غارة إسرائيلية دامية على «جبشيت».. شهيدان و13 مصابًا جنوبي لبنان    عادل عقل: الحكم والVAR يحرما باريس من ركلة جزاء أمام البارين    المساعد السياسي لبحرية الحرس الثوري: سنوظف قدرات جبهة المقاومة في حال ارتكاب واشنطن عدوانا جديدا    مفاجأة فيلم «ضي».. كريم الشناوي يكشف سر مشاركة محمد منير وهيثم دبور: الفيلم اتبنى عليه    حماية المستهلك: توجيهات القيادة السياسية واضحة، لا تهاون مع أي ممارسات احتكارية أو تلاعب بالأسعار على حساب المواطنين.    وفاة المحامي مختار نوح وتشييع الجنازة اليوم من مسجد مصطفى محمود بالمهندسين    لاستمرار تعطل الإمدادات.. خبراء: تأثر أسعار النفط بانسحاب الإمارات من «أوبك» محدود على المدى القريب    مكتبة الإسكندرية تُطلق منهج "كتاب وشاشة" لتعليم الكبار    مسؤول في البيت الأبيض: ضغط هائل على ترامب لإنهاء حرب إيران    ترتيب هدافي دوري أبطال أوروبا بعد مهرجان أهداف مباراة سان جيرمان وبايرن ميونخ    أيمن يونس: الأهلي لا يؤتمن في القمة والزمالك لم يحسم الدوري    قبل 72 ساعة من انطلاق المباراة.. رسميا نفاد تذاكر مباراة القمة بين الزمالك والأهلي بالجولة الخامسة من مرحلة التتويج بلقب دوري نايل    الحكم بإعدام شخصين قتلا جارهم لرفضه العمل معهم في البحيرة (فيديو)    سحب منخفضة وارتفاع في درجات الحرارة، الأرصاد تعلن حالة الطقس اليوم الأربعاء    رئيس مياه المنوفية يتابع مشروع الصرف الصحي بعزبة شعب شنوان بشبين الكوم    استجابة عاجلة تنقذ مسنًا بلا مأوى بالإسكندرية وتوفر له رعاية كاملة    مصر دولة الارتكاز.. ملف العدد الجديد من مجلة أحوال مصرية الصادرة عن مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية    مشروب الزعتر البارد الأقوى لتهدئة الكحة والحساسية    محمود صلاح: لا نلعب من أجل التعادل.. وأفضل الاحتراف على الأهلي والزمالك    الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي متحدثًا رئيسيًّا في افتتاح المؤتمر الدولي للجامعة الأورومتوسطية بمدينة فاس    فصل الكهرباء 3 ساعات بقرى قلين اليوم للصيانة.. اعرف المناطق المتأثرة    تعرض الإعلامية بسمة وهبة لحادث سير على طريق المحور    جريمة منتصف الليل، الكشف عن تفصيل جديدة في سرقة محصول القمح بالشرقية    القبض على المتهم بابتزاز طليقته بمقاطع فيديو خاصة فى الطالبية    غلق كلي لطريق مصر أسوان الزراعى اتجاه العياط.. لمدة "10 أيام"    أخبار × 24 ساعة.. الحكومة: الدولة تمتلك أرصدة مطمئنة من السلع الاستراتيجية    وضع صورة ترامب على جوازات سفر أمريكية قريبا    مدرب سيدات يد الأهلي: العمل الجماعي كلمة السر في التتويج بلقب الكأس    وفاة مختار نوح الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة    ديمبيلي: باريس سان جيرمان وبايرن ميونيخ لا يترددان في تحقيق الفوز    ثروت الخرباوي يكشف تفاصيل اللحظات الأخيرة في حياة مختار نوح: نطق الشهادتين قبل وفاته    مصرع شخص إثر انهيار حفرة خلال التنقيب عن الآثار بشبين القناطر    الاعتداء على عضو نقابة المهن الموسيقية داخل شقة بالمنيرة الغربية    «قرض ياباني ميسر».. رئيس الهيئة القومية للأنفاق يعرض تفاصيل مشروع الخط الرابع للمترو    الملك تشارلز: النزاعات في أوروبا والشرق الأوسط تؤثر بكل أرجاء دولنا    محمد مختار جمعة: قوة الردع هي الضمانة الأكيدة للسلام.. وجيش مصر يحمي ولا يبغي    اتحاد منتجي الدواجن: زيادة الصادرات لن تؤدي إلى ارتفاع الأسعار    خبيئة الكرنك.. الدماطي يكشف قصة ال17 ألف تمثال التي غيرت خريطة الآثار المصرية    منتخب مصر ينعش خزينة اتحاد الكرة ب730 مليون جنيه في عهد التوأم    حمادة عبداللطيف: 75% من أزمة الأهلي بسبب اللاعبين.. والزمالك يلعب بروح وإصرار    استشاري تغذية: لا وجود لنظام "الطيبات" في المراجع الطبية.. ومصطلحاته بلا سند علمي    نشرة ½ الليل: الإمارات تغادر «أوبك».. تراجع في أسعار الذهب.. مقترح إيراني جديد للوسطاء    هيثم زكريا مديرا للتعليم الخاص والدولي وشعراوي لمجموعة مدارس 30 يونيو    لطيفة تطرح اليوم أغنيتها الجديدة «سلمولي»    استشاري يكشف علامات تحسن مستوى السكر وأعراض ارتفاعه والتفرقة بينهما    مجلس أمناء جامعة المنصورة الأهلية يناقش التوسع الأكاديمي وخطط التطوير الإداري    بالكعبة وملابس الإحرام.. تلاميذ ابتدائي يجسدون مناسك الحج بفناء المدرسة في بني سويف    وكيل "عربية النواب": توجيهات القيادة السياسية المحرك الأساسي لإنجاح التأمين الصحي الشامل    برلمانية: الاستراتيجية الوطنية الجديدة لحقوق الإنسان خطوة مهمة لترسيخ قيم العدالة    رمال المجد    حضور جماهيري وتفاعل كبير لعروض اليوم الأول من مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير    هل يجوز الصلاة عن الميت الذى لم يكن يصلى؟.. أمين الفتوى يجيب    جامعة العريش تستضيف ثانى عروض مشروع المواجهة والتجوال احتفاء بذكرى تحرير سيناء    الشوربجي: الفترة المقبلة ستشهد ثمارا لاستغلال الأصول المملوكة للمؤسسات الصحفية القومية    خالد الجندي يوضح علامات أولياء الله الصالحين    هل جوارح الإنسان لها إرادة مستقلة؟.. خالد الجندي يُجيب    التأمين الصحي: 577 ألف منتفع بنسبة تغطية 71.3%... وتقديم آلاف الخدمات الطبية بالمحافظة    هل تُجزئ النوافل عن فوائت الصلوات المفروضة؟ ومتى يسقط ترتيبها؟.. الأزهر يجيب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الغائبون الحاضرون
الاهزام المسايي يفقد‏6‏ من أبنائه في ماراثون طوله‏21‏ عاما
نشر في الأهرام المسائي يوم 16 - 01 - 2012

من‏17‏ يناير‏1991‏ ومع خروج أول طلقة وسقوط أول قنبلة‏..‏ وعلي أزيز طائرات ودوي مدافع تحرير الكويت‏,‏ إلي‏17‏ يناير‏2012,‏ وقبل أيام من احتفال المصريين بثورتهم العظيمة في‏25‏.
