دائما ما كان لكلمات المستشرقة الكبيرة أنا ماري شيميل عميدة الحركة الاستشراقية المعاصرة دوي هائل في دوائر الوعي الإنساني وكثيرا ما مثلت كلماتها إشراقات فكرية وروحية وومضات رائدة اثرت العقل الإسلامي وشقت دروبا جديدة داخله في معالجة القضايا الشائكة, وهو ما جعلها تمثل روحا أصيلة تشيد بقيمة التراث الإسلامي داحضة لكل المزاعم والإفتراءات التي تحتشد لها الجبهة المعادية للاسلام عقيدة ومنهجا, فكانت الحقائق الموضوعية هي ركيزتها في الدفاع وكانت الثوابت هي حجتها وكانت المرجعيات هي الأسس القويمة للتواجه العاصف, ومن ذلك فقد حققت شموخا ثقافيا معرفيا كان له انعكاسات رهيبة في الأوساط الأكاديمية الرفيعة التي أشادت بالجهود الخارقة التي تقدمها شيميل لحركة العلم بل لحركة التاريخ كذلك, ويدخل ضمن هذه الجهود التي يطيب لنا عرض جانب منها هي تلك المحاضرة العصماء التي ألقتها بمتحف فيكتوريا وألبرت الملكي بلندن والتي جاءت تحت عنوان( أسرار العشق المبدع في كتابات محمد إقبال) فما أحوج العالم الإسلامي في لحظته هذه أن يستحضر شيئا من تلك الأسرار وأن يقف علي رمزيات العشق المبدع وشفراته وكلها تمثل بواعث قوية نحو استعادة الذات بالتواجه نحو الوجود الفاعل. و استهلت شيميل محاضرتها هذه بأن الدين في نظره ولد في الجزيرة العربية, وكانت مثله هي الهادية للمسلمين الأوائل والمتصوفة الذين جاهدوا لحفظ الإسلام ضد المغالاة في تطبيق الأفكار اليونانية في تفسير الإسلام, وكانت كلمة إقبال الأخيرة تحذيرا من أسر الفكر اليوناني, ومن تفسير رسالة القرآن من خلال مصطلحات الفلسفة اليونانية, إذ أن القرآن يحمل كلمة الله الأزلية, فهو أزلي وأبدي مثل الله, وهو بالضرورة متعدد الجوانب والصفات, وفي كل لحظة يكشف لنا عن حكمة جديدة. وكان إقبال يدين بالمبدأ الصوفي التقليدي: أنه إذا لم يوح لك القرآن شخصيا كما أوحي للرسول, فلن تفيدك شروح الرازي ولا كشاف الزمخشري شيئا... وفي رؤية إقبال يجب أن يقترن الدين بالقوة, والقوة خطيرة وشيطانية إذا انفصلت عن الدين, فلابد أن يعمل الاثنان معا لبناء مجتمع جديد أفضل من القديم. إذ أن الله هو الحي القيوم, وأنه كل يوم هو في شأن, وأن ما لا يزال في طور التكوين, يعني أنه الإدراك الثابت لاحتمالات الخلق اللامتناهية للوجود الإلهي الخالق, هي التي تحفظ كماله ووحدته طوال العملية جميعها, أي أن الله يخلق دوما, ويعمل دوما, لكنه لا يتغير أبدا في أعمق أعماق وجوده. واستطرادا يجدر بنا كذلك أن نتأمل تفسير إقبال لألفاظ الشهادة, إذ يركز علي العلاقة بين لا و إلا كما فسرها المتصوفة في العصور الوسطي, فبدون لا أي دون النفي لا يمكن تأكيد الإيجاب, فمن لا يندرج الصعود إلي إلا, من ال لا إلي أعلي, وبالإضافة إلي ذلك يشكل الإيقاع علي لا و إلا أحد الجوانب المهمة لشعره وفلسفته, ومنه نتطرق إلي تفسير ذي أهمية للحياة. وتبقي من أهم أفكار إقبال أنه كلما زاد اصطراعنا( مع الشر) علت درجة وصولنا, ومن الأفكار الكلاسيكية التي يتبناها أن في الأعمال العظيمة تتوحد ذات الإنسان في الله دون أن تفقد هويتها. وهذه العبارة لا تعني تلاشي الصوفي في الإله الحق تعالي, بل نمو الذات بحيث تقترب وتزداد قربا من الله, وفي التوحد مع الله بدون فقدان الهوية تعبر حدود الزمان والمكان, وتتجه شيميل نحو الإشارة إلي الركيزة المحورية في فكر إقبال فتري أنها شخصية الرسول... إذ كتب في جواب الشكوي: أضيء العالم الذي طال إظلامه باسم محمد المنير, إضافة إلي أننا نجد أروع وصف لدور الرسول في منظومته الثانية أسرار نفي الذات, وهو أكثر دواوينه اهتماما بالسياسة وأكثرها توجها نحو القرآن حيث يقول: حب الرسول يجري كالدم في عروق الأمة وهناك بيت آخر يأسرني دائما بجماله إذ يشبه الأمة بوردة لها مائة بتلة تنضح شذا واحدا هو روح الرسول, ولا أذكر أنني عثرت علي وصف لدور النبي يفوق هذا البيت جمالا.