إيمان عمر الفاروق عادة ما تتقاذف موجات المد والجذر أمزجة الشعوب تجاه مختلف القضايا، إلا أنها أخيرا دفعت الشعب الأمريكي ليرسو علي شواطئ الدم والنار، ويُعلن تأييداً واسعاً النطاