ارتفاع أسعار الذهب الأربعاء 11 مارس .. والأوقية تتخطى حاجز 5200 دولار    قناة عبرية: مقتل 4 أشخاص في غارة إسرائيلية على شقة سكنية بمنطقة عائشة بكار ببيروت    زعيم كوريا الشمالية وابنته يشهدان اختبار صواريخ استراتيجية وسط توترات بسبب تدريبات أمريكية-كورية جنوبية    هيئة بريطانية: تعرض سفينة حاويات لأضرار جراء مقذوف قرب رأس الخيمة بالإمارات    نادية مصطفى تطمئن جمهور هاني شاكر: بخير وحالته مستقرة وكفاية شائعات    مسؤولو الجيش الملكي يستقبلون بعثة بيراميدز بباقة ورد في مطار الرباط    محافظ الجيزة يتابع ميدانيًا مستوى النظافة والإشغالات بالوراق والعجوزة    ليلة رعب في تل أبيب.. إيران تطلق وابلًا من الصواريخ العنقودية    حلمي عبد الباقي يكشف كواليس أزمته داخل نقابة الموسيقيين.. تأجيل التحقيق ووكيل النقابة: لم أتلقَّ أي اتهامات رسمية    هيثم أبو زيد: كتاب «التلاوة المصرية» هو نتاج 35 عاما من الاستماع لكبار القراء    الواقعة منذ عامين.. تفاصيل اتهام الفنانة جيهان الشماشرجي و4 آخرين بسرقة سيدة بالإكراه    إعدام 12.5 كجم مواد غذائية فاسدة خلال حملة رقابية بمرسى مطروح    "المتر سمير" الحلقة 6.. محمد عبد الرحمن يتسبب في حادث سيارة    محافظ بورسعيد يستقبل قدامى لاعبي النادي المصري تقديرًا لتاريخهم الرياضي    إسرائيل ترفض طلب لبنان وقف القتال للسماح بإجراء محادثات    الصحة تحذر من الحمل المتقارب: استنزاف للأم وزيادة خطر الولادة المبكرة    مع بدء الليالي الوترية.. بيت الزكاة يوزع 5 آلاف وجبة سحور يوميًا بالجامع الأزهر    حسن الخاتمة، وفاة سيدة من بني سويف أثناء أداء العمرة بالسعودية    إشادة بمسلسل «اللون الأزرق» بعد تسليط الضوء على أطفال التوحد    "بيبو" الحلقة 6 .. 3 زيارات مفاجئة لكزبرة تضعه في موقف حرج    العراق يدين استهداف قاعدتين جويتين.. ويؤكد: "لن نقف متفرجين"    المفتي: الاعتكاف ليس مجرد مكوث في المسجد بل انقطاع عن الخلق للاتصال بالخالق    المفتي يوضّح حكمة تشريع المواريث في الإسلام: يُحقق التوازن ويُعزز الراوبط العائلية    تجاهل معاناة 100 ألف معتقل ..لماذا يتحدث السيسي عن"سجون راقية" رغم التقارير الحقوقية الفاضحة ؟    الدفاع السعودية: اعتراض 6 صواريخ باليستية أطلقت باتجاه قاعدة الأمير سلطان الجوية    محافظ الدقهلية يتابع أعمال حملة ليلية لإزالة الإشغالات بحي غرب المنصورة    أراوخو: سعداء بالنتيجة أمام نيوكاسل.. والإرهاق نتيجة الجهد المبذول    جريزمان: اللعب في نهائي الكأس حلمي.. واستقبال هدفين يعني ضرورة التحسن دفاعيا    الجيش الأمريكي يعلن تدمير 16 زورقاً إيرانيا لزرع الألغام    موعد عودة مبابي من الإصابة لدعم هجوم ريال مدريد    طلب إحاطة بشأن تداعيات زيادة أسعار الطاقة وكفاية الإجراءات الحكومية لحماية المواطنين    نشأت الديهي يحذر من احتمالية تورط الخليج فى حرب طويلة مع إيران    القاهرة الإخبارية: الإمارات والكويت تتصدّيان لصواريخ ومسيرات إيرانية    أخبار × 24 ساعة.. المالية: إعلان تفاصيل زيادة الحد الأدنى للأجور الأسبوع