عبر هذه الرحلة الممتدة علي مدار‏21‏ عاما فقد الاهرام المسائي ستة من أخلص رجاله الذين غادروا دنيانا وهم يؤدون واجبهم علي أكمل وجه‏,‏ وكأنه كتب علي هذا المكان الذي ولد تحت النيران‏,‏ ورضع في شهوره الأولي من خراب ودمار الحرب أن يقدم الضحايا سنة بعد سنة‏.‏ تجربة قاسية وعنيفة‏,‏ عاشها جيل من افضل أجيال الصحافة المصرية‏..‏ ارتضي ان يعمل ليلا ونهارا‏,‏ بنصف أجر وربما بدون أجر احيانا علي غير ما تقول به قوانين العمل الدولية التي تحتم مضاعفة الأجر‏..‏ ومرت السنون علينا طويلة نعدها عدا‏..‏ نشكو همومنا لبعضنا‏..‏ ولا نري الشعر الأبيض يتسلل إلي رءوسنا‏..‏ وما أكثر ما سطرنا من الأحزان علي فقيد خطفه الموت من بين ايدينا ومريض ابعده المرض وأضناه الألم‏,‏ وأعياه السهر‏.‏ رحم الله زملاءنا مصطفي بشندي‏,‏ ومحمد عبدالغني‏,‏ وعرفة محمد‏,‏ ومأمون محمود‏,‏ وسمير عبدالرحيم‏,‏ وعمنا نبيل ابراهيم‏.‏ فقد كانوا بيننا‏,‏ ولكنهم الآن في جوار ربهم‏..‏ سنظل نبكيهم كما نبكي سنوات طويلة من الفساد دمرت أكباد وقلوب وكلي ملايين المصريين هم منهم‏!‏
عرفة محمد‏..‏
عاش وحيدا‏...‏ ومات وحيدا
علي الباب قالوا لي‏:‏ إن عرفة محمد مات‏..‏ لم أصدق ما سمعت‏..‏ تسمرت قدماي‏..‏ فرت دموعي دون أن أدري‏..‏ في سنة ذاق آلام المرض ألوانا وفي لحظة غاب وارتاح‏,‏ وترك لنا العبرة والعظة‏.‏
كنت أشفق عليه في مرضة وأتعذب لألمه‏,‏ الذي كان يدفعه للصراخ والهروب من المستشفي‏.‏ وقبل أن يموت بأيام كنت أزوره في المستشفي‏..‏ وقفت علي باب غرفته للحظات‏,‏ ظنا مني أنني أخطأت الحجرة‏,‏ أو أنه تم نقله إلي غرفة أخري‏,‏ لأن الذي كان يرقد امامي لم يكن عرفة الذي أعرفه‏..‏ فقد وجدت مريضا مستسلما لمرضه يستعد لاستقبال لحظة النهاية‏,‏ بل كان ينتظرها بفارغ الصبر حتي تريحه من عذابه وغدر الدنيا به‏!‏
لم أعد أتخيل أنني لن أري عرفة يمسك سماعة التليفون ويتكلم بصوت هامس لا يسمعه أحد‏.‏ فالبرغم من غيابه الطويل في فترة المرض لكنني لم أفقد الأمل في أنه سيعود بظله الخفيف وإشراقة وجهه‏,‏ وابتسامته العذبة‏,‏ وأخلاقه الرفيعة التي لم تنل منها أحقاد مهنة الصحافة‏..‏ ولكنه لم يعد ولم يترك له في هذه الدنيا إلا سيرته الطيبة‏!‏ لقد كان عرفة من أولئك الذين يطمئن اليهم قلبك‏,‏ وينشرح لهم صدرك وتقبل عليهم دون قلق أو تردد‏,‏ ويجبرك علي احترامه‏,‏ ويدفعك إلي أن تفكر ألف مرة قبل أن تقول كلمة ربما تؤذي إحساسه المرهف‏.‏
