تحتفظ فرنسا بتاريخ طويل من الحركات الاحتجاجية التى سطعت وخبتت ابتداء من ضرائب الوقود إلى زواج المثليين، لكن ما يميز حركة «السترات الصفراء» ودفع الحكومة إلى الاستسلام لها هو آلية انتشارها عبر مواقع التواصل الاجتماعى دون ان يكون لديها قيادة، بالاضافة إلى تنوع اطياف مؤيديها سياسيا واجتماعيا.
وقد اجمع مسئولون فرنسيون على ان استمرار الاحتجاجات سيلحق باقتصاد البلاد أضرارا جسيمة، ولا سيما بعد تباطؤ النمو خلال النصف الاول من العام الجارى على خلفية الطقس السيئ والاضطرابات العمالية. وعلى الرغم من تعافى النمو خلال الربع الثالث فإنه من المتوقع ان يكون بوتيرة بطيئة. ويتوقع البنك المركزى الفرنسى انخفاض معدل النمو العام الجارى إلى 1.6% مقارنة ب2.3% فى 2017.
انخفضت مبيعات المتاجر الكبرى فى باريس 18% خلال «السبت الاسود» الماضى بعد انخفاضها 35% خلال السبت السابق وذلك وفقا لإحصاءات اتحاد الغرف التجارية الذى حذر رئيسه من خسائر بمليارات من اليورو بسبب احتجاجات حركة «السترات الصفراء».
الحكومة الفرنسية علقت الثلاثاء الماضى الزيادة فى ثلاث ضرائب على الوقود لمدة ستة اشهر اعتبارا من الاول من يناير استجابة للاحتجاجات التى اجتاحت البلاد وأدت لأعمال شغب واسع النطاق وتخريب فى باريس مطلع الاسبوع الماضى. ووفقا لمسئول حكومى تعليق الزيادة سيكلف الدولة مليارى يورو بحسب رئيس مركز الآثار الوطنية الفرنسية فيليب بيلافال تقدر تكلفة الأضرار الجسيمة التى لحقت بقوس النصر بنحو مليون يورو. كان وزير المالية الفرنسى حذر من أن بعض القطاعات سجل تراجعا بنسبة 25% فى مبيعاتها، وحذر خبراء بنك باركليز من تراجع الاستهلاك المحلى بما سيؤثر على النمو خلال الربع الحالى الذى يشمل موسم تسوق الكريسماس.
تكشف بيانات رسمية عن انخفاض حاد فى ثقة المستهلكين بما يعكس مخاوف المتظاهرين من ارتفاع التضخم وانخفاض مستويات المعيشة وارتفاع معدلات البطالة. وسجلت البورصة الفرنسية تراجعا مع اشتعال الغضب فى شوارع باريس. وأسوأ أداء كان من نصيب سلسلة «كارفور» التى هبط سهمها 2.1%، أما سلسلة «اكور» للفنادق فهبطت 1.6% كما تراجع سهم شركة أيرفرانس 2.7%
ورأى المحللون علاقة وثيقة بين هبوط البورصة الفرنسية واعمال الشغب فى ظل مخاوف المستثمرين إزاء تداعيات اشتعال المظاهرات على السياحة والاقتصاد. كانت انتفاضة «السترات الصفراء» تفجرت يوم 17 نوفمبر الماضى فى تحد هائل امام الرئيس البالغ من العمر 40 عاما مع تدهور شعبيته بسبب اصلاحات اقتصادية اعتبرها البعض فى صالح الاغنياء، وضمت حركة «السترات الصفراء» مؤيدين من مختلف الاعمار والمهن والمناطق وبدأت على الانترنت كرد فعل على رفع اسعار الوقود لكنها تحولت إلى تعبير اوسع عن الغضب لارتفاع تكاليف المعيشة على الطبقة المتوسطة.
بحسب ماكرون فإن الضرائب على المحروقات جزء من خطة لمحاربة تغير المناخ وإقناع السائقين الفرنسيين بالاستغناء عن السيارات التى تعمل بالديزل والاقبال على أنواع أقل تلويثا للبيئة. يذكر انه عندما وصل ايمانويل ماكرون للسلطة فى فرنسا، جعل البيئة من اولويات اجندته. وبعد مضى 18 شهرا، تفجر الغضب بسبب هذه السياسات. وتلقى محنة ماكرون الضوء على مشكلة صعبة تتعلق بكيفية تطبيق القادة لسياسات يمكن ان تعود بالنفع على المدى الطويل لكنها يمكن ان تضر بفرص إعادة انتخاب هؤلاء القادة.
ويرى فرانسوا جومين الخبير بمعهد الدراسات السياسية بباريس ان الدول التى بها اعلى مستويات التفاوت هى الدول الاكثر عرضة لمثل هذه التداعيات. وقال جومين ان ايطاليا والولايات المتحدة وبريطانيا الاكثر عرضة لهذا الرد العنيف من قبل الناخبين موضحا ان هذا أحد اسباب عزوف الزعماء الشعبويين عن دعم قضايا المناخ والإجراءات البيئية. وفى فرنسا خفف ماكرون من تعهداته الانتخابية المتعلقة بالبيئة منذ توليه السلطة واستقال وزير البيئة فى حكومته فى اغسطس بسبب بطء وتيرة التقدم.
ويهدف ماكرون إلى خفض انبعاثات فرنسا من الكربون 40% بحلول عام 2030 وتعزيز الطاقة النظيفة فى الوقت نفسه. وتتزايد الانبعاثات فى الوقت الحالى ويلبى الوقود الأحفورى 75% من استخدامات الطاقة فى فرنسا.