كنيسة العذراء مريم بالإسكندرية تنظم إفطار المحبة وتجمع المسلمين والأقباط على مائدة واحدة    محافظ الإسكندرية يستقبل وفد جامعة "فاروس" لبحث سبل التعاون المشترك    نشوي الشريف تطالب الحكومة ببدائل تمويلية لتخفيف أثر زيادة الوقود على المواطنين    مندوب البحرين بالأمم المتحدة: منطقتنا شهدت سلسلة من الاعتداءات الإيرانية الخطيرة    الريال ضد مان سيتي.. عمر مرموش بديلا وهالاند يقود هجوم السيتزينز    ديمبيلي يقود تشكيل باريس سان جيرمان أمام تشيلسي في دوري أبطال أوروبا    بمشاركة مصطفى محمد.. تفاصيل المران الأول لخليلوزيتش في نانت    بايرن ميونيخ يكشف حالة ثلاثي الفريق المصاب بعد مباراة أتالانتا    موقف حمزة عبد الكريم، قائمة برشلونة تحت 19عامًا لمواجهة ديبورتيفو لاكورنيا    تأجيل محاكمة 10 متهمين في قضية «الخلية الإعلامية»    حودة بندق يتحدث عن علاقته بتامر حسني وأحمد شيبة    أسماء الفائزين بمسابقة دولة التلاوة للقرآن الكريم بجامعة الزقازيق    الثقافة وتطبيقات التكنولوجيا الحديثة.. أمسية ثقافية رمضانية ببيت السناري في مكتبة الإسكندرية    مفاجأة جديدة ل غادة إبراهيم بدور شيماء في الحلقة السابعة من «المتر سمير»    في الليلة الثانية والعشرين من رمضان.. آلاف المصلين يحيون التراويح بالقراءات المتواترة في الجامع الأزهر    توقيع الكشف على 490 حالة خلال قافلة طبية بالكرنك في الأقصر    محافظ المنوفية يواصل لقاءاته الدورية بالمواطنين ويفحص الشكاوى والطلبات    رزان جمال ل رامز جلال: " أنا عاوزة أتجوز وموافقة أتجوزك"    مجلس جامعة الدلتا التكنولوجية يقر إنشاء مجلس استشاري للصناعة    محافظ شمال سيناء يشهد حفل تكريم حفظة القرآن الكريم    طعنات نافذة.. الطب الشرعي يكشف تفاصيل مقتل سيدة على يد نجلها في النزهة    لتدني نسبة حضور الطلاب.. استبعاد مديرة مدرسة ببنها واستدعاء مدير الإدارة للتحقيق    منظمة الصحة العالمية: وقوع 18 هجومًا على مرافق رعاية صحية في إيران    الأرصاد تحذر من تقلبات جوية وأمطار الجمعة والسبت    تأجيل محاكمة 10 متهمين بالخلية الإعلامية لجلسة 23 يونيو    قبل العيد، تعلمي طريقة تحضير بسكويت اللانكشير في البيت    وزير الرياضة الإيراني عبر التلفزيون الرسمي: لن نشارك في كأس العالم تحت أي ظرف    الأزهر: الحجاب فرض بنص القرآن والسنة.. ولا صحة لشبهة عدم وجود دليل    وزير الاتصالات: اعتماد قرارات جديدة لدعم الذكاء الاصطناعى والبيانات المفتوحة    إسبانيا تسحب سفيرها من الكيان الصهيونى وتفتح النار على ترامب بسبب حرب إيران    ما قيمة زكاة الفطر وموعد وطريقة إخراجها والفئات المستحقة؟ د.