علي مدار ما يقرب من‏16‏ عاما عرفته إنسانا طيبا‏,‏ نقيا‏,‏ وصحفيا وكاتبا ومؤلفا مبدعا‏,‏ وموهوبا لم يفكر في يوم من الايام ان يسلك طريقا ملتويا أو معوجا طمعا في مال أو شهرة‏.‏ وفي ساعات الليل الطويلة ب الأهرام المسائي كنت أجلس اليه في لحظات الصفاء وأسأله‏:‏ لماذا لم تتزوج حتي الآن؟ فكان يبتسم ابتسامة رقيقة ويقول لي بصوت خافت‏:‏ أشعر بأنني غريب في الدنيا فلماذا أتزوج وأعذب آخرين معي؟ كانت إجابته كافية وشافية‏,‏ ولكنني كنت أقول له‏:‏ لابد أن تتزوج فيقول‏:‏ إن شاء الله‏.‏ في صندوق خشبي عاد عرفة إلي العدوة في محافظة المنيا وحيدا‏,‏ وكأن إقامته في هذه الدنيا لم تكن أكثر من حلم ليلة صيف‏.‏
كنت أمشي خلف الجثمان شاردا في مأساة إنسان أعجزه مرضه عن أن يواري جسد ابويه التراب ولحق بهما بعد شهور قليلة‏..‏ ولكن أهالي قريته الكرام استقبلونا نحمل جثمانه علي ابواب القرية وقاموا بالواجب معه كما قاموا به مع أبويه‏.‏
محمد عبدالغني‏..‏
جبل هزه المرض
كثيرون لم يروا فيه غير جبل لم تنل منه الحياة مهما تكن قسوتها ومهما تشتد آلامها‏,‏ فقد كان محمد عبد الغني زهرة متفتحة أذن لها الربيع‏,‏ ووجها باسما لم تنقبض عضلاته حزنا في يوم من الأيام والذي لم يعرفه الكثيرون أن هذا الجبل كان ينهار باكيا إذا ما رأي دمعة في عين طفل وإذا ما سمع شكوي مظلوم وإذا ما رأي رجلا أو شيخا أتي عليه الزمن وإذا شعر أنه تجاوز‏..‏ وما رأيته يوما تجاوز في حق إنسان‏.‏ إذا ما خلا إلي نفسه تفضحه عيناه‏,‏ وتكشفه دموعه وتعلن عن قلب رقيق بين ضلوع أشد رقة تحنو علي الجميع‏.‏ فجأة وفي أيام معدودات سقط محمد عبدالغني المولود في‏1962/12/2‏ وغاب عنا لم يعد بمقدورنا أن نراه يفتح علينا الباب ويقف يداعبنا ونداعبه‏,‏ بكلمات يغلفها الود‏,‏ غالبا ما كان ينهيها جريا إذا ما حدثه أحد عن صحته وشياكته وتحقيقاته خوفا من الحسد‏.‏ قبل ساعات من هجوم المرض عليه قابلته مصادفة في مصعد مؤسسة الأهرام وكان ضاحكا ومتفائلا كعادته وقال لي عبارة تنساب دموعي كلما تذكرتها لأنها كانت أملا لم يتحقق‏,‏ قال لي نفسي أكون رئيس تحرير داعبته وضحكنا‏,‏ وفي اليوم التالي رأيته حزينا مهموما‏,‏ يسرق الخطوات إلي خارج مبني الأهرام‏,‏ تسمرت قدماي وسألت نفسي‏,‏ ماذا حدث؟‏,‏ هذا ليس محمد عبدالغني الذي أعرفه لم يطل تفكيري وتوهاني وجريت خلفه‏,‏ أسأله‏:‏ مالك يا محمد‏..‏ إيه الحكاية‏..‏ دي أول مرة أشوفك في هذه الحالة‏..‏ رفع وجهه فشعرت انني أراه لأول مرة‏..‏ فقد كساه الحزن ونال منه الإعياء ورد علي متحاملا‏:‏ أنا تعبان شوية‏..‏ الضغط عالي حاولت التخفيف عنه وتمنيت له الشفاء‏..‏ وما أن أدرت ظهري حتي هاجمني هاجس غريب‏,‏ فقد شعرت ولا أعرف سببا لشعوري هذا أن هذه هي آخر مرة أري فيها محمد عبد الغني‏.‏