المقبل    خلافات عائلية وتعدٍ ب«الشوم».. الأمن يكشف تفاصيل فيديو استغاثة معتمر بالمنوفية    جحد قلبه من أجل المال.. ضبط مسجل خطر هدد والدته بالذبح في شوارع قنا    احتفال الجامع الأزهر بذكرى فتح مكة بحضور وزير الأوقاف ووكيل المشيخة    مباشر.. أول صلاة تهجد في الأزهر الشريف ليلة 21 رمضان    انتقام من خلف القضبان.. كواليس إشعال النيران في محل تجاري بالمحلة    وزير الطيران في مستقبل وطن: تطوير مصر للطيران ورفع كفاءة المطارات أولوية    6-1.. بايرن ميونخ يصعق أتالانتا في عقر داره    الهلال يعلن تعافي نيفيز ويستعد لمواجهة الفتح بالدوري السعودي    محافظ الدقهلية يوجه بتوزيع أسطوانات البوتاجاز بالدراكسة بالسعر المقرر وإلغاء حصة 4 مناديب مخالفين    وزيرة التنمية المحلية: مصر تتبني سياسات الاقتصاد الأخضر والأزرق    النائب ضياء الدين داود يدعو لعقد جلسة طارئة بعد رفع أسعار الوقود    حوار مفتوح للتعرف على الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين بسيناء    «معهد ناصر» يعلن عن وظائف جديدة وفتح التعاقد مع التمريض بنظام الشفت المرن    بهدف وحيد.. الجونة يفوز على المصري ويقفز للمركز الثامن    موعد مباريات اليوم الأربعاء 11 مارس 2026 | إنفوجراف    الدكتور مصطفى الفقى: الوحدة الوطنية فى مصر ولدت من رحم ثورة 1919    دعوات للتصعيد في الشارع رفضا لزيادة البنزين.. "التواصل" يرد على "تراجع" مدبولي: أبقى قابلني !    فى ذكرى يوم الشهيد.. اللواء سمير عبدالغنى: تضحيات أبطال القوات المسلحة صنعت استقرار مصر    غدا.. عزاء اللواء عماد عبد الله زوج الإعلامية إيناس عبد الله بمسجد الشرطة    وجبات خفيفة صحية لأبنائك خلال المذاكرة بين الإفطار والسحور    «الصحة» تطلق 3 قوافل طبية في أسيوط والجيزة والبحيرة ضمن «حياة كريمة»    رئيس جامعة المنوفية يشارك أسرة من أجل مصر الإفطار الجماعي    عمر حسانين يكتب: «عظم شهيدك».. سلاما على الذين منحونا الحياة    صحة الإسكندرية: اعتماد المخزن المركزى للطعوم من هيئة الدواء المصرية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



محمد جبريل:آهم رواياتي لم تكتب بعد
نشر في أخبار اليوم يوم 16 - 11 - 2012

كتاباته لها مذاق خاص، عشق الاسكندرية فاختارته كاتما لأسرارها ، لكن ابداعاته كشفت السر في سطور روايته، انتج العديد من الروايات والقصص والحكايات والمقالات المفعمة بروائح عروس البحر.. وعندما يهاجمه هاجس الكتابة يظل سجينا له لا يخرج من بيته ولا يغادر حجرته إلا بعد ان يكون بين يديه مولود ابداعي جديد.. الكتابة هي غذائه اليومي.. فصار واحدا ممن يتصفون بغزارة الانتاج.. الروائي محمد جبريل له عالمه الخاص الذي يكتب فيه ما يلح علي وجدانه ولا يهدف الي تغيير العالم علي حد قوله وإنما كل ما يحلم به ان يظل يكتب ويكتب لان افضل ما كتبه لم يكتب بعد.امتد حواري مع الروائي الكبير محمد جبريل لساعات طويلة يحكي ويسرد ويفيض بالكلام كماء البحر.. وتمتلئ الصفحات بالحكايات والروايات التي تروي قصة عاشق متيم بالكتابة والإبداع منذ طفولته.