أحمد كريمة يُجيب    المعهد القومي للاتصالات NTI يفتح باب التقدم لوظائف أعضاء هيئة التدريس ومعاونيهم    إسرائيل تدفع ثمن عدوانها    محافظ المنيا يعلن تسليم 5482 بطاقة تموينية بمختلف المراكز    فيكسد سوليوشنز تقود تطوير منصة «أثر» بجامعة القاهرة    الباحث فى شئون الجماعات المتطرفة عمرو فاروق ل«روزاليوسف»: العنف مترسخ فى عقول أعضاء الإرهابية    12 أبريل.. آخر موعد للتسجيل لحضور مؤتمر الدراسات العليا السابع بكلية السياحة والفنادق بجامعة قناة السويس    وزير الأوقاف يجتمع بمديري المديريات الإقليمية    جيهان الشماشرجى تطالب بتحرى الدقة بشأن إحالتها للجنايات    محمد سعد والفيشاوي وأحمد مالك.. منافسة سينمائية قوية في موسم عيد الفطر 2026    محافظ المنيا يشارك في اجتماع اللجنة التنسيقية برئاسة وزير الصحة    الدوم على مائدة رمضان.. هل يُفيد الكلى أم قد يسبب مشكلات؟    السكك الحديد: تشغيل قطارات إضافية خلال عطلة عيد الفطر المبارك    فان دايك: صلاح جزء مهم من الفريق.. وعلينا الاستفادة من كل لاعب    تصاعد درامي قوى في الحلقة 21 من "إفراج" يؤكد صدارته للموسم الرمضانى    بروتوكول تعاون بين طفولة مبكرة بتربية بني سويف ووحدة المدارس المصرية اليابانية    وزيرة التنمية المحلية تتابع الموقف التنفيذي لمنظومتي التذاكر الإلكترونية للمحميات    إصابة 3 اشخاص صدمتهم سيارة فى دار السلام    حزب المصريين الأحرار يدعو لتثبيت أسعار الفائدة مؤقتا لحماية الاستقرار الاقتصادي    الدكتور عمر الرداد في حوار خاص ل"البوابة نيوز": تصنيف إخوان السودان "استدراك" أمريكي لخطورة التنظيم (1)    دفاع المتهم بالتعدي على فرد أمن بكمبوند في التجمع: التقرير الطبي أثبت إصابة المجني عليه بكدمات بسيطة    دوى انفجارات فى طهران وإيران تفعل الدفاعات الجوية    مجدي بدران: الصيام فرصة للإقلاع عن التدخين وتنقية الجسم من السموم    محافظ سوهاج يوجه بالتوسع في التوعية بقانون التصرف في أملاك الدولة الخاصة    منافس الأهلي - محاولات مكثفة لتجهيز ثنائي الترجي أمام الأهلي    بث مباشر.. الزمالك يواجه إنبي في مواجهة حاسمة بالدوري المصري الممتاز    مايا مرسي: شكرا الشركة المتحدة.. «اللون الأزرق» سلط الضوء على أطفال التوحد    قمة أوروبية مشتعلة.. بث مباشر مباراة باريس سان جيرمان وتشيلسي في دوري أبطال أوروبا فجر اليوم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الإخوان‏..‏ والصعود إلي الهاوية‏11‏

البنا ذهب يستجدي عبد الرحمن عمار في محاولة لإيقاف قرار الحل في اللحظات الأخيرة صدام الإخوان والسعديين انتهي بقتل النقراشي والبنا وحل الجماعة التشابه الفكري بين الإخوان والثورة كان يحمل داخله بذرة الصدام الذي ظهر لاحقا
مقابلة عبد الرحمن عمار