ساعات بعد هذه المقابلة عرفت من زميلنا علي النويشي أنهم نقلوه إلي المستشفي في حالة سيئة‏,‏ ذهبت إليه وأنا أعرف أنني لن أراه ولن أسمعه لأنه في غيبوبة وتمنيت وأنا علي باب غرفة العناية المركزة أن يفيق من غيبوبته ولو لدقائق ولكن قدر الله نفذ‏,‏ ولم أره إلا وهو جثة هامدة انخلعت لها قلوبنا جميعا عندما تحركت السيارة وهي تنقله إلي مثواه الأخير‏..‏ في تلك اللحظات كنت أدعو ألا تغيب عنا السيارة حتي لا يتركنا محمد عبدالغني ولكنه تركنا نعيش علي ذكري سنوات طويلة من عمرنا قضيناها نقتسم الألم والأمل وحصل خلالها علي جائزة التفوق من نقابة الصحفيين عام‏2000‏ لأفضل سلسلة تحقيقات والتي جاءت تحت عنوان‏:‏ محنة ضمير‏..‏ وأزمة أمة‏..‏ إضافة إلي كتابين هما‏:‏ ملوك اقتصاد القيم وجمال حمدان‏..‏ عبقرية ضد الانحناء‏.‏ رحل محمد عبدالغني في‏4‏ مايو‏2005,‏ تلك هي الحقيقة التي لا تقبل الشك وسط دموع من عرفوه وأحبوه وافتقدوه ولم يطيقوا النظر إلي مكتبه الخالي حين كان يجلس في هدوء وسلام ورضاء بما قسمه الله له‏.‏
وإذا كان العزاء لأسرة محمد عبدالغني وأبنائه مروان وندي ورضوي وزوجته زميلتنا في مكتب سوهاج نيفين مصطفي وأصدقائه وقرائه فالشكر كل الشكر لرجال المهام الصعبة علاء ثابت رئيس التحرير ومحمد عبدالباري‏,‏ ومحمد حسان‏,‏ وأحمد مختار‏,‏ وأحمد العرابي الذين لا يتأخرون لحظة عن أداء الواجب في أي وقت من ليل أو نهار إنهم رجال تقضي علي أيديهم حوائج الناس‏.‏
مصطفي بشندي‏..‏
فاعل خير في شوارع القاهرة
عاش مصطفي بشندي حياته القصيرة مشغولا بهمين لاثالث لهما هما عمله‏,‏ وحوائج الناس‏,‏ من أهل قريته في جزيرة المساعدة بمركز الواسطي محافظة بني سويف وغيرهم‏,‏ لذا لم يكن غريبا أن يكون مشهد جنازته مهيبا يوم أن رحل عن دنيانا في الخامس من ديسمبر عام‏2003.‏
كنا نسهر معا حتي الصباح‏..‏يصعد من المطبعة ليمسك بالورقة والقلم ليكتب موضوعا أو رؤية‏,‏ ثم يفتح درج مكتبه ليجمع أوراق مريض يسعي لأن يحصل له علي قرار بالعلاج علي نفقة الدولة‏,‏ أو شهادات ومؤهلات طالب يبحث عن فرصة عمل‏,‏ أو طلب مساعدة من فقير أغلقت كل الأبواب في وجهه‏..‏يجمع كل ذلك في ملف كبير وينطلق الي الشوارع مع بدء ساعات العمل في المؤسسات الحكومية‏,‏ ليقضي حوائج الناس‏,‏ قبل أن يستقل القطار في الرحلة اليومية من القاهرة الي بني سويف والعكس‏..‏وكان كثيرا مايعود من رحلته إذا ما وقعت عينه علي موضوع أو وجد مايستحق أن يكتبه ويصوره‏.‏
عرفنا الزميل مصطفي بشندي سكرتير تحرير الأهرام المسائي الذي ولد في‏1958/3/16‏ خارج نطاق التعاملات الرسمية وبعيدا عن برتوكولات العمل‏,‏ فقد كان إنسانا طيبا يتمتع بأخلاق القرية المصرية بشهامتها ورجولتها وأصالة معدنها وصراحتها التي لاتخشي في الحق لومة لائم‏.‏