في البداية فرض علي حوارنا حال الثقافة في وقتنا الحالي وما آلت اليه فسألته :
هل توافق علي الرأي بأن حركتنا الثقافية تعاني أزمة؟
- هناك بالفعل أزمة في حركتنا الثقافية وأطراف الأزمة موجودون في الصورة ، يشكلون ملامحها وقسماتها وأبعادها المختلة من ألوان وظلال وعمق. وأحدد الأزمة بأنها الشللية المعلنة التي صارت فيها طبيعة العلاقات بين المثقفين. إنهم ينقسمون بصورة أساسية - إلي يمين ويسار، وتتفرع من نهري التقسيم روافد لا حصر لها، تشكل في مجموعها ما أسميه بالشللية، وإن كان تأثيرها السلبي يتجاوز هذه التسمية، ويمثل عائقاً فعلياً أمام تطور حركتنا الثقافية، بل ويسهم في تشويه صورتها تماماً. ويكفي أن المثقفين الذين يرفضون الانتماء لهذه الجماعة أو تلك، ويفضلون الانتماء لقضايا بلادهم وحدها، يجدون أنفسهم في حصار من التعتيم والتجاهل، المصادرة أحياناً. ولعلي أذكر صديقاً شاعراً رحب بانضمامه إليه حزب معارض، ووعدوه بأنهم سيجعلون منه أهم شعراء مصر!. فلما تخلي عن عضوية الحزب - لأسباب موضوعية - أصبح شاعرنا في المعسكر المعادي ، وحق عليه ما علي الأعداء من اتهامات، أو مؤامرات تعتيم.
نحن في حاجة إلي مؤسسة - ليست وزارة الثقافة بصورتها الحالية - تهبنا حلاً إيجابياً لتجاوز هذه المأساة التي تعانيها حياتنا الثقافية، يشغلها، ويسعدها، أن يكون الكاتب مهموماً بقضايا بلاده، ومدركاً لمعني الفن، وأنه ليس مجرد تعبيرات بلاغية، ولا توشيات، ولا حتي مجرد فضفضات للنفس.
رأيي أنه يجب علي المبدع الحقيقي أن ينشغل بإبداعه، فقط بإبداعه، لا يلتفت إلي محاولات للخصومة، أو للتعتيم، أو إثارة المعارك الصغيرة. إن له مشروعه الذي يجب - أو هذا هو المفروض - أن يخلص له، يعطيه اهتمامه، ويثريه بقراءات وخبرات وتأملات ومحاولات للإجادة.
ماذا تعني المقاومة في كتاباتك وحياتك ؟
- المقاومة - عندي - ليست مجرد شعار أحاول أن أطبقه في حياتي. إنها ترتبط بالإصرار علي التطبيق، لا يظل الشعار في حدود بلاغية، لكنه يترامي في آفاق لا حدود لها. إذا واجه المنع والمصادرة فإنه يظل قائماً، أدافع عنه ما وسعني، أقاوم القهر والزيف والفساد والمصادرة، أشفق علي سناء سقوطها في رواية العيب ليوسف إدريس، لكنني أجتهد - من يدري؟ - كي لا أتعثر في خطواتي، أو يخضعني ما لا أستطيع مغالبته.
في المقابل، فإني أوافق علي الرأي بأن الأدب ليس معملاً لماكينات الدعاية، لكنه ممارسة مستمرة ، وبدون هذا العنصر من التحمس، من جانب من يكتب ، ومن جانب من يقرأ ، لا قيمة لأي عمل أدبي، ولا معني له علي الإطلاق.