لما لم تفلح شكاية البنا للملك‏,‏ حيث قام الأخير بإرسالها إلي رئيس الوزراء‏,‏ لم يجد مرشد الإخوان بدا من السعي لمقابلة النقراشي باشا‏,‏ الذي رفض من جانبه مقابلته‏,‏ وبعد أكثر من أربع ساعات ظل فيها البنا منتظرا لقاء رئيس الوزراء ووزير الداخلية قابله عبد الرحمن عمار وكيل وزارة الداخلية آنذاك في مكتبه وكتب بعد المقابلة هذا التقرير الذي رفعه الي النقراشي باشا بما دار في اللقاء هذا نصه كاملا‏:‏
حضر الليلة الشيخ حسن البنا إلي ديوان وزارة الداخلية وطلب مقابلتنا بحجة الافضاء الينا بأمور هامة يرغب في ابلاغها فورا إلي حضرة صاحب الدولة رئيس مجلس الوزراء‏,‏ فلما قابلناه حدثنا بأنه قد علم أن الحكومة أصدرت قرارا بحل جماعة الاخوان المسلمين أو هي في سبيل اصدار هذا القرار وأنه يريد أن ينهي إلي دولة رئيس الوزراء بأنه قد عول نهائيا علي ترك الاشتغال بالشئون السياسية وقصر نشاط الجماعة علي الشئون الدينية كما كان الحال في بداية قيام جماعة الإخوان المسلمين وأنه يود من كل قلبه التعاون مع دولة الرئيس تعاونا وثيقا مؤيدا للحكومة في كل الأمور وأنه كفيل بتوجيه رجاله في جميع الجهات بالسير علي مقتضي هذا الاتجاه‏,‏ كما أعرب عن أسفه لما وقع من جرائم ارتكبها اشخاص يري أنهم اندسوا علي الإخوان المسلمين‏,‏ وراح يترحم علي سليم زكي باشا قائلا انه كان صديقا حميما له وكان بينهما تعاون وثيق وتفاهم تام ثم تكل مادحا دولة النقراشي باشا قائلا انه علي يقين من نزاهته وحرصه علي خدمة وطنه وعدالته في كل الامور‏.‏ وأنه لو تمكن من مقابلة دولته بعد أن مضت سنتان لم يلتقيا فيهما بسبب جفوة أثارها الوشاة لأقنع دولته بأنه من صالح الحكومة والامة معا أن يبقي الصرح الضخم الذي جاهد الاخوان المسلمون سنوات طويلة في اقامته كما قال أنه يعز عليه بل ويزعجه ويؤلمه أن ينهار هذا الصرح علي يد دولة النقراشي باشا الحريص علي خدمة بلاده‏.‏
ثم قال انه اذا قدر أن تمضي الحكومة في ما اعتزمته من حل الجماعة فانه يؤكد أنه ورجاله سوف لا تبدر منهم بادرة تعكر صفو الأمن اذ لا يقدم علي مثل هذا العمل الا مجنون‏,‏ كما أكد أن الحكومة لو تعاونت معه لضمن للبلاد أمنا شاملا‏.‏
وختم حديثه بقوله أنه علي استعداد للعودة بجماعة الاخوان المسلمين الي قواعدها بعيدا عن السياسة والاحزاب متوفرا علي خدمة الدين ونشر تعاليمه بل انه يتمني لو استطاع أن يعتكف في بيته ويقرأ ويؤلف مؤثرا حياة العزة ثم جعل يبكي بكاء شديدا ويقول انه سيعود الي مقره في انتظار تعليمات دولة رئيس الوزراء داعيا له بالخير والتوفيق‏.‏ وكيل الداخلية 8‏ ديسمبر سنة‏1948.‏
ويتضح من تقرير وكيل وزارة الداخلية‏,‏ والمذكرة التي وجهها البنا قبلها الي الملك‏,‏ أن السيف كان قد سبق العزل‏,‏ وأن أوان صعود الجماعة التي الهاوية قد حل‏,‏ وسقطت الجماعة بالفعل الي الهاوية‏,‏ التي أسموها بتعبيرهم المحنة الأولي‏,‏ حيث تم حل الجماعة‏,‏ ورد الإخوان بإغتيال النقراشي‏,‏ ورد السعديون فاغتالوا البنا لتبدأ الجماعة مرحلة أخري من الصعود إلي الهاوية‏.‏