في شهوره الأخيرة تبدل مصطفي بشندي‏,‏وانطفأت شعلة النشاط والحماس‏,‏ وخفت الصوت الذي كان مرتفعا‏,‏ وتراجعت الأحلام‏,‏ وظهر الوجه الحزين الذين يعكس جسدا مريضا أنهكه الإعياء‏..‏دخل المستشفي لإجراء جراحة لزراعة الكبد‏..‏فما أقل من أن يقدم له زملاء الأهرام يد المساعدة التي كانت ممدودة لكل صاحب حاجة وبذل الزميل ياسر الكحكي كل مافي وسعه لتجري العملية بأسرع ما يمكن ولكن القدر لم يمهله وجسده لم يكن علي استعداد لقبول عضو جديد‏.‏
التحق بشندي كما كنا نناديه ب الأهرام رسمياعام‏1990‏ بعد تخرجه في كلية الإعلام جامعة القاهرة عام‏1980,‏ ثم نتقل ل الأهرام المسائي مع أعداده الأولي في عام‏1991..‏ وحتي رحيله عن دنيانا تاركا ثلاثة أولاد هم أحمد وعبد الرحمن ومروة‏.‏
مأمون محمود‏..‏
قلب كبير‏..‏ وكبد عليل
مأمون محمود‏..‏ ابتسامة مشرقة‏..‏ وقلب ينبض بالحياة‏..‏ وجسد يمتليء بالنشاط‏..‏ ولسان حلو‏..‏ كل ذلك كان كافيا لأن يتنقل بين الملاعب كحكم شهد له الجميع بالكفاءة‏..‏ وكصحفي عرفته كل الأوساط الرياضية بالمنصورة بالحيادية والشفافية ونظافة اليد‏.‏ كان يأتي إلينا في أيام المباريات التي تسند إليه بالقاهرة سريعا‏..‏
يصافحنا ويجلس بيننا لدقائق يكتب فيها نتائج جولته اليومية‏..‏ شخصية بسيطة متواضعة‏..‏ لم يحاول في يوم أن يضغط بما يكتب من أجل أن ينال مباراة هنا وأخري هناك‏.‏
هذا الشاب الأنيق لا يمكن أن تتصور أنه سيسقط أسيرا للمرض‏,‏ وسيكون حبيس غرفة صغيرة في مستشفي بالقاهرة أو المنصورة أو في منزله يعاني وحده آلامه وأوجاعه‏..‏ فالخبر نزل علينا كالصاعقة‏..‏ مأمون مريض ونقلوه للمستشفي‏..‏ كان يعرف أن كبده لا يتحمل كل الجهد الذي يبذله ولكنه أصر علي أن يصارعه فغلبه وجعله طريح الفراش لسنوات‏..‏
وعندما كان كبده يشفق عليه ويقوم ولو بجزء بسيط من وظائفه كان يقف علي قدميه ويتصل بي ويقول لي إنه سيكتب هذه المباراة أو تلك‏,‏ وقد كنت سعيدا بما يقول‏..‏ حتي عندما كان يعجز عن الإمساك بقلمه كان يملي ما يريد علي زوجة وفيه شجاعة هي الآن رشا النجار زميلتنا في الاهرام المسائي‏.‏ وكان مأمون محمود من أولئك الذين لا أريد أن أراهم يتألمون علي فراش المرض‏,‏ ولكنني شعرت ذات يوم أن النهاية اقتربت‏,‏ فأسرعت إليه في مستشفي السلام الدولي برفقة زميلي محمد القوصي‏,‏ وبكينا معا علي باب غرفته قبل أن نتماسك وندخل عليه بوجهين مبتسمين‏..‏ ووجدنا مأمون الذي لا نعرفه‏..‏ رأينا جسدا نحيلا‏..‏ واصفرارا علي الوجه الذي كان يعج بالدموية‏..‏ اصطنعت ابتسامة وقلت له‏:‏ الدوري علي الأبواب وستكون أول حامل راية في مصر يقف الموسم بأكمله فابتسم ابتسامة من يشعر بالنهاية‏,‏ ويدرك أن ما يقال درب من دروب المستحيل‏,‏ ولكنه تمسك بالأمل شهورا طويلة حتي لقي ربه وترك مسحة حزن لا تفارق كل من عرفوه وتعاملوا معه‏.