بعد أن قامت مصر بثورتها.. ألا يدعو الحدث إلي مراجعة دلالة المقاومة - من المنظور السياسي - في إبداعاتك؟
- إذا حققت الثورة المصرية أهدافها، فإني سأظل أدعو للمقاومة، ذلك لأني مواطن عربي، أنتمي إلي هذه المنطقة الواسعة بين المحيط والخليج، تعاني احتلالاً مقيماً، ويعاني جل أهلها فساد السلطة وجبروتها وملاحقاتها، سيظل سدي أعمالي مقاومة الاحتلال والدكتاتورية والقهر والملاحقة المتعسفة.
لقد أمضي أستاذنا نجيب محفوظ خمس سنوات بعد كتابة الثلاثية دون أن يضيف إلي سرده الروائي والقصصي. أرجع ذلك إلي أنه قال كل ما لديه قبل الثورة، ولم يعد لديه بعد قيامها ما يقول. ورغم ملاحظتي أن تلك الفترة التي شهدت انقطاعاً في فن محفوظ الروائي والقصصي، وجدت استمراراً في كتابته للسيناريو السينمائي. كتب خلال السنوات الخمس معظم السيناريوهات التي قدمتها له السينما.. ظني أني لست في حاجة إلي ذلك الانقطاع الذي اختاره محفوظ بعد قيام الثورة. ولعلي أستطيع القول إن ثورة 25 يناير كانت تفسيراً لكل التنبؤات والكتابات التحريضية، وإن وجد الكتاب ذوو النزعات القومية أنفسهم مطالبين بمجاوزة الثورة التي تحققت في مصر إلي احتمالات ثورة في بقية الأقطار العربية، يركزون عليها في كتاباتهم، بحيث تبدو تواصلاً واستمراراً لما سبق.
هل حرية الكاتب مطلقة أم ملتزمة ؟
- في رأيي أن الحرية هي الأصل. وإذا كان البعض يتعمد الإساءة إلي هذا المعني الجميل بكتابات تستهدف الإساءة للمشاعر الدينية، أو دغدغة المشاعر الحسية، أو افتعال القضايا التي تهدد نسيجنا الاجتماعي، فإن ذلك لا يعني المصادرة ولا المحاسبة الرقابية من الدولة، إنما هي مسئولية المثقفين أنفسهم. إن عليهم أن يقرءوا ويناقشوا ويحللوا ويبدوا الرأي في مواطن الإيجاب والسلب، الرأي العام المثقف يستطيع أن ينبه إلي الأعمال التي تستحق القراءة والتقدير، والعكس بالطبع صحيح . وإذا كان النقد يفضل الاسترخاء في غيبوبة، فلعل المجتمع الثقافي في عمومه يضع أيدينا علي ما ينبغي قراءته ، وما يجد موضعه الحقيقي سلال المهملات!
كتابك الضخم " مصر في قصص كتابها المعاصرين".. كيف أنجزته؟
- في سني إعداد كتابي" مصر في قصص كتابها المعاصرين" كنت ألزم البيت، لا أغادره، الأدق أني كنت ألزم حجرتي، لا أري أحداً خارج البيت ، ولا أكلم أحداً، إلا للسؤال عن معلومة أريد التثبت من صحتها، حتي الطعام أتناوله علي مكتبي، أقرأ وأكتب، لا أخرج إلا نادراً، ألاحظ أن ساقي ترتجفان في خطواتي الأولي، بعد أيام طويلة من الجلسة وراء مكتبي.
وكان مشروعي التالي - بعد هذه العزلة الاختيارية - روايتي »الأسوار«. أحسست سعادة حقيقية، لتصوري أني كتبت علي غير نحو سابق، مارست تفاعل الأنواع دون أن أعرفه، أردت أن أمزج بين الفنون المختلفة، دون أن أقرأ عن ذلك المزج، بل إني لم أحاول تسمية اللون الذي اخترته، حتي قرأت لجبرا إبراهيم جبرا تسمية بالمعني هي وحدة الفنون، ثم قرأت - بعد ذلك - في تفاعل الفنون، وتفاعل الأنواع الأدبية، وهي التسمية التي اختارتها زينب العسال لدراستها في أدب لطيفة الزيات.
