د. محمد يحيى عشنا قبل ثورة 25 يناير أيام نكدة سوداء تركت في قلوبنا آلاماً لانزال نعاني منها، ولم تمحها السنون .. لازلت إلي اليوم أذكر واحداً من هذه الأيام،التي أود جداً أن أذكر بها الرئيس الدكتور مهندس "محمد مرسي"، ووزير دفاعه الفريق أول "عبدالفتاح السيسي" وكل أولي الألباب من المصريين؛ هذا اليوم هو 19سبتمبر سنة 1988. في هذا اليوم أطلقت إسرائيل أول أقمارها الصناعية " أفق1" واليوم وصلت أقمار إسرائيل للتجسس وغيره من الأغراض ستة أقمار غير أربعة أخري يجري في الوقت الحالي تصنيعها وتجهيزها للإطلاق. في اليوم التالي لإطلاق إسرائيل قمرها الصناعي الأول كنت أشعر بالهزيمة ومايرتبط بها من آلام نفسية، فلكم كنت أتمني أن تسبق مصر، أودولة عربية، أودولة إسلامية.. وزاد ضيقي تصريحات قرأتها لوزير الدفاع المصري وقتها المشير"عبد الحليم أبوغزالة" رحمه الله، يستخف بهذا الإنجاز العلمي الخطير، ويقلل من قيمته، ويقول إننا المصريين لوكنا نرغب لكنا أطلقنا عشرات الأقمار، ولكنا لانجد جدوي في ذلك .. في تلك الليلة كان موعدي علي العشاء مع ضيف لمدينة لندن هو صديقي الكبير الأستاذ "أنيس منصور"رحمه الله، وكان وقتها رئيسا لإحدي المؤسسات الصحفية القومية، وحسبته مستعداً للدفاع عن موقف وزير الدفاع الذي لم أفهمه، وقلت له أنني كنت أحسب أننا سننتهز هذه الفرصة في استفزاز قدرة كل العلماء، والباحثين المصريين والعرب من أجل اللحاق بإسرائيل بل والفوز عليها في هذا السباق الحضاري الذي سيحدد بلا شك نتيجة الصراع العربي الإسرائيلي، وانتظرت من الرجل أن يخفف من حدة غضبي، بدفاع عن الموقف الرسمي المصري وهو واحد من رموزه الإعلامية والثقافية، فإذا به يشاركني الغضب من هذه التصريحات ومن عموم الفشل الذي لم يعد يغيب عن أي عين، وعن المناخ السائد في البلد، والذي يحارب النجاح ويمنعه، وأقسم لي بالله أنه لولا أن عمله فردي لايحتاج لأحد، ولولا أنه يستيقظ من النوم يومياً في الرابعة صباحاً ويعمل في منزله حتي العاشرة صباحاً لما استطاع أن ينجز أي عمل فلم يكن ليقرأ أوليكتب، أو يؤلف عشرات الكتب. وبعدها بسنوات انطلق القمر الصناعي المصري " نايل سات" وهو القمر الذي يحوي القنوات الفضائية العربية الكثيرة التي يسهر الشباب العربي حتي مطلع الفجر ناعماً بمشاهدة أفلامها وكليباتها وبرامجها الحوارية المسلية .. وهو قمر صناعي تكلف مالياً نفس التكلفة التي كان يمكن أن يحتاج إليها علماؤنا ليطلقوا قمراً صناعياً بأيدينا وبعلمنا وبمجهودنا .. ولكن السيد صفوت الشريف فضل أن يقوم بذلك نيابة عنا إخواننا الفرنسيون فهم بالطبع أولي منا بالعلم، ويكفينا نحن أن نبرع في مجالات التمثيل والتلحين والرقص والغناء. بعد هذه الواقعة بخمس سنوات كان لي لقاء مع اللواء الدكتور مهندس"محمد الغمراوي" وزير الدولة للإنتاج الحربي حينذاك، وحدثني الرجل عما أصاب منظومة الصناعة المصرية من بعثرة بعد الخصخصة .. لم يعد في مقدور فرد أو جهة أن ترسم رؤية لنهضة مصر الصناعية، ولا لتطورها ودخولها في صفوف الدول الكبيرة صناعياً .. لم يعد في أيدينا إلا مجموعة مصانع الإنتاج الحربي والهيئة العربية للتصنيع التي يمكن إذا توافرت الإرادة السياسية أن تشكل نواة لتقدم صناعي ونهضة علمية .. وبالطبع لم تكن الإرادة السياسية متوافرة حينذاك! ومرت السنون، وانقشع الظلام، ولاح الفجر بعد طول إنتظار.. وتولي قيادة القوات المسلحة المصرية والإنتاج الحربي قائداً وطنياً يؤمن بمصر وإمكانياتها غير المحدودة، يدعمه رئيس مؤمن عميق الإيمان وهو مع هذا عالم هندسي خبير في المواد وتطويرها. أعلم أننا اليوم غارقون في قائمة الأمور العاجلة الدستور والبرلمان والعجز في الموازنة لمرسي، و أمن سيناء للسيسي ،، ولكن هل أطمع أن يجتمعا الآن وبأسرع وقت ليحددا معاً موعد إطلاق أول قمر صناعي مصري، وليأذنا معاً بانطلاق قطار النهضة العلمية والصناعية لمصر، قبل أن تأتي أصوات الجهلاء لتبعثر مصانع الإنتاج الحربي كما تبعثرت من قبل المصانع المصرية في خصخصة جعلتنا ملوكاً للشيبسي والبونبون والحلوي!