وبعد التصادم مع السعديين ومحنة الجماعة الأولي كما يسمونها في أدبياتهم بسنوات قليلة جاءت ثورة يوليو‏,‏ وتكرر الصدام مع ثورة يوليو خلال الحقبة الناصرية‏,‏ علي الرغم من البداية التي توحي بالتعاون والتنسيق‏,‏ ذلك أن الخطاب الفضفاض قادر علي صناعة التقارب والتصادم معا‏!.‏
القراءة التي نقدمها للعلاقة بين جماعة الإخوان وثورة يوليو‏,‏ في مرحلتها الناصرية‏,‏ تبدأ بتحليل عن طبيعة السلطة الناصرية‏,‏ سياسيا وفكريا واجتماعيا‏,‏ وصولا إلي رصد التقارب الملموس بين الحركة والثورة‏,‏ وهو ما يتطلب الإشارة التحليلية الموجزة إلي موقف ثورة يوليو وعبد الناصر من الدين‏,‏ السلاح الأساسي الأكثر بروزا وفاعلية في خطاب الإخوان المسلمين‏.‏
لقد أدت عوامل موضوعية متداخلة إلي صناعة التقارب والتعاون المؤقت بين الإخوان والثورة‏,‏ وعوامل أخري مماثلة قادت إلي الصدام الدموي العنيف‏.‏ وليس منطقيا بطبيعة الحال أن يتحمل أحد طرفي الصدام مسئولية كاملة منفردة عن التوتر والتناحر‏,‏ فالأخطاء مشتركة‏,‏ والأهداف المختلفة تسفر عن صراع كان كامنا ومؤجلا‏.‏
وقد انتهت أغلب الدراسات في مجال النظم السياسية المقارنة كما تورد الدكتورة هالة مصطفي في كتابها المهم الدولة والحركات الإسلامية المعارضة إلي إدراج النظام السياسي المصري في عهد الرئيس عبد الناصر ضمن النظم السلطوية‏AuthoiyarianRegine‏ وذلك في إطار التفرقة بين كل من النظم الديمقراطية‏,‏ والسلطوية‏,‏ والشمولية‏,‏ ووفق هذا التصنيف فإن النظام السلطوي يتسم بعدد من الخصائص تميزه عن كل من النمطين السابقين أهمها‏:‏
‏*‏أنه نظام لا ينهض علي وجود أيديولوجية سياسية قوية متماسكة‏.‏
‏*‏ وجود حزب سياسي واحد يحتكر القوة السياسية وإن كان ذلك لا يمنع وجود تنظيمات سياسية أخري مستقلة عنه ولكنها تكون في العادة محدودة الفعالية‏,‏ وفي المقابل فإن هذا الحزب السلطوي ليس تنظيما عقائديا‏,‏ ولا توجد شروط صارمة لعضويته بل يعتبر حزبا مفتوحا‏,‏ ولذلك فقد توجد معارضة للنظام من داخل الحزب‏.‏
‏*‏ لاتوجد تعبئة سياسية في النظام السياسي السلطوي إلا في بداية قيامه‏,‏ أما بعد استقراره فإن النظام لا يميل إلي الاعتماد علي التعبئة الجماهيرية‏.‏
‏*‏ يهتم النظام بالسيطرة علي الجيش ويحتل القادة العسكريون وضعا متميزا في النظام السياسي‏,‏ حيث يتحولون إلي سياسيين‏,‏ ويشتركون مع الفنيين والبيروقراطيين في اتخاذ القرارات الرئيسية‏,‏ ولكن كلما استقر النظام قلت نسبة العسكريين الذين يعينون في المناصب السياسية ويتجه النظام إلي إبعاد الجيش عن السياسة‏,‏ وتأكيد صفة الاحتراف العسكري‏,‏ ولكن مع احتفاظ قادة النظام بصلات قوية مع الجيش لضمان استمرار ولائه للنظام السياسي‏.‏
‏(‏د‏.‏ هالة مصطفي‏:‏ الدولة والحركات الإسلامية المعارضة‏,‏ ص‏112)‏
