هل تتوقع يومًا أن ترى مذيعك المفضل، سواء الذي تتابعه حاليًا، أو ربما عايشته وعشقت طلته على الشاشة في فترة الطفولة أو الشباب، وقد أطل عليك من جديد، بنفس وجهه وحركاته وطريقة كلامه، وكأنه حي يرزق، لكنه في الحقيقة مذيع افتراضي أو آلي!!! فليس هناك ما يمنع مستقبلا أن تفاجأ يومًا بأن باقة من البرامج الجديدة سيقدمها أشهر مذيعي التلفزيون المصري في عصره الذهبي، أمثال سلوى حجازي، وأماني ناشد، وسميحة عبدالرحمن "ماما سميحة"، وهمت مصطفى، وليلى رستم، وأحمد سمير، وأحمد فراج".. قد يكون كلامًا غريبًا، لكن السر يكمن في الذكاء الاصطناعي، الذي قد يجعل كل ما تتخيله حقيقة لا خيالًا، وهو ببساطة العلم الذي يعنى بكيفية صنع حواسيب وبرامج قادرة على اتخاذ سلوك ذكي، وبه تحاكي الآلات والبرامج القدرات الذهنية البشرية وأنماط عملها، مثل القدرة على التعلم والاستنتاج. ففي خطوة هائلة، تحمل تهديدًا للمذيعين من البشر، أطلقت الصين أول قارئ نشرة تليفزيون في العالم يعمل بتقنيات الذكاء الاصطناعي. إإنه القارئ الآلي "كيو هاو" الذي قدمته وكالة الأنباء الصينية "شينخوا" بالفعل لمشاهديها، وهو لا يختلف كثيرًا عن المذيع التقليدي؛ حيث ارتدى بدلة رسمية وربطة عنق حمراء، فضلا عن تعبيرات وجهه التي تشبه التعبيرات البشرية؛ حيث كان يرفع حاجبيه قليلا أو يغلق عيناه أثناء قراءة الأنباء، ويمكنك مشاهدته بالدخول على محركات البحث من خلال هذا الرابط : https://youtu.be/GAfiATTQufk "كيو هاو" عرّف نفسه للمشاهدين في أول ظهور له، ووعد بأنه سيظل مرافقًا لهم على مدار 365 يومًا من أجل إطلاع الجمهور على كل جديد يحدث في العالم، دون تعب أو كلل، يعني مذيع بدون إجازة سنوية أو حتى مرضية! المثير في الأمر، وكما قلنا، أن صورة وجه وجسد المذيع مأخوذة من مذيع حقيقي يعمل بالقناة، في حين تكفلت تقنيات الذكاء الاصطناعي بالعمل على تعبيرات الوجه وحركة الشفاه أثناء قراءة الأخبار. ولم يكن مفاجئًا أن تعلن شركة التقنية التي أنجزت المشروع أن هذه النسخة من المذيع الافتراضي سوف تتطور بشكل كبير من خلال النسخ القادمة من هذه التجربة التي لا تزال في مراحلها الأولى؛ برغم أنها قامت تقريبًا بمحاكاة الواقع. وتراهن وكالة الأنباء الصينية، أن مذيعها الجديد قادر على قراءة وإلقاء أي نص كما يفعل المذيع البشري، برغم اعترافها أن مخارج بعض الكلمات والحروف لم تصل إلى درجة التطابق التام. هذه التجربة بلا شك تهدد بقوة آلاف الإعلاميين حول العالم، الذين ربما يجدون أنفسهم خارج المهنة خلال سنوات قليلة مع استمرار تطوير هذه التقنية.. فما الحاجة إليهم وقد توافرت نسخ افتراضية منهم وتحقق نفس حضورهم على الشاشة، وفى النهاية بلا أجور، اللهم إلا أجر الصيانة، ما يعني وفرًا يقدر بملايين الدولارات مع المذيعين البشريين. دعك من أجور أشهر المذيعين العرب اليوم، برغم أن تقدر لبعضهم بالملايين، فنظرة واحدة على أجور أشهر مذيعي العالم، تدرك من خلالها حجم الوفر الذي يمكن أن تحققه أي قناة تليفزيونية إذا استغنت عن "النسخة البشرية" واستعانت ب"النسخة الافتراضية"!! مجلة "فوربس" الشهيرة رصدت أشهر مقدمي البرامج الأعلى أجرًا لعام 2016، تفوق عدد كبير منهم في برامج "التوك شو" وبرامج الفن والمواهب، ومنهم د.فيل ماكجراو، ويقدر دخله من برنامج "التوك شو" الخاص به 88 مليون دولار، وهوارد ستيرن الملقب ب "ملك الإعلام" 85 مليون دولار، ألين ديجينيرس 75 مليون دولار سنويًا، ريان سيكريست مقدم برنامج المواهب الشهير "أمريكان إيدول"، 60 مليون دولار سنويًا.. أما أوبرا وينفري أشهر مذيعة أمريكية، فهي خارج المنافسة. وبرغم إيجابيات الذكاء الاصطناعي المتطور وقدرته على تحسين العالم ومكافحة الأمراض، ورفع مستويات الرعاية الصحية، لكنه قد يتسبب بخسارة كثير من الأشخاص لوظائفهم لحلول الروبوتات محلهم، فالأعوام القليلة المقبلة ستشهد اختفاء حوالي 47% من الوظائف في الولاياتالمتحدة وحدها بسبب الذكاء الاصطناعي، وقد يصل اضمحلال الوظائف إلى مليون وظيفة قبل حلول العام 2026، مثلما حذر رئيس مركز الذكاء الاصطناعي والروبوتي في معهد الأممالمتحدة لبحوث الجريمة والعدالة، إيركلي بيريدز. وجاء التحذير الأقوى من، عالم الفيزياء الشهير ستيفن هوكينج، الذي قال إن تطوير ذكاء اصطناعي كامل قد يمهد لفناء الجنس البشري، محذرًا من قدرة الآلات على إعادة تصميم نفسها ذاتيًا، وهو ما قلناه في مقالة سابقة بعنوان: ("صوفيا" لاتحمل الخير للبشر!)، حين حذرنا من "صوفيا" الروبوت التي نالت الجنسية السعودية، وحتى بيل جيتس نفسه أعرب عن رغبته في بقاء الروبوتات غبية إلى حد ما، قائلا "أنا في معسكر من يشعر بالقلق إزاء الذكاء الخارق". وبرغم كل هذه المخاوف؛ يرى بعض صناع القرار أن اختفاء قدر كبير من الوظائف يقابله بوادر ومؤشرات على رفاهية الإنسانية ورخاء المجتمعات، فقد يستحدث الذكاء الاصطناعي مئات الملايين من الوظائف الجديدة في الاقتصادات الناشئة، وقطاعات التطوير التقني، ومجالات الخدمات التخصصية. فهل ترى أن هذه التجربة ستهدد بالفعل آلاف الإعلاميين حول العالم، قل لي بربك: إذا خيروك بين متابعة مذيعي النشرات وبرامج "التوك شو" العرب حاليًا، فأيهما تختار أن يظلوا معك "نسخا بشرية" كما تعودت؟ أم تفضل أن يطلوا عليك "نسخًا افتراضية"؟ "كده أنا اتفاجئت!".. واضح أن فيه إجماع!!!