في الحلقة الأولى من مسلسل "لما كنا صغيرين" بنت تشاجرت مع صاحبها، وقالت له بالحرف الواحد (إحنا طول عمرنا بنحب بعض ليه بقة قفشت لما قولتلك نتزوج؟ الرد من الهمام: أنا مش بحب حد يخنقنى أنا لما أحب أتجوزك هاتجوزك، البنت: طب قولى إمتى عشان أخلص من اللى فى بطنى)!! والسؤال هو الجواز حاجة والحمل والخلفة حاجة تانية؟ ولم تكن صدفة أن يتعاطف المشاهدون مع اللصوص في مسلسل "ب100وش"؛ بل وصفقوا لهم بعد نجاح خطتهم في السرقة. وكان الناس على وجبة يومية من العنف في دراما رمضان كالعادة منذ أن وضعت فوضى يناير أوزارها في التدمير الناعم للحق والعدل والأسرة، وأصبح الشر هو البطل، والإبداع في توظيفه هو التيمة التي استسهل كتاب الدراما في حبكتها، وكان الحل هو الخلاص الفردي واستعادة الحقوق بالذراع وليس بالقانون، وهذا ما حدث في مسلسل البرنس وخيانة عهد والفتوة. وقد عرفت السينما المصرية خلال تاريخها نمط الخارج على القانون فى أفلام من عينة «جعلونى مجرما» و«اللص والكلاب» و«كلمة شرف»، وبعضها قدمت البطل الذى اضطرته ظروفه الاجتماعية وقسوة المجتمع إلى أن يسلك سلوكا عنيفا، لكن صناع هذه الأعمال كانوا يدركون دوما أن الانتصار لهذه النماذج يمثل خطيئة كبرى فى حق القيم الإنسانية وحق المجتمع الذى يتأثر بهم وبأعمالهم؛ وذلك علي عكس ما يحدث الآن من تقديم البطولة في صورة أسطورية، يفعلون كل شيء ولا يعاقبهم أحد وقد شهدت السنوات الأخيرة ارتفاعًا فى أعداد المشاهد التى تقدم العنف والدم والمخدرات، وتصور الخروج على القانون بطولة، وتمنح البطل قدرات فائقة فى تجاوز كل الأعراف، وقد عبرت عدة جهات عن قلقها من تزايد عدد المشاهد التى تقدم عنفًا صارخًا؛ خاصة ضد النساء والأطفال، وعلى سبيل المثال شهدت قرية الخواجات التابعة لمركز يوسف الصديق بمحافظة الفيوم واقعة مؤسفة؛ حيث أجبر بعض الأفراد زوج ابنتهم على ارتداء قميص نوم وطافوا به في شوارع القرية. ولا تزال قضية شهيد المروءة محمود البنا، الذى راح ضحية بلطجة وعنف محمد راجح توجع ضمير الأمة بدون أن تترك أي أثر على صناع الدراما في هذا البلد؛ خاصة بعد توقف قطاع الإنتاج بالتليفزيون المصرى عن الإنتاج، وترك ساحة الدراما للقطاع الخاص منفردًا، وفى إطار البحث عن الربح حاول صناع تلك الدراما التماهى مع سينما «البلطجة»، وقدموا عددًا من الأعمال التى أثرت بشكل كبير فى المجتمع.. هذا المجتمع الذى صار بالفعل حادًا وعنيفًا واعتاد على مشاهدة القتل والدم فى الطرقات، وفى نشرات الأخبار منذ فوضى 25 يناير التى شهدت الكثير من الانفلات الأمنى. وتعرض الناس خلالها للعنف فى الميادين، وكان الخلاص الفردي للكثيرين محاولةً للخروج من المأزق المجتمعي على حساب القيم والثوابت، معللين ذلك بالكثير من المبررات والحيل الدفاعية، بداية من فقدان الثقة في النهضة المجتمعية، ومرورًا بالتعلل بالحياد فيما يخص التقدم والفساد والظلم ونهاية بالاعتراف بعدم جدوى التمسك بالقيم ليصبح بذلك الخلاص الفردي هلاكًا للمجتمع. والكارثة أن صناع الفوضي والإرهاب والخلاص الفردي أصبحوا نجومًا ومؤثرين وعلى رأسهم عادل إمام الذي يتشابه في مشواره مع محمد رمضان ؛ حيث إن معظم شخصيات عادل إمام مذنبة وتستحق اللوم بشكل أو بآخر، كما في الحريف والمشبوه؛ تحمل الماضي على عاتقها، وتلهث في محاولة للانعتاق منه، كان بطلًا ولد من رحم الشارع المصري، الأمر الذي خلق حالة من الألفة بينه وبين الجماهير عند ظهوره على الشاشة. الجمهور الذي يريد أن يرى أحلامه تتحقق عن طريق شخص يشبههم، رجل الشارع الذي يتميز بالسمار المصري والحزن العميق المختفي وراء الوجه الساخر والملامح المتشققة والكرش الظاهر والظهر الأحدب قليلاً والروح الخفيفة المتحايلة التي تظهر في أحلك الأزمات. كان عادل إمام «صورة صالحة للوضع في جميع البطاقات الشخصية»، كما قال عنه الروائي الكبير خيري شلبي. كثير من الأحيان يلجأ إلى العنف والانتقام القاسي مثل نهاية «سلام يا صاحبي» أو المشهد الأهم في مسيرته في نهاية فيلم «الغول» حين يوجه ضربة قاتلة إلى رأس فهمي الكاشف «فريد شوقي»، يخلص الناس من «قانون ساكسونيا»، ويجلس بأريحية تامة هاتفًا «فين البوليس، ابعتوا هاتوا البوليس». هذه المشاهد العنيفة والدموية رغم عدم اتساقها مع هيئة عادل إمام فإن العنف فيها مقبول وله معنى، لأن عادل قدّم صورة البطل الشعبي صاحب الحلول الفردية في ذهن المصريين، من لا يشترط فيه أن يملك بنية قوية، وإنما فقط القلب الميت، الأمر الذي ظهر واضحًا بشكل أكبر في «شمس الزناتي». وفِي ظن كثيرين أن مسرحيتي "مدرسة المشاغبين" و"العيال كبرت" كان لهما أسوأ الأثر في إسقاط هيبة المدرس والمدرسة والعائلة، وكل ما هنالك أننا أحوج ما نكون إلى عدالة من غير جلاد؛ لأن المخيف هو هذا العزف المتواصل على وتر الخلاص الفردي في غياب ثقافة قومية تحذر الثيران الملونة من مصير الثور الأبيض.