في القاهرة استمعت واستمتعت بمحاضرته, فلقد كانت مفيدة ومثيرة, دعوته لإلقاء هذه المحاضرة في الاسكندرية, رد علي بتلقائية: وهل أنا مجنون؟ تعجبت جدا من الاجابة, فعادة ما يرحب المحاضرون( خاصة الذين تربطني بهم صلات مودة) بالدعوة إلي معهدنا, ففيه تعقد الندوات ويتم تبادل الرأي حول الموضوعات العلمية. أردف سؤاله بآخر موضحا, وهل هناك من يسافر هذه الأيام؟ قلت له ها أنا ذا أتيتكم مسافرا, قال ضاحكا لعلك مجنون!! تأملت الواقع البائس, فلقد أصبح الجنون هو سيد المشهد في بلادنا, وأصبح الذهاب للاستماع للمحاضرات العلمية أو الثقافية أو لإلقائها ترفا يجافي الواقع ويقارب الجنوح, وأصبح السير في شوارع القاهرة أو طرقات الإسكندرية مخاطرة غير مأمونة العواقب, بل وبات السفر من القاهرة للإسكندرية هو ضرب من الجنون, فالحكايات لا تنتهي من الأصدقاء ومن المعارف( وغير المعارف) عن حوادث السطو المسلح والبلطجة والعنف. تذكرت زيارات سابقة إلي بلاد تفتقد الأمان, في بعض أحياء مدينة نيويورك أو واشنطن بأمريكا الشمالية, أو في أرجاء مدينة كيب تاون بجنوب إفريقيا حيث يحذرونك هناك من السير منفردا في المدينة, شعرت وقتها بالرثاء لأهل تلك البلاد, بل أذكر زيارتي لجامايكا في أمريكا الجنوبية, بلاد بكر, بها الطبيعة خلابة والخير وفير, كأنها جنة الله في الأرض, تحبها حين تزور شواطئها ذات النخيل الباسق والرمال الناعمة والماء الصافي, وتكرهها حين تصيبك قشعريرة القلق لو اضطررت للسير في طرقاتها ليلا منفردا, وتعجبت كيف يمكن العيش مع الخوف والتهديد في نفس المسكن, وحمدت المولي عز وجل أن جعل مستقري في مصر حيث الأمن والأمان!! ما كنت أتصور يوما أن تصيبنا نقمة ضياع العقل وفساد القلب وتهتك الضمير السياسي فتضيع معه راحة البال والطمأنينة والقدرة علي البناء والعمل. أهي مؤامرة علي الشعب الآمن من شخوص مريضة حادت عن الفطرة السوية واستعذبت وأدمنت الاستعلاء علي البسطاء من الناس, أهانوهم وعذبوهم وانتهكوا أعراضهم بدلا من حمايتهم وصيانة كرامتهم, وصور لهم خيالهم( وخيلاؤهم) المريض, أنهم سيعيدون مشاهد الاستعلاء والقهر والتجبر من جديد, فعاقبوا الشعب بالتخلي عن مسئولية حماية أرواح الناس وأموالهم وأعراضهم, فخانوا أمانتهم مرتين: أخلاقيا ومهنيا, وسمعنا مقولة متكررة تكشف عن عقل معطوب وقلب مسموم( مش عملتوا ثورة؟ ابقوا خلوا الثورة تنفعكم)!! غاب العقل والأمن أو لعل الأمن كان حاضرا يوم تجسدت مشاهد الجنون في مذبحة وجريمة قتل الأبرياء في مباراة كرة القدم, ويوم صدر حكم القضاء, عمت الفوضي, فأضيف إلي السبعين قتيلا أربعون جدد!! كلهم في النهاية أبناء هذا الوطن, فأي جنون أكثر من ذلك؟ وبدلا من دعوة العقل بأن تتم التوعية بضرورة الالتزام بأحكام القضاء واحترام القضاة, انبري إعلام غريب يؤجج الفتنة ويسكب علي النار زيتا!! غاب الرشد عن الساحة الأمنية حين نسينا( أو تناسينا) أن شرارة الثورة في تونس كانت صفعة علي وجه شاب, وأن صيحة الغضب الأولي في مصر انطلقت من صفحة الكترونية استنكرت ما حدث للشاب خالد سعيد, فأي جنون ذلك الذي أضاف إلي المشهد خوالد أخري غير سعيدة!! وأين نحن من إرادة سياسية تمتلك زمام الأمور, وتستجيب لنداء العقل فتعمل علي تغيير عقيدة الشرطة, وإعادة هيكلتها, وتدريب أفرادها علي الدور الذي يجب أن يكون؟ الكل مارس الجنون يوم انساق لمؤامرات مشئومة زرعت الاستقطاب والصراع والاحتراب بين الناس, وبلغ الجنون مداه حين تم إحياء ذكري الثورة السلمية بالعنف والتدمير!! وحين تم استخدام أطفال الشوارع والبلطجية في الصراع السياسي الدائر, فتحولت الأحلام الثورية إلي فوضي مولوتوفية؟ وأصبحت السكاكين والشماريخ والخرطوش, وأحيانا الرصاص, هي لغة الحوار!! وبلغ العبث المجنون آخر مداه حين ذهب بعض الأفراد يوثقون توكيلا في الشهر العقاري يدعون فيه لانقلاب عسكري علي الحكم القائم في واقعة ربما تدخل في عجائب الشعوب والتاريخ!! أهل السياسية( في الحكم والمعارضة) مارسوا الجنون يوم أهملوا الانسان المصري البسيط الذي يعيش في القري والنجوع, وأنفقوا المليارات علي الانتخابات وصراعات الاستحواذ والتفكيك والكيد والهدم, وأهلموا التنمية والتعليم والصحة والبناء, فانفصل عنهم الناس, فأين نحن من ثورة سلمية قامت من أجل البسطاء الذين تاقوا للعدل والعيش الكريم. وأين نحن من قيادة رشيدة تملك رؤية شاملة لحكم مصر سياسيا وإداريا واقتصاديا وأمنيا واستراتيجيا وعربيا وإقليميا, تملك زمام المبادرة في العمل كما تملك رد الفعل السريع والحكيم والحاسم حينما تحدث الأزمات فتخرج بنا من دنيا الجنون. تفكرت للحظة في كل ما يجري حولي, أهو الطبيعي والعادي الذي يتسق مع عقل هذا الزمان, ولعلني( كما قال صديقي) أنا المجنون!! رابط دائم :