‏ مأمون محمود ولد في الأول يناير‏1966‏ بقرية الديرس مركز أجا بمحافظة الدقهلية وبدأ حياته الصحفية وهو طالب بكلية التربية جامعة المنصورة حيث عمل بجريدة المنصورة وانتقل للعمل في الاهرام الرياضي ومع أول عدد ل الاهرام المسائي التحق كمراسل لمحافظة الدقهلية بترشيح من نصر القفاص رئيس القسم الرياضي في ذلك الوقت‏..‏ وأحب مأمون التحكيم فأدار مباريات في الدوري الممتاز لكرة القدم وترشح للشارة الدولية ولكن المرض كان له بالمرصاد‏.‏
كما عمل مأمون معدا ومذيعا بالقناة السادسة ببرنامج المحكمة الرياضية بجانب عمله في إذاعة وسط الدلتا كمعلق رياضي‏.‏
نهاية رحلة مأمون محمود جاءت مؤلمة‏..‏ فشل كبدي في عام‏2007‏ انتهي إلي إصابته بخلل بالجهاز المناعي استمر علاجه‏4‏ سنوات حتي توفاه الله في‏13‏ مارس‏2011.‏ وترك ولدين هما مازن‏14‏ سنة في الصف الثالث الاعدادي والذي التحق بمدرسة براعم الحكام ليكون خلفا لوالده‏..‏ وزياد‏11‏ سنة بالصف السادس الابتدائي ويعشق كرة القدم‏.‏
سمير عبدالرحيم‏..‏
عملة نادرة من صعيد مصر
سمير عبدالرحيم من أولئك الأشخاص الذين تحبهم وترتاح لهم من أول مرة‏..‏ رجل من العملات النادرة في هذا الزمان‏,‏ فهو معجون بطيبة الإنسان المصري الأصيل وكرمه وشجاعته وأصالته‏..‏ رجل مخلص ووفي إلي أبعد الحدود يصل الليل بالنهار جريا وراء موضوع أو تصريح أو متابعة أو حادثة أو صورة في فترة كان العمل الصحفي فيها شاقا ومكلفا وليس بسهولة تكنولوجيا هذه الأيام‏,‏ ولكنه أحب العمل وتفاني في سبيله ولما لا وقد أصر عليه في سن متأخرة‏.‏
دخل الأهرام المسائي من بوابة جديدة تماما علي عالم الصحافة الرياضية عندما تبنت الجريدة فكرة النشر الموسع لدوري القسم الثاني لكرة القدم فعمل مراسلا بأسيوط سعيدا باللف علي الملاعب أيام المباريات والتدريبات‏..‏ كنا نتسابق كاتب هذه السطور ومحمد صابر ومحمد القوصي وحاتم قرامان وأحمد إبراهيم ومحمد صيام وعمرو مخلوف لتلقي رسائله عبر التليفون الثابت حيث لم يكن المحمول وصل إلي مصر في أوائل التسعينيات‏.‏
ومن الرياضة وجدت أعماله صداها علي كل صفحات الأهرام المسائي من الحوادث إلي التحقيقات إلي الفن والثقافة بموضوعية وشفافية عرفه بها بكل مواطني أسيوط خاصة بعد احداث عزت حنفي في النخيلة وحوادث الإرهاب والأمن المركزي في صعيد مصر وسيول درنكة‏.‏
ولد الزميل سمير عبدالرحيم في عام‏1955/1/30‏ والتحق بالعمل في جريدة الأهرام المسائي عام‏1992‏ ووافته المنية في‏13‏ إبريل عام‏2004‏ وكانت رحلة عطائه مثمرة علي مدار‏15‏ عاما وترك لنا ابنه وائل سمير ليكمل المسيرة من بعده‏.‏