لماذا تتركز معظم أعمالك في حي بحري؟ ما المغايرة التي يتسم بها؟
- بحري أصل الإسكندرية. كيلو متر مربع ، من اليمين المينا الشرقية ، ومن اليسار المينا الغربية، وفي المواجهة خليج الأنفوشي، لسان أرضي، شبه جزيرة في شبه جزيرة الإسكندرية.
المغايرة تبين في الصلة بين البحر واليابسة، وفي مهنة الصيد، وحلقة السمك، وورش المراكب، والمهن المتصلة بالميناء، وفي الروحانية المتمثلة في الجوامع والزوايا وأضرحة الأولياء ومقاماتهم ، وما يتصل بذلك من موالد وأذكار وطرق صوفية.
ماكوندو هي القرية التي اخترعها جارثيا ماركيث، تدور فيها أحداث إبداعاته. المبدع الذي ينتمي إلي بحري، ويعانق بعينيه ومشاعره وموهبته وحبه مظاهر الحياة من حوله، لن يحتاج إلي اختلاق ماكوندو أو ما يشبهها. إنها بيئة خلاقة ، تهب مالا نهاية له من الرؤي والتأملات والتعرف إلي الواقع المتفرد في أدق تفصيلاته، بدءاً بوسائل العيش، وانتهاء بمحاولة السير في الطريق التي سار فيها من قبل: النديم وسلامة حجازي والتونسي وسيد درويش والحكيم ومحمود سعيد وأدهم والنشار وبيكار والشوباشي والعدوي وعشرات غيرهم.
رباعية بحري لوحات منفصلة، تتناول مظاهر الحياة في بحري أعوام ما بعد الحرب العالمية الثانية. الخلفية سياسية، لكن الأحداث قوامها السرد الروائي بكل مواضعاته، وشخصياته تصدر عن الفن الروائي، عدا إشارات متناثرة تشير إلي الواقع المعاش آنذاك. أما أهل البحر فإن القرن العشرين بامتداده هو المساحة الزمانية التي تتحرك فيها شخصيات الرواية، والمكان حي بحري هو الشخصية الرئيسية، المحور الذي تتحرك من حوله الأحداث. وهي أحداث يتناغم فيها الواقع والسيرة الذاتية والترجمة والخيال والأسطورة بما يشكل لوحة بانورامية للحياة في بحري من خلال حياة ناسه، بالإضافة إلي محاولتي أن أعبر من خلال توالي الفصول والأحداث، عن فلسفة حياتي. هذه هي التسمية التي أفضلها لنظرتي الشاملة إلي كل ما يحيط بي، وأحاول تأمله: المصير الإنساني، السياسة، التاريخ، الاقتصاد، علم الجمال، اللغة، كل ما يشغل المرء في أوقات من حياته، أو في أوقات حياته جميعا. ظني أن القراءة الواعية لأهل البحر وأعتذر لفجاجة التعبير ستجد ملامح من فلسفتي الحياتية . ما حاولت التعبير عنه في أعمالي السابقة ، والذي عني النقد بتحليله من خلال كتابات جادة، أعتز بها. باختصار ، فإن أهل البحر هي اللوحة المتكاملة للحياة في بحري بشخصياته الحقيقية والمتخيلة ومعتقداته وعاداته وتقاليده وانعكاس ذلك كله في فكر الفنان وإبداعه .
ماذا أضافت روايتك »أهل البحر«؟
- كنت أتصور أن »رباعية بحري« قد استنفدت ما كنت اختزنته عن بحري. لم يعد لدي ما أضيفه عن الأولياء والمريدين والبحر والصيادين وعمال الميناء والموالد وحلقات الذكر والبركات والمكاشفات. ثم انبثقت في لحظة لا أذكرها ثيمة أهل البحر. تختلف في بنيتها عن »رباعية بحري«، وعن بني أخري، تسبقها وتلحقها، في زمان الوصل والشاطئ الآخر ونجم وحيد في الأفق وحكايات الفصول الأربعة وصيد العصاري ومواسم للحنين وغيرها. أهل البحر يختلط فيها الزمان والمكان والحلم والواقع والخرافة والدين واستشراف المستقبل. سميتها »موسوعة بحري« لأني اخترت لها شكل الموسوعة ، لكن صديقاً أعتز برأيه نصح بأن أبدل التسمية: قد يظن القارئ أنها موسوعة جغرافية.