ومن هنا لم يعرف النظام الناصري أيديولوجية سياسية متكاملة‏,‏ وإنما عرف مجموعة من المبادئ والأهداف العامة التي يصعب وصفها ب الأيديولوجية‏,‏ فلم تنظر نخبة الضباط الأحرار إلي مسألة وجود نظرية أو أيديولوجية سياسية للنظام الجديد باعتبارها قضية حاسمة أو ذات أولوية متقدمة لازمة للسير علي طريق الثورة أو بناء تنظيم حزبي سياسي فعال‏,‏ وظلت هذه القضية ثانوية بأكثر من معني‏.‏ فالحركة ظلت لدي عبدالناصر حقيقة سابقة علي الفكر وارتبط ذلك بالميل إلي التقليل من شأن الأفكار والنظريات وأخذها بدرجة عالية من التبسيط‏.‏
ومن ناحية أخري فقد أجمعت غالبية الدراسات التي تناولت أيديولوجية ثورة يوليو‏1952‏ علي الطابع التجريبي لها‏,‏ وهو ما أطلق عليه عبدالناصر منهج التجربة والخطأ‏.‏
ويتمثل هذا المنهج في حقيقة أن أهم التطورات كانت تجيء بالأساس كرد فعل لإخفاق أو فشل خطير حدث بالفعل‏,‏ وفرض نتائجه كأمر واقع تتحتم الاستجابة له‏,‏ وليس نتيجة لدراسة الواقع ونقده كهدف في حد ذاته‏.‏
وأخيرا فقد اتسمت الأفكار المعلنة للنظام الناصري‏,‏ بما في ذلك ما جاء في الميثاق بطابع انتقائي واضح وهو الطابع الذي اتسمت به أغلب الأيديولوجيات المعلنة في العالم العربي‏,‏ والتي يري فيها العديد من الباحثين تلفيقا من مدارس واتجاهات وتيارات فكرية
متباينة وجمعها للآراء بطريقة ميكانيكية دون الوصول إلي صيغة تركيبية تجمع هذه الآراء في نسق فكري متكامل‏(‏ د‏.‏ علي الدين هلال‏:‏ تطور الأيديولوجية الرسمية في مصر‏,‏ في كتاب مصر في ربع قرن‏1952‏ 1970‏ ص‏146).‏
اتسمت النخبة الحاكمة في النظام السياسي المصري بعد‏1952‏ بعدد من الخصائص يمكن إيجازها في ثلاث‏:‏ الأولي‏:‏ انتماؤها الأساسي إلي الطبقة الوسطي‏,‏ والثانية‏:‏ طابعها العسكري أي الانتماء إلي الجيش‏,‏ والثالثة‏:‏ هيمنة ما يسمي بالبرجوازية البيروقراطية علي مقاليد الحكم‏.‏
وفي المقابل أدت سيادة الطابع العسكري علي النخبة الحاكمة إلي الغاء العمل السياسي تماما أو علي الأقل حظر الأساليب السياسية في المجال السياسي‏,‏ وافترض أن تكون جميع الأنشطة السياسية حكرا علي الجيش‏(‏ د‏.‏ هالة مصطفي‏,‏ مرجع سابق‏,‏ ص‏120).‏
أما الطابع البيروقراطي للنخبة الحاكمة‏,‏ فقد ارتبط بنظام رأسمالية الدولة في ظل النظام الناصري‏,‏ وما يهم في هذا لمجال هو تلك القوي الاجتماعية التي ارتبطت برأسمالية الدولة‏,‏ والتي أضحت تعرف باسم البرجوازية البيروقراطية والتي يقصد بها‏:‏ تلك الطبقة التي تنشئ لنفسها موقعا‏(‏ احيانا مسيطرا‏)‏ في علاقات الإنتاج من خلال سيطرتها علي قطاع إنتاجي مملوك ملكية عامة‏,‏ وقد تديره باسم الدولة وتحصل من خلال ذلك علي امتيازات هائلة‏.‏
