الأدب طبع وسلوك، مطلوبان فى كل وقت ، ولكن التزامهما عند الاختلاف أوجب، لأن التزام الأدب عند الاتفاق شميلة طيبة وكفى ، ولكنه عند الاختلاف سلوك حضاري، وأمان وسلام وضمان يحمى من الشطط الذى يحول الاختلاف إلى خلاف، ثم إلى خصومة ثم اعتراك واقتتال. الاختلاف بين الناس فى الخلقة وفى العلم وفى التفكير والرأي، سنة كونية ، قال فيها القرآن الحكيم: «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ» (هود 118) . إن الله تعالى لو أراد أن يكون الناس طرًّا على شاكلة واحدة لجعلهم أمة واحدة، ولكن لا يزال الناس مختلفين ، فتلك حكمته وسنته فى كونه . أدب الاختلاف إذن ضرورة حضارية ، استلزمها أن الاختلاف واقع حتمى ، فلا يتفق الناس جميعًا فى خلقتهم وفى عقولهم وملكاتهم ومداركهم ، وفى علمهم ومعارفهم ، وفى تفكيرهم وآرائهم .. أدب الحوار، و أدب الاختلاف ، ثقافة .. فمن يملك الحجة لا يحتاج إلى الهدير والصياح ، ولا يحتاج إلى السب والقذف والإيذاء .. فحجته تغنيه، وأدبه فى الحوار والنقاش بل والاختلاف يثريه ، ونقد العمل لا يبرر ولا يحتاج إلى سب صاحبه . كان أستاذنا المرحوم الدكتور رمزى سيف، أستاذ المرافعات القدير ، يعلمنا فى مدرج كلية الحقوق أن نختار عباراتنا فيما نكتبه من طعون أو نبديه من مآخذ ، وينبهنا إلى نقد الحكم لا المحكمة. مع أن المحكمة هى التى أصدرت الحكم ، ولكن نقد الحكم والإشارة إلى مواضع الخطأ فيه أدب لا يتحقق لمن يوجه كلامه إلى المحكمة التى أصدرته .. والنتيجة المتغياة محققة، بل هى أقرب للتحقيق عند نقد الحكم، فهو هدف الطعن ومعقد الرجاء فى إلغائه أو تعديله، وعلمنا المرحوم الدكتور رمزى سيف أن اختيار الألفاظ فى نقد الحكم أدب، فعبارة أخطأه التوفيق، أو جانبه الصواب، أو جانبه السداد، عبارات تؤدى المعنى المراد، وتغنى من ثم عن العبارات الثقيلة التى ربما ظن القائل أنها أوفق، بينما قد تنفر السامعين أو المتلقين ، أو تستجلب السخط والامتعاض!. من الظواهر المؤسفة أن يتوارى أدب الكلمة، وأدب الخطاب أو الحوار أو الاختلاف، وتتفشى ما سميتها سلفًا بثقافة الصخب والصياح والهدير. من تسطيح الأمور والمغالطة الفجة، أن نخلط بين الرأى وهو مباح ومطلوب ، وبين الشتم والسب والقذف ، وهو جرم يعرض للشرف والكرامة والاعتبار ، وأحيانا للأعراض .. ومن يتابع الجارى الآن فى بعض الفضائيات وبعض الصحف، سيجدها حافلة بأقذع عبارات السب والقذف والتجريح والاتهام والإهانة، ونشر الفضائح أو تأليفها واختراعها ، والخوض فى الشرف والاعتبار والأعراض .. ولن يعثر الباحث وسط هذا الغثاء على رأى حقيقى يجرى الحوار أو التقارع حوله!. على مدار عشرات السنين ، قبل وبعد 1952، ضاقت الحريات أو اتسعت لم يجر خلط قط بين الرأى والسب .. ظل الرأى رأياً حتى وإن ضاق به البعض وضيقوا الخناق عليه أو افتعلوا الأسباب لملاحقته أو عقاب أصحابه ، وظل السب سبَّا لا يجادل أو يمارى فيه العقلاء ، ويرونه غير جدير بأمة لها ما لنا من الموروث الدينى والثقافى والحضارى والمعرفى .. ولم يسبق فى أى عهد، أن شهدت مصر ما نشاهده الآن من انتشار ما أسميته سلفا ثقافة الهدير، وقد انتقلت هذه الثقافة المعيبة من مجرد الصخب وعلو الصوت والضوضاء والضجيج، إلى قاع البذاءة والسباب والشتائم والتغوّل فى الشرف والاعتبار والأعراض .. وهو تغوّل لا يبيحه قانون، ولا ترتضيه شريعة ، حتى ولو كان موضوع السب صحيحا، لأن القانون لا يبيح السب لأنه تعييب صرف وإهانة لا مبرر ولا حجة لها ولا غاية نظيفة ترتجى منها .. وهو غير الطعن فى أعمال الموظف العام أو صاحب الصفة النيابية العامة أو المكلف بخدمة عامة .. فالطعن فى الأعمال وإن صار قذفاً ينصرف ولغايةٍ عامة إلى نقد الأعمال لا إلى سب وشتم وإهانة الأشخاص .. لذلك كان الطعن فى مثل هذه الأعمال مباحا متى التزم أدب وملاءمة العبارة ولم يخرج عن دائرة الموضوع إلى السب الشخصى المقصود لذاته بقصد الإهانة والتحقير ! من يتابع سيل القضايا التى وجدت طريقها إلى ساحة القضاء، أو دفعت إليها ، سوف يرى أن غالبيتها الغالبة جرائم سب وليست قضايا رأى .. ومن الغريب ونحن نعانى من جرائم سب وشتم وقذف، ولا نعانى حقيقة مما يحلو للبعض أن يطلقوا عليه جرائم رأى .. من الغريب أن نطلق الحبل على الغارب لهذا السباب وتلك الشتائم بتسطيح العقوبة والمطالبة بمزيد من تسطيحها .. مع أن انتشار الجريمة يوجب تشديد العقاب لا تسطيحه أو إلغاءه .. وقد كان من نتيجة ذلك أن انفلت الزمام وجمحت الشتائم والسباب تحت شعار الرأى وما هى برأى ، وأصيب كثير من الناس فى أمانهم وكرامتهم واعتبارهم وأعراضهم! ترك هذا الحبل على غاربه هو دعوة لكل مضرور من سب وقذف وإهانة أن يأخذ حقه بيده .. وأخذ الحق باليد فتح ويفتح أبواباً لن تنغلق لمزيد من هذا الوباء الذى انتشر بالهدير والإهانة والسباب والتحقير ، وتراجع العقل والوقار.. فهل هذا هو حقًا ما نريده ؟! * نقلا عن صحيفة الأهرام