د. مصطفى الفقي الفارق بين الحلم والوهم، أن الأول حق مشروع قابل للتطبيق، أما الثانى فهو درب من الهلوسة لا يعتمد على احتمالات واقعية، ولكن يبدو فقط هاجسًا يرتاد أصحابه حينًا فحينًا، ولابد أن أعترف بأننى أشكر الله دائمًا على حق الخيال الذى منحه للبشر، فأنت تستطيع أن تسبح بخيالك فى كل اتجاه وقد تجلس إلى عظيم باطش وأنت فى أعماقك وبؤرة خيالك لا تحترمه ولا تقبل وجوده، ولذلك فإن حق الخيال متعة منحها الله للبشر تسمح لصاحبها بأن يتصور ما يريد فى أى زمان ومكان ومهما تكن مستويات علمه أو إمكانات جيبه، إلا أنه فى كل الأحوال سيد الموقف، فقد يستطيع تصفية حساباته مع خصمه خيالًا، وقد يستطيع التخطيط لمستقبله البعيد خيالًا أيضًا ولا يستطيع أحد أن يصادر على حق الخيال لدى صاحبه، ولكن يستطيع الكثيرون مواجهة الأوهام باعتبارها خروجًا على الناموس ونوعًا من أنواع الهواجس المريضة والأفكار اللامعقولة. ولذلك فإننى أظن أن الخيال السوى الذى يتأسس على ذاكرة رحبة ورؤية بعيدة واستشراف جاد للمستقبل يمكن أن يكون إضافة لامعة لصاحبه يضعه فى مصاف من يحسنون التفكير ويملكون الإرادة ويقدرون على التغيير، فالمسافة بين الحلم والوهم مسافة واسعة تتفاوت بينها درجات الوعى لدى الإنسان مع اختلافه من نوعية إلى أخرى، لذلك فإننا نشجع على الحلم وننبذ الوهم لأننا لا نؤمن إلا بما يمكن أن يتحقق، ونثمن كثيرًا على منحة الخيال التى أعطاها الله للبشر وسوف نكتشف أن العظماء فى التاريخ والخالدين فى صفوفهم إنما حققوا ذلك كله عن طريق توظيف أحلامهم وتحويلها إلى حقيقة والانتقال بها من خيال مطلق إلى واقع ملموس، وعندما قال: لدى حلم، وكرر ذات العبارة أوباما فى حملته الانتخابية الرئاسية فإننا اكتشفنا أن الأحلام قابلة للتحقيق وأن الخيال يمكن توظيفه إذا وقف وراءه عقل رشيد وإرادة صلبة، وأضرب لذلك عددًا من الأمثلة: أولًا: إن الحديث عن الوحدة العربية التى ظللنا نلوكه عقودًا وعقودًا أصبحت أقرب إلى الوهم منها إلى الحقيقة، وقد يكون التعبير صادمًا، ولكن لا يصنع الحقيقة إلا مجموعة من الصدمات، فالحديث اليوم عن مشروع للوحدة العربية فى ظل غياب التنسيق السياسى والتكامل الاقتصادى والإرادة القومية يبدو كمن يبحث عن رابطة عنق وهو عريان تمامًا ليس لديه ما يرتديه لكى يستكمله برابطة العنق التى يتحدث عنها بغير وعي. ثانيًا: إن الخيال ليس ترفًا ولا نوعًا من المظهرية، ولكنه آلية بشرية لتحقيق الأحلام واستبعاد الأوهام، ولقد اكتشفنا دائمًا أن عظماء التاريخ وقادة الرأي قد امتلكوا سعة فى الخيال وبعدًا فى الرؤية وشمولًا فى النظرة مدعومة كلها بإرادة حديدية تتحدى الصعاب وتجتاز العوائق وتمضى نحو غايات واضحة وأهداف محددة. ثالثًا: إن ترتيب أولويات الذهن وجدولة آليات التفكير هى التى تصنع النجاح وتسحق الفشل، بل وتحيله إلى إنجاز يصب فى مصلحة من أخفق، والنماذج كثيرة والصور متعددة، ولابد أن كلًا منا يملك فى ذاكرته أمثلة لما نقول ونماذج لما نشير إليه. رابعًا: إن فقه الأولويات هو الذى يفرق بين شخص وآخر، فقدرة العقل على التمييز بين المهم والأهم والأكثر أهمية هى التى تسمح لصاحبها بأن يتخذ القرار الصحيح وفقًا لمعطيات سليمة تقوم على إدراك كامل لمعنى الأسبقية الفعلية وفقًا لخيال صاحب القرار، ولقد أدركنا دائمًا أن غياب هذه الصفة لدى بعض الناس يؤدي إلى كثير من الخلل فى التفكير والاضطراب فى التنفيذ ويضع صاحبه أمام إشكاليات معقدة ومواقف حادة لا يمكن علاجها إلا بمعاناة وقلق وصعوبات على الطريق. خامسًا: لقد قال أمير الشعراء: وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابًا، وهذا البيت الشعرى يجسد إلى حد كبير أهمية الإقدام والشجاعة إذا اكتملت الرؤية وتحول الخيال إلى مراحل قابلة للتنفيذ دون السقوط فى مبالغات غير صحيحة أو توقعات غير دقيقة، فالحسابات العقلية لازمة لحماية الخيال من التعثر على طريق التطبيق الواقعي، فالحياة حافلة بالمصاعب والمتاعب لذلك فإن التفكير العلمى السوى هو الذى يساند الخيال السليم وبهما يحلق المرء إلى آفاق عالية تطلع إليها وتعلق بها. سادسًا: إن الخيال ليس له حدود، ومن حق المرء أن يتخيل دون ضوابط ولكنه يرتب أولويات خياله وفقًا للواقع على الأرض وما يحيط به من حسابات وما يمكن أن يتعرض له من صعوبات، فميزة الخيال أنه حق مطلق أما الوهم فهو تعبير عن لحظات بؤس وضعف إرادة وسوء فهم. سابعًا: نعود مرة ثانية إلى قضية الوعى ومساحة الثقافة اللتين تدعمان قاطرة الخيال وتدفعان بها إلى الأمام إذ أنه ليس من شك فى أن عمق الوعى واتساع دائرة الثقافة فى المحيط الذى يعيش فيه صاحبه والتخصص الذى يعمل من خلاله هى عامل مهم فى إنجاح مسيرته وإعطائه دفعة للانتصار على العوائق والأخطاء التى تعترض مسيرته. هذه ملاحظات سبع أردنا بها توصيف مسألة الخيال البشرى وقدرته على استشراف المستقبل واستلهام ما هو قادم لأن رحابة الخيال وسعة الأفق هما تعبيران عن العقل الرشيد والفكر السليم والنفس السوية.