فوق هضبة مرتفعة بمنطقة محطة الرمل وسط الإسكندرية، يوجد مبني المستشفي الأميري بتراثه المعماري المميز يتوسطه من أعلاه نحت بارز علي شكل هلال وثلاثة نجوم، شاهدا علي تاريخ وتطور الطب في مدينة الإسكندر الأكبر طوال 136 عاما ظل خلالها المستشفي الملاذ الأول للمرضي من مختلف أحياء المدينة الساحلية والمحافظات المجاورة. وكما يقول الدكتور علاء الدين الأنجباوي، عضوالجمعية الدولية لتاريخ الطب ومقرر لجنة التاريخ الطبي بالإسكندرية، فقد مر بناء هذا الصرح الطبي التاريخي بثلاث مراحل كان أولها عندما أصدر محمد علي باشا والي مصر أوامره عام 1827 ببناء مستشفي أميري بجوار قسم الجمرك لخدمة جنود أكبر أسطول بحري حربي خلال تلك الحقبة، عرف باسم "مستشفي المحمودية الميري"، وصدر في عهد الخديوي إسماعيل قرار بتخصيص مساحة 15 فدانا ممتدة من حوش مقابر اليهود حتي سور الإسكندرية "باب شرق" لإقامة مستشفي أميري جديد بعد أن تحول مبني مستشفي المحمودية الأميري السابق إلي إسطبل لخيل السراية، إلا أن هذه المستشفيات تهدمت واختفت مع حركة العمران، وتم في عام 1879 انشاء مبني جديد للمستشفي وهوالقائم حاليا، لخدمة أهالي الإسكندرية البالغ عددهم في ذلك الوقت نحو164 ألف مواطن أعلي هضبة مرتفعة، وتولي إدارتها د. فرنهوست، وكان له سكن خاص داخل أسوارها ليتفرغ للادارة ويكون متواجدا طوال الوقت وكان هذا النظام معمولا به في جميع المستشفيات التي أنشئت في ذلك العهد. وأشار الانجباوي إلي أنه تم اكتشاف العديد من القطع الأثرية أثناء أعمال بناء الأقسام المختلفة للمستشفي منها كتل من الأحجار الجيرية القديمة من بقايا أبنية القلعة العسكرية التي كانت قائمة بموقع المستشفي في عصر محمد علي، فضلا عن أجزاء من سور الإسكندرية القديم، وبقايا حمامات رومانية، وكان بالقرب منها ممرات ممتدة علي هيئة أقبية ويرجع تاريخ هذه الأبنية علي الأرجح الي القرن الثالث الميلادي حيث يعتقد العلماء بأن هذا الموقع كان يضم مسرح الإسكندرية والحي الملكي أثناء العصر البطلمي. عمل بهذا المستشفي علماء من ذوي الخبرة والكفاءة العالية صنعوا التاريخ، من أبرزهم الدكتور أحمد زكي أبوشادي شاعر المهجر المعروف ومدخل صناعة النحل في مصر، والدكتور ظيفل باشا أكبر الجراحين في ذلك الوقت وله شارع باسمه في حي محرم بك وغيرهم من المصريين والأجانب. وكما يقول الانجباري فقد كان من مهام المستشفي في الماضي إستقدام الخبراء من جميع أنحاء العالم للمشاركة في البحث العلمي والوقوف علي أسباب المشكلات الطبية التي تواجه المجتمع وسبل علاجها، وكان من ابرز الإنجازات الطبية العالمية التي تحققت في المستشفي الأميري بالإسكندرية، تلقي البعثة الطبية التي أوفدتها الحكومة الألمانية لدراسة وباء انتشر بجهة الصالحية من مديرية الشرقيةوحصد ارواح الآلاف تمكنت من إكتشاف السبب وهوميكروب الكوليرا عام 1895 داخل معمل كوخ بالمستشفي، ومازال ميكروسكوب «كوخ» الذي اكتشف به ميكروب الكوليرا محفوظا بمستشفي جمال عبد الناصر حتي الآن.