أردت بهذه الرواية أن تكون مجملاً لفلسفة حياتي، لمجموع تجاربي وخبراتي وقراءاتي وتأملاتي، والإحباطات التي عشتها، والآفاق التي أتطلع إليها.
البحر - كما أشرت - موجود في غالبية أعمالك.. لماذا اخترت " عناد الأمواج " تسمية لآخر رواياتك؟
- أكره الوصف أن الأمواج تموت علي الشاطئ. الأمواج لا تموت، حالة المد والجزر المتلاحقة أبداً تهبها حياة متجددة، إلي نهاية الحياة في هذا الكوكب، لذلك اخترت تسمية " عناد الأمواج" لآخر رواياتي. إنها تختلف عن تسمية عناد الثيران، لأن نهاية الثور محققة، طعنة السيف الأخيرة من الميتادور، تسبقها طعنات المساعدين. ذلك ما يعرفه الجميع قبل أن يبدأ حفل الدم. أما الأمواج فهي ترتطم بالصخور ولا تنكسر، ارتطامها بداية انطلاقة إلي الاتجاه المعاكس، هكذا إلي نهاية العمر.
الصوفية معلم آخر مهم في أعمالك.. هل تشغلك الصوفية كبعد ديني؟
- بالإضافة إلي تأثري الذي لا أنكره بالبيئة في حي بحري بالإسكندرية، وغلبة الروحية بكل ما تشتمل عليه من فرق صوفية ومساجد ومزارات وموالد إلخ، فقد اخترت الصوفية فضاء لمعظم محاولاتي في القصة والرواية، لأنها تشابه حياتنا السياسية والاجتماعية في الكثير من أبعادها.ثمة القطب، أو شيخ الوقت، يليه الأوتاد والنقباء إلي آخر حلقات السلسلة التي تنتهي بالمريدين والمحاسيب والأتباع.. ذلك هو المقابل لحياتنا السياسية، الحاكم والمحكومين بتعدد وظائفهم ومكانتهم.
تعددت كتابات في السيرة الذاتية.. كيف تنظر إلي ما مضي؟
- في سيرتي الذاتية، أنا أرقب الأحداث ولا أعيشها. كنت قد عشتها، وتحدد دوري في استعادة ما حدث وروايته. قد تشوبه ظلال النسيان، أو تغلب عليه المدافعة، أو تتخلص مما لا ينبغي روايته، وهو ما يختلف تماماً عن العيش في التجربة. لقد بعدت الصلة بيني وبين الأحداث التي أعرض لها، فأنا إذن أواجه النسيان، أو أهمل الموضوعية، فأهمل ما هو ضرورة لاكتمال الصورة.
ولعل أسوأ كتابات السيرة الذاتية حين ينتقد الكاتب من شاركوه حياته، أو التقوه فيها، يدين ويعري ويفضح، يعيد كلمات مالك في الخمر، لكنه لا يكاد يشير إلي نفسه، كأنه شاهد علي الآخرين، وليس راوية عن نفسه. أدين لأستاذي سيد عويس بأفضال كثيرة، لكنني صارحته بتحول تاريخه الذي حمله فوق ظهره إلي تصفية حسابات، تنقصها الموضوعية، بينه وبين زملاء له في الحياة الأكاديمية.. أصارحك - بالمناسبة - أنه تزعجني النظرة إلي ما أكتبه من رواية أو قصة علي أنه سيرتي الذاتية، وأن الشخصيات التي تناولتها أقارب وأصدقاء حقيقيون، أحاول توضيح الفرق بين الصدق الواقعي والصدق الفني، يتظاهر محدثي بأنه اقتنع، لكن ملاحظاته التالية تشي برفضه ما قلت، يتجه ناحيتي بنظرة متخابثة: فاهمك!