وقد لعبت هذه الخصائص العامة للنظام السياسي‏,‏ فضلا عن طبيعة التكوين الاجتماعي والسياسي للنخبة الحاكمة‏,‏ دورا مهما في تحديد استراتيجيات النظام وسياساته تجاه المعارضة السياسية بشكل عام والإسلامية منها بشكل خاص‏,‏ حيث كان للخلفية التاريخية التي حكمت العلاقة بين النخبة الجديدة لثورة يوليو والمعارضة الإسلامية التي مثلتها جماعة الإخوان المسلمين أثر كبير في إضفاء نوع من الخصوصية علي طبيعة العلاقة التي سادت‏,‏ والتي تحددت في إطارها إستراتيجية كل منهما إزاء الأخري‏.‏
نظام يوليو وحركة الإخوان يتفقان في كثير من الملامح والسمات الفكرية والتنظيمية‏,‏ فضلا عن الأصول الاجتماعية الطبقية المتشابهة‏,‏ فكلاهما أقرب إلي النظم السلطوية‏,‏ حيث تغيب الأيديولوجية الواضحة المحددة‏,‏ وتهيمن الشمولية‏,‏ ويتم الإعلاء من شأن الزعامة الفردية كمرجعية مطلقة‏,‏ وتستبعد فكرة التعامل مع الجماهير والاعتماد عليها في صناعة القرار وتنفيذه‏.‏ النظام الناصري وجماعة الإخوان يتفقان في فكرة الإيمان بمبادئ عامة لا تخلو من الغموض ولا تنجو من الإنشائية‏,‏ وتجنح إلي التعميم‏,‏ وتأخذ بالتجريب والقدرة علي التغيير الجذري الذي يتناسب مع المتغيرات الطارئة‏,‏ ولا تتورع عن الانتقائية التي تجمع المتناقضات لتقديم خطاب سياسي فكري ذي شكل متسق براق‏.‏
وإذا كان الإخوان المسلمون يرفعون شعارات دينية ويمارسون السياسة‏,‏ فإن ثورة يوليو بدورها قد رفعت شعارات سياسية دون أن تتخلي عن التوجه الديني بما يترتب عليه من اكتساب الشعبية ومحاربة الخصوم الذين يزايدون عليها في المجال نفسه بالرغم من الزعامة الكاريزمية لعبد الناصر‏,‏ وفي مجتمع متخلف‏,‏ تسوده الأمية بمختلف أنماطها نجد أن النظام السياسي في علاقته بالمؤسسة الدينية‏,‏ وبالرغم من التبعية‏,‏ والخصوصية في علاقة رجال الدين الرسميين بالنظام والتي تجد جذورها في شرعية الحاكم‏,‏ والولاء له في التراث السني إلا أن الدين ظل رافدا ضمن روافد عديدة للشرعية السياسية‏,‏ واستخدم كأداة للتعبئة‏,‏ والتجنيد السياسي للجماهير ضمن أدوات أخري كما استخدم النص الديني حتي المقدس كأداة للتبرير أي تبرير المقولات التي طرحت للتطبيق والتي قيل إنها اشتراكية‏,‏ وإن هذه الاشتراكية‏,‏ ليست مضادة للدين الإسلامي‏,‏ سواء في أثناء صياغة الميثاق‏,‏ أو بعد ذلك في الحوارات التي جرت في منتصف الستينيات‏(‏ عبد الرحيم علي‏:‏ الإخوان المسلمون‏..‏ أزمة تيار التجديد‏,‏ ص‏54).‏
التقارب الفكري والتنظمي بين الثورة والإخوان أتاح فرصة كبيرة للتعاون والتنسيق المشترك‏,‏ كما أنه حمل بذرة الاختلاف والصدام‏.‏ المشتركات تصنع وفاقا ظاهريا‏,‏ والطموحات السياسية تمهد للصدام من جديد‏.‏
بعد أيام قليلة من حركة الجيش في‏23‏ يوليو‏,‏ وبعد أن اطمأن الإخوان تماما إلي نجاح العسكريين في الإطاحة بالنظام الملكي والاستقرار في السلطة‏,‏ سارعوا إلي إصدار بيان يحددون فيه مفهومهم للإصلاح المنشود في المرحلة الجديدة‏,‏ وشنوا هجوما عنيفا قاسيا علي الحياة النيابية السابقة‏,‏ وصولا إلي أن التجربة القديمة فاشلة لا يجوز الأخذ بها‏,‏ وأن الحياة البرلمانية في كل العهود الحزينة ليست إلا أداة لتبرير شهوات الحكام وإضفاء الشرعية علي المظالم‏!‏
وطالب الإخوان في بيانهم بإهمال دستور‏1923‏ وإسقاطه‏,‏ مع المطالبة بعقد جمعية تأسيسية تتولي صياغة دستور جديد‏,‏ يستمد أحكامه من مبادئ الإسلام الرشيدة في كل شئون الحياة‏(‏ عبدالله إمام‏:‏ عبدالناصر والإخوان المسلمون‏,‏ ص‏38).‏
لا يقنع الإخوان بنقد أوجه الخلل والفساد والمطالبة بالإصلاح‏,‏ لكنهم يرفضون الحكم الديمقراطي‏,‏ ويطالبون بنظام جديد تئول إليهم فيه مقاليد السلطة أليسوا وحدهم القادرين علي التطبيق المثالي الصحيح لأفكار ومبادئ الإسلام؟‏!‏
لقد اندفع الإخوان المسلمون في تأييد ثورة يوليو ومباركة خطواتها‏,‏ وكان للموقف الودي للجماعة أساسه المتين كما يؤكد ريتشارد ميتشل في كتابه الإخوان المسلمون ففي الوقفة الأولي للثورة ألغي مجلس قيادة الثورة قسم البوليس السري من وزارة الداخلية وصفي نفوذه تماما‏,‏ وكان من الذين شملهم التطهير محمد الجزار‏,‏ اكثر رجال القسم عداء للجماعة والذي عرف‏(‏ بتخصصه‏)‏ في شئون الإخوان واشتراكه في مؤامرة اغتيال البنا‏,‏ كذلك تم الإعلان عن الاتجاه إلي إعادة التحقيق في قضية مقتل البنا التي حفظت دون التوصل إلي شيء‏,‏ كواحد من الإجراءات الأولي التي اتخذها العهد الجديد وقد شملت الاعتقالات التي تلت الانقلاب كما لاحظ أحد المراقبين أعداء معروفين للإخوان‏,‏ ثم جاء تعيين رشاد مهنا كواحد من الأوصياء الثلاثة علي العرش والإفراج عن المعتقلين السياسيين وأغلبهم من الإخوان في أكتوبر‏1952,‏ ليعزز جو الارتياح الكبير الذي ساد الجماعة‏(‏ ريتشاد ميتشل‏,‏ الإخوان المسلمون‏,‏ ص‏51).‏
ومن الوجهة العلنية‏,‏ نجح الطرفان في الحفاظ علي مظهر العلاقة الودية طوال عام‏1953,‏ وكان واضحا أن إفلات الإخوان المسلمين من الحملة ضد الأحزاب قد استقر بهم في موقف مرموق في البلاد وقد شارك رجال الحكومة البارزون‏,‏ بمن في ذلك نجيب وعبدالناصر‏,‏في الزيارة السنوية لضريح البنا‏,‏ شهيد الأمة كما كان يسمي‏,‏ في‏13‏ فبراير‏1953‏ الموافق للذكري السنوية الرابعة لوفاته وفي أغسطس عين البهي الخولي أحد أعضاء الجماعة الذي كان مناصرا للحكومة ضابطا للاتصال بين الجماعة وهيئة التحرير ومديرا للإرشاد الديني بالهيئة وفي سبتمبر‏1952‏ أنكر الهضيبي علنا وجود أي خلاف أو سوء تفاهم مع النظام وفي الشهر نفسه شكلت الحكومة محكمة الثورة لمحاكمة القادة السياسيين السابقين وكانت أولي قضاياها قضية ابراهيم عبدالهادي‏,‏ معنية بوجه خاص بدوره في مقتل البنا واضطهاد الإخوان‏(‏ عبدالله إمام‏,‏ مرجع سابق‏,‏ ص‏42)‏
وإلي لقاء‏.‏
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.