عم نبيل‏..‏
الأهلاوي حبيب الصحفيين
لم أكن أعرف قبل كتابة هذه السطور أن اسمه نبيل إبراهيم عبد العال عامر‏..‏فقد كنا نعرفه ونناديه باسم واحد وهو عم نبيل‏..‏ولم يكن هذا من فراغ ولالفارق السن فقط ولكن أيضا لأنه استطاع في شهور قليلة أن يكتسب حب كل شباب الأهرام المسائي الذين كانوا في بداية حياتهم‏,‏ حتي أنه كان يشاركنا عن حب الألقاب التي نطلقها علي بعضنا فيقول لزميلنا المحرر البرلماني حامد محمد حامد عندما يراه جالسا في تركيز يتابع مباراة في كرة القدم‏:‏ أنت قاعد تحت القبة‏..‏وكان يقول لزميلنا محمد عبد المقصود‏:‏ كلم ياحفار وهو ما كنا نطلقه علي واحد من أفضل محرري الشئون الخارجية في مصر‏.‏
عم نبيل المولود في‏31‏ مارس عام‏1948‏ كان رجلا من الزمن الجميل لم يتغير ولم يتلون‏,‏ ولم ينس القيم والمباديء في زحام حياة المدينة وصخبها‏,‏ وضجيج مهنة الصحافة وضغطها‏,‏ وقليلا ما كنت أراه حزينا‏,‏ عبوس الوجه‏,‏ وعندما كنت أسأله عن السبب أدرك أن هموم غيره تقلقه وتؤلمه‏,‏ أما هو فلا يريد من هذه الدنيا شيئا‏.‏
كان يستقبلني علي الباب مبتهجا بعبارة لاتفارق خيالي في حياته ومماته ألا وهي‏:‏ انت حبيبي‏..‏ لم يكن مافي يده له بل للآخرين يبذله غير مبال بشيء حتي أنه كان يستقبل ضيوف المكان دون أن يعرفهم ويقدم لهم الواجب دون أن ينتظر المقابل من هذا أو ذاك‏,‏حتي أنه في يوم من الأيام كسر كل القواعد ووضع في دولابه بعض المأكولات الخفيفة‏,‏ يوزعها علينا دون أن يبالي كم أعطي وكم أخذ‏,‏ وكان يقول جملة واحدة فقط‏:‏ أنتوا بتسهروا وبتجوعوا ولازم تاكلوا وعم نبيل له تاريخ طويل مع الأهرام بدأ عام‏1974‏ وحتي خرج علي المعاش في‏31‏ مارس عام‏2008..‏ وكم وصل الليل بالنهار في مؤسسة الأهرام غير مبال بسهر أو تعب‏.‏
لم يعترف باجازة ولم يستسلم لمرض ولا لاجازة عارضة بل أنه في يوم وفاته في الثاني من يناير عام‏2010‏ كان يريد أن يأتي إلينا‏..‏وقال سأذهب زحفا ولكن القدر لم يمهله ورحل تاركا معنا ابنه السيد نبيل الذي يذكرنا به كما ترك رصيدا كبيرا من حب كل الذين عرفوه في عمله وفي سكنه‏..‏ولما لا وهو الذي صرف مكافأة نهاية الخدمة في أعمال الخير لمدين أراد أن يقضي دينه وأرملة تريد أن تزوج ابنتها مفضلا ذلك علي أداء فريضة الحج‏.‏
رحم الله عم نبيل الأهلاوي الصميم‏,‏ الذي كات يوزع ما في دولابه ابتهاجا بفوز الأهلي‏,‏ خاصة في مباريات القمة مع الزمالك‏,‏ وأسكنه دارا خيرا من داره‏,‏ وأمتعه بما ضنت به الدنيا عليه‏.‏



إضافة تعليق

البيانات مطلوبة

اسمك
*


بريد الالكترونى *
البريد الالكتروني غير صحيح

عنوان التعليق *


تعليق
*


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.