ما رأيك في القول بحيادية الفن؟
- أرفض الحيادية في الفن، ولا أتصورها. لا أعني التقريرية والجهارة والمباشرة، وإنما أعني التعبير عن فلسفة حياة الكاتب من خلال إبداع يتسم ولو في ظاهره بالعفوية
لذلك، فأنا أبدأ في تجربة كتابة رواية جديدة فور أن أنتهي من كتابة أحدث رواياتي. يدفعني إلي ذلك إحساس مؤكد أن أفضل ما كتبته أو في الأدق ما كنت أريد أن أكتبه لم أكتبه بعد!
أحيانا، أشعر أني مطالب بمجرد أن أناضل ضد اللا معني والتخاذل والصمت.
إذا لم يكن المثقف معارضاً للسلطة ، فإنه في الأقل محاور لها، يطرح الأسئلة، يبدي الملاحظات، يناقش، يعارض أحياناً، لكن دوره يغيب إن اكتفي بالتبعية للسلطة، فهو سيتحول إلي مسمار أو ترس في ماكينتها الهائلة، وهي ماكينة من بين ما تصنعه إلغاء الصوت المعارض، بداية بالاعتقال، وانتهاء بالتصفية الجسدية..ثمة مثقفون احتوتهم السلطة تماماً، صاروا جزءاً من نظامها الحاكم، يدافعون عنه بصرف النظر عن الظلم الذي تنطوي عليه تصرفاته. وبتعبير آخر ، فإنهم قد اختاروا الانضمام إلي المعسكر المعادي في مخالفة للتوقع أن يلزموا معسكر الناس العاديين. وكما يقول سارتر فإن كل سلطة هي شر.
ماذا يشغلك الآن؟
- أحاول ألا ألجأ إلي ما فعله كازنتزاكس حين عبر عن أمنيته في أن ينزل الطريق، ويتوسل دقائق من حياة المارة، يطيل بها عمره الإبداعي، فأنا أحرص علي القراءة والتأمل والكتابة، أفيد من كل دقيقة وقت لإنهاء ما يشغلني، سواء الإبداع أو القراءات الإيجابية. أشفق نجيب محفوظ علي نفسه وقارئه بعد أن بلغ الستين، فالعمر قد لا يسعفه. أزمع أن يقصر إبداعه علي روايات قصيرة أو قصص محدودة الأسطر، باعتبار أنه في محطة سيدي جابر، يتأهب للنزول في محطة الإسكندرية.
ظل انشغالي بفسيفساء مشروعي السردي قائماً، لم يتبدل، وكتبت -بعد الستين- روايتي " أهل البحر" في صفحاتها التي تقارب الألف. كما أنهيت الأجزاء الثلاثة من كتابي " مصر في قصص كتابها المعاصرين"، وبلغ عدد الصفحات حوالي خمسمائة وأربعة آلاف صفحة. قراري أن أظل أقرأ وأتأمل وأكتب، لا أترك القلم إلا عندما تطالعني لحظات العمر الأخيرة، وهو ما تصورته في سيرتي الذاتية الروائية" مد الموج".
ولعلي أحلم بأن أكتب عملاً يمثل جسراً بين ما نقرأه الآن من إبداعات سردية، وما يحمله الغد علي أيدي مواهب طالعة. أتذكر الدور الذي قام به تولستوي في رائعته " أنا كارنينا " التي مثلت جسراً بين الواقعية الكلاسيكية والرواية الحديثة.
