هو الابن الأصغر للقارئ الكبير عبدالباسط محمد عبدالصمد، الذى اشتهر بين القراء ب«صوت السماء» و«صاحب الحنجرة الذهبية»، وغيرها من الألقاب التى خلعها عليه مستمعوه من كل بقاع الدنيا، الذى ورث عنه طلاوة الصوت والتأثير العميق فى المستمعين فى كل بقاع العالم.. وفى هذا الحوار مع الشيخ ياسر عبدالباسط عبدالصمد، نقيب قراء القاهرة، وقارئ مسجد الإمام الشافعي، نكشف جوانب عديدة من رحلته النورانية مع كتاب الله تعالي، وكذلك رأيه فى الكثير من القضايا القرآنية الآنية: * أنت ابن أحد كبار قراء القرآن بالعالم الإسلامي.. كيف ترى موقع الشيخ عبد الباسط بين قراء مصر والعالم؟ - لا يزال والدى يستقر- بفضل الله- فى وجدان الناس فى كل دول العالم، بجوار زملائه وأصدقائه القراء الكبار، الذين أثروا، ولا يزالون يؤثرون، فى أسلوب وطريقة قراءة القرآن فى العالم كله، ومن بين هؤلاء الكبار: الشيخ الحصري، والشيخ مصطفى إسماعيل، والشيخ البنا، والشيخ المنشاوي، وغيرهم كثيرون من هذا الجيل الربانى المُلهم من الله تعالي، ولذلك فإن هذا الجيل لا يزال متوهجا ومؤثرا فى مسلمى العالم كله، وإلى أن يشاء الله تعالي، وهو ما يُشير، أيضا، إلى قوة وريادة مصر وتأثيرها العميق وقوتها الناعمة فى الدول العربية والعالمية. * هل هناك جديد تقدمه أسرة الشيخ عبد الباسط عبد الصمد إلى محبيه ومستمعيه؟ - قدمنا المصحف كاملا بقراءة «ورش» إلى الإذاعة المصرية منذ فترة ليُذاع لأول مرة، حيث سيستمع الملايين من متابعى إذاعة القرآن الكريم إلى أول تسجيل كامل للقرآن الكريم بقراءة «ورش عن نافع المدني» للشيخ عبد الباسط، وهى النسخة التى كان قد سجلها فى المملكة المغربية عام 1986م؛ وهذا التسجيل تم استجابة لطلب شخصى من الملك محمد الخامس لقراءة ختمة مرتلة برواية ورش عن نافع المدنى لإذاعتها بالإذاعة المغربية، وقام الشيخ بتلبية الدعوة وسافر إلى المغرب وسجل القرآن كاملا بحضور الشيخ رزق حبَّة، شيخ عموم المقارئ المصرية وقتها، وأهدى النسخة للإذاعة المغربية، وتمت مراجعة النسخة من مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف، الذى قام بالتصريح بطبعها ونشرها، وأهدتها الأسرة إلى الإذاعة المصرية العريقة لتذاع فى ذكرى رحيله هذا العام، وليكون والدى الثانى الذى قرأ القرآن كاملا برواية ورش بعد فضيلة الشيخ الحصري؛ ولتكون هذه النسخة الثالثة للشيخ عبد الباسط بالإذاعة المصرية بعد ختمتين مجودة ومرتلة، إضافة إلى عدة ختمات مرتلة ومجودة بإذاعة السعودية والكويت والإمارات. * ماذا عن بداياتك ونشأتك وتعليمك فى رحاب والدك القارئ الكبير؟ - منذ وعيت على الدنيا وجدت القرآن مرتبطا ببيتنا وبعائلتى وبإخوتى وداخلا فى كل مفردات حياتنا، حيث كان والدي- رحمه الله تعالي- يحثنا على تلاوته آناء الليل وأطراف النهار؛ كما كان يُثنى كثيرًا على قراءتى ويقول لى إن نفسى جميل فى القراءة وصوتى حلو وإن عندى استعدادا فطريا لقراءة القرآن، ولهذا عندما يكون عندنا ضيوف يطلب منى القراءة أمامهم، وكانوا يثنون على قراءتى ومنهم كبار المشايخ.. * من كان القدوة لك فى تلاوة القرآن؟ - بالطبع كان والدى القارئ الكبير قدوتى الأولى والمؤثر الرئيسى فى حياتى كلها، لأننى كنت قريبًا جدًا منه، رحمه الله، وكان يصحبنى فى حفلاته؛ ثم بعد ذلك بدأت أتعرف على باقى القراء ومدارسهم المختلفة، مثل مدرسة الشيخ مصطفى إسماعيل، رحمه الله، الذى كان خفيف الظل، وكان كثيرا ما يُداعبنى ويطلب منى القراءة أمامه ويُنى على قراءتي، وكذلك الشيخ محمود على البنا، والشيخ أحمد الرزيقي، والشيخ الطحان والشيخ الباسوسي، رحمة الله عليهم جميعا. * ماذا عن تعلم المقامات ومدى تأثيرها فى المتلقين؟ - تعلمت دراسة المقامات وأتقنتها تماما فى أكبر المعاهد الموسيقية فى مصر، خدمة لكتاب الله تعالي، ورغبة فى استيعاب وتعلم كل جديد فى العلوم التى تخدم تلاوته. * تعتبرون سفراء الإسلام فى كثير من دول العالم.. هل لكم رسالة تقدمونها.. وأين سافرتم؟ - إننى أعمل لله وخدمة لكتابه، ولأهل القرآن، وليس لأى أمر دنيوى آخر، فأنا- ولله الحمد- تعلمتُ من أبى العمل على خدمة كتاب الله تعالى فى أى مكان إعلاء لشأن القرآن الكريم، فقد حفظت القرآن كاملا، وحفظت «الطيبة»، ودرستُ فى معهد القراءات، ومن ثم سافرتُ إلى معظم دول العالم، ومنها: باكستان 3 مرات، والولايات المتحدة 12 مرة، وبريطانيا 24 مرة، وجنوب إفريقيا، والجزائر، وفرنسان وأيرلندا، وبنما، وإندونيسيا، وماليزيا، وغيرها من دول العالم، وما زلتُ أجتهد لأخدم القرآن وأنشر أسلوب القراءة المصرية فى العالم كله ولأرفع اسم وطنى عاليا. * هل لديكم رؤية أو مدرسة خاصة فى القراءة؟ - مدرستى قريبة من والدى رحمه الله، لكننى لا أقوم بتقليده بالكربون كما يُقال، وإنما هى الجينات الصوتية، وأعمل بكل طاقتى للتجديد الدائم فى أدائى ليكون لى لونى الخاص بي.. وتؤثر قراءة أبى حتى فى المسلمين الأعاجم، فضلا عن المصريين والعرب، وذلك لأنه السهل الممتنع، الأكثر انتشارًا وغزوًا للقلوب، وطبيعى جدا ألا أبتعد عن أسلوبه فى القراءة، وهذا ليس تقليدًا لأننى ابنه وجزء من الكل، ولا بد أن يتبع الجزء الكل، وجينات الصوت متقاربة جدا، وإن كانت لأبى بصمة صوت لن تتكرر. * مَن القراء الآخرون الذين تستمع إليهم من الجيل القديم والجيل الحديث؟ - أستمع إلى الشيخ محمد عمران والشيخ مصطفى إسماعيل، وكل القراء القدامي، وكل من يقرأ القرآن الكريم بصورة صحيحة ويدخل إلى قلبى أستمع إليه؛ كما أحترم كثيرًا من القراء الموجودين الآن، لكننى لا أعطى أذنى إلا للقراء القدامي؛ وأعترف أن المدرسة رغم ريادتها التى لا يُطاولها أحد فإنها تحتاج إلى المزيد من الابتكار والتركيز على الكيف مع الكم لإعادة إنتاج قرائنا العظام؛ وتجديد الدماء مسئولية الجميع وأولهم القارئ نفسه، الذى يجب عليه ألا يعتمد على التقليد فقط. * ماذا عن شهر رمضان وكيف تقضونه فى ظل كورونا؟ - لا شك أن هذا الفيروس قد قيد كثيرا من حركتنا ومنع التجمعات، لذلك أصلى فى منزلى مع أبنائي، وأحاول التغلب على منع التجمعات والحفلات بإقامة حفلات مباشرة على الإنترنت أو إرسال التسجيلات الخاصة بى لإذاعتها ببعض الدول الأوروبية والأمريكية. * وكيف استقبلت قرارات وزير الأوقاف الأخيرة بزيادة معاشات القراء؟ - الحق أن د. مختار جمعة، وزير الأوقاف، يدعم نقابة القراء منذ تولى الوزارة بصورة غير مسبوقة، والقرار الأخير بزيادة الدعم إلى 400 ألف جنيه فى العام أثلج صدور أهل القرآن، وكذلك زيادة قراء السورة والمحفظين، فقد زادت المعاشات فى عهده من 50 ألفا إلى 400، وهذا رقم كبير فى ظل الأزمات الاقتصادية العالمية، وكل هذا يؤكد رغبة الأوقاف فى الإعلاء من شأن حُراس كتاب الله، ويُشير إلى أن القيادة السياسية فى عهد الرئيس السيسي- حفظه الله- لن تقصر فى دعم قراء القرآن الكريم بكل ما يلزمهم للحفاظ على الريادة التاريخية للمدرسة القرآنية المصرية. * برأيك، كيف نواجه حالات اللحن والخطأ فى التلاوة من بعض القراء فى الحفلات الخاصة؟ - الخطأ غير المقصود أو النسيان وارد عند معظم القراء مهما بلغ شأنهم، لأن القرآن به الكثير من الآيات المتشابهات، أما مَن يتعمد القراءة بقراءات شاذة أو غير موجودة فعقابه سيكون شديدًا من النقابة والوزارة على السواء، ولهذا يجب أن تكون هناك صلاحيات أكبر للنقابة لضبط إيقاع هذه الأخطاء من بعض القراء المستهترين؛ وأعتقد أن فضيلة الشيخ محمد حشاد، نقيب القراء، وشيخ عموم المقارئ، لن يتهاون مع الخارجين على قواعد القراءة، وقد لمست منه ذلك حين كنتُ عضوا بمجلس الإدارة.