بالشعب يرد سريعا علي تلك الأكاذيب بالنزول للشوارع بأعداد فاقت الأعداد التي نزلت في الموجتين الأولي والثانية للثورة ليتأكد العالم بعدها أنها ثورة حقيقة علي الفاشية الدينية .. انها عظمة الإنسان المصري وخير شهادة علي كفاءة وعبقرية المصريين هي من تأتي دائما من العدو اعترافا منه بقدرتهم وكفاءتهم حيث اعترف عدد من قادة إسرائيل بعد حرب أكتوبر بعبقرية الجندي المصري وذكائه ومن هؤلاء القادة موشيه ديان وزير دفاع الكيان الصهيوني آبان حرب التحرير والذي قال في ديسمبر 1973 إن حرب أكتوبر كانت بمثابة الزلزال المدمر الذي لحق بإسرائيل، وكشف لنا مالم نكن نراه قبلها. وأضاف : لقد أظهرت هذه الحرب أننا أضعف من المصريين ولم نكن بأقوي منهم ، وأننا كنا نعيش في خدعة كبري اسمها التفوق الاسرائيلي علي العرب والمصريين. معترفا في الوقت ذاته بأن المصريين كانوا من الذكاء والدهاء ما مكنهم من خداعهم ومفاجأتهم بخطة وتكتيك عال لا تستخدمه إلا الجيوش الكبرى علي مستوي العالم . وفي مذكراته عن حرب أكتوبر، قال حايم هيرتزوج رئيس إسرائيل الأسبق : ''لقد تحدثنا أكثر من اللازم قبل السادس من أكتوبر وكان ذلك يمثل إحدى مشكلاتنا، فقد تعلم المصريون كيف يقاتلون بينما تعلمنا نحن كيف نتكلم، لقد كانوا صبورين كما كانت بياناتهم أكثر واقعية منا، كانوا يقولون ويعلنون الحقائق تماما حتى بدأ العالم الخارجي يتجه إلى الثقة بأقوالهم وبياناتهم ''. وفي كتاب له بعنوان ''زلزال أكتوبر'' ، قال زئيف شيف المعلق العسكري الإسرائيلي : '' حرب أكتوبر هي أول حرب للجيش الإسرائيلي التي يعالج فيها الأطباء النفسيين جنودا كثيرين مصابين بصدمة القتال ويحتاجون إلى علاج نفسي، هناك من نسوا أسماءهم.. لقد أذهل إسرائيل نجاح المصريين في المفاجأة في حرب يوم عيد الغفران وفي تحقيق نجاحات عسكرية.. لقد أثبتت هذه الحرب أن على إسرائيل أن تعيد تقدير المحارب المصري فقد دفعت إسرائيل هذه المرة ثمناً باهظاً جدا.. لقد هزت حرب أكتوبر إسرائيل من القاعدة إلي القمة وفي ندوة عن حرب أكتوبر بالقدس في 16 سبتمبر 1974 ، قال أهارون ياريف مدير المخابرات الإسرائيلية الأسبق ''لاشك أن العرب قد خرجوا من الحرب منتصرين بينما نحن من ناحية الصورة والإحساس خرجنا ممزقين وضعفاء وفي نوفمبر 1973 ، قال أبا ابيان وزير خارجية إسرائيل خلال حرب أكتوبر '' لقد طرأت متغيرات كثيرة منذ السادس من أكتوبر، لذلك ينبغي ألا نبالغ في مسألة التفوق العسكري الإسرائيلي بل على العكس فإن هناك شعورا طاغيا في إسرائيل الآن بضرورة إعادة النظر في علم البلاغة الوطنية وأن علينا أن نكون أكثر واقعية وأن نبتعد عن المبالغة''. وفي كتاب له بعنوان ''إلى أين تمضى إسرائيل'' قال رئيس الوكالة اليهودية الأسبق ناحوم جولدمان '' إن من أهم نتائج حرب أكتوبر 1973 أنها وضعت حدا لأسطورة إسرائيل في مواجهة المصريين، كما كلفت هذه الحرب إسرائيل ثمناً باهظاً حوالي خمسة مليارات دولار، وأحدثت تغيرا جذريا فى الوضع الإقتصادى فى الدولة الإسرائيلية التي انتقلت من حالة الازدهار التي كانت تعيشها قبل سنة إلي الانهيار، غير أن النتائج الأكثر خطورة كانت تلك التي حدثت على الصعيد النفسي.. لقد انتهت ثقة الإسرائيليين في تفوقهم الدائم''. كما أدلي الدكتور بركات الفرا سفير فلسطين بالقاهرة ومندوبها الدائم بجامعة الدول العربية بدلوه حول عبقرية المصريين في ثورة 30 يونيه حينما أكد علي أنه شاهد في مصر أثناء الموجة الثانية للثورة في 30 يونيه معجزة تؤكد عبقرية الشعب المصري وجيشه العظيم وأنه اثبت للعالم أنه بشبابه وبناته .. بجيشه وشرطته قادر علي تحقيق المعجزات والحفاظ علي أرضه وحدوده ، مشيرا الي أن ما شاهده في ثورة 30 يونيو ونزول ما يجاوز 35 مليون مصري يثبت عبقرية هذا الشعب. ومن الشخصيات العامة عبر الممثل العالمي جون كوزاك عن عبقرية الشعب المصري قائلا : المصريون يصنعون التاريخ ويقدمون صورة ملهمة للشجاعة وعلينا جميعا أن نقف احتراما وإجلالا لهذا الشعب صاحب الحضارات وصانع المعجزات . كما أبدي المفكر اليهودي نعوم تشومسكي إعجابه وانبهاره بانجاز المصريين بعد ثورة 25 يناير قائلا : لم أري في حياتي ثورة أكثر إبداعا مما فعله المصريون. وبعد هذا العرض الموجز لأهم ما قيل عن عبقرية وشجاعة وبسالة الجندي المصري ، كان من الأمانة والإنصاف أن نبرز التضحيات التي قدمتها الشرطة المصرية أثناء وبعد ثورة 30 يونيه ، وما زالت حتى الآن تقدم المزيد من التضحيات وتفقد خيرة شبابها وقياداتها في حربها علي الإرهاب . لقد قالها ضباط الشرطة .. وقالها أيضا وزير الداخلية اللواء محمد إبراهيم بأن عقيدة الشرطة قد تغيرت بعد درس 25 يناير 2011 وأصبحت شرطة الشعب بعد أن كانت شرطة وأمن النظام .. قالوها وفعلوها ، فأبدعوا أثناء فض اعتصام رابعة العدوية ، وتفوقوا علي أنفسهم عندما حرروا مدينة كرداسة بالجيزة ، ودلجا بالمنيا من الأرهابيين بأقل خسائر ممكنة ، مئات من رجال الشرطة استشهدوا في حربهم علي الإرهاب وأصيب مئات آخرين ، وهو ما دفع الشعب إلي الالتفاف حول رجال الأمن إلي الحد الذي شاهدنا فيه ولأول مرة شباب ونساء يقفون دروعا بشرية دفاعا عن أقسام الشرطة من الاقتحام ، وما فعله شباب وأهالي منطقة بولاق أبو العلا من التفافهم حول قسم شرطة الأزبكية لحمايته ليس بعيدا وما زال ماثلا للأذهان ..من هنا تأتي عظمة وعبقرية الإنسان المصري " شعب وشرطة وجيش "