ما أحب الأوقات التي تمارس فيها الكتابة؟
- يصعب القول إني أخصص وقتاً للكتابة، ليلاً أو نهاراً. أنا أكتب عندما تواتيني الرغبة في الكتابة، وفي أي مكان أجلس فيه. كتبت فصلاً كاملاً من " حكايات عن جزيرة فاروس" في جروبي طلعت حرب. وصلت إلي المكان لسيولة المرور ذلك الصباح قبل الموعد الذي حددته للقاء صديق بما يقرب من الساعة. أعدت النظر إلي ما حولي، وتأملت حركة الطريق بما يكفي، وتشاغلت بشرب كوب من الشاي بالحليب. قلبت في جيبي بعفوية. أومأت النوتة الصغيرة بما ينبغي أن أفعله. بدأت في الكتابة، لم أرفع القلم إلا بعد أن أنهيت فصل " أبي" في حكايات من جزيرة فاروس..وإذا كنت أمضي ساعتين، أو ثلاث ساعات، في الكتابة، فإن انشغالي بما أكتبه يستغرق حتي أوقات ما بين النوم واليقظة. أذكر قصتي" هل" التي قمت من نوم القيلولة لأبدأ في كتابتها. لم أترك القلم حتي أتممتها، حاولت المراجعة، فلم أضف، ولم أحذف، كأني كتبت شيئاً حفظته جيداً.
أصارحك أني أخفقت في الإبداع المنتظم كما كان يفعل أستاذنا نجيب محفوظ، خصص للكتابة الإبداعية ساعتين كل يوم، جعلهما جزءاً من نظامه اليومي الذي يشمل قضاء فترة الصباح إلي ما بعد الظهر في العمل، والقيلولة، والجلوس إلي الأسرة، ومشاهدة برامج التليفزيون، ومجالسة الأصدقاء في القاهرة في ساعات محددة، وفي أيام محددة.
أحب النظام، لكن إلي حد لا يصبح فيه قيداً علي المزاجية بتأثيرها الذي لابد أن أتقبله. يصعب أن أرسم دوائر ومثلثات ومربعات كما كان يفعل نجيب محفوظ عقب نكسة يونيو. إذا لم أجد ما أكتبه، أو استعصت الكتابة، فإني لا أفعل أي شيء، لا مثلثات ولا دوائر ولا مستطيلات، ولا أي شيء، يقهرني ما هو أشد من الملل فأترك مكاني، قد أشاهد تفاهة تليفزيونية، أو أحاول القراءة، أو أنام في غير موعد.
أنت متهم بغزارة الإنتاج.. كيف تتعامل مع الناشرين؟
- أنا أكتب بدافع من داخلي، ولا أنتظر مقابلاً. الدوافع الخارجية غائبة تماماً، فالناشر يدفع مقابلاً لا يساوي تكلفة الطباعة علي الكومبيوتر، أو لا يدفع أي مقابل. دعك من الناشرين الذين يحصلون من الكتاب علي قيمة ما ينشرونه لهم.
ظني أن الكاتب الروائي لن يحقق مكسباً يساوي التعب الذي بذله في كتابة روايته، إلا إذا قدمت في السينما، وهو ما كان سهلاً في عقود ماضية، صعباً إلي حد الاستحالة في زمننا الحالي الذي يصر فيه مؤلفو السينما أن يكتبوا قصة الفيلم والسيناريو والحوار، بحيث لا يشاركهم حتي نجيب محفوظ ما يحصلون عليه. وبمناسبة محفوظ، فإن عدد أعمال الرجل التي تصلح للسينما بالفعل، لكن السادة المؤلفين لا يلتفتون الآن إليها، لسبب بسيط هو أحقيتهم في كل ما تدره العملية التأليفية للفيلم، لا تتحدث عن الفكرة الجميلة، ولا الرواية التي تضيف إلي السينما، ولا الهزال الذي تعانيه أقلام هذه الأفلام، ولعلي أتصور أن إنتاجها يقتصر علي جدران الاستديو، بداية من التأليف، وحتي توزيع نسخ الفيلم علي دور العرض. دور النشر الآن أربعة أنواع: نوع يعطي الكاتب حقه وقدره، ونوع يعطي الكاتب مكافأة رمزية، ونوع ينشر العمل بلا مقابل، ونوع رابع يتقاضي فيه الناشر مقابلاً لنشر الكتاب، وليس العكس، بالإضافة طبعاً إلي مئات الكتاب الذين يفضلون نشر كتبهم علي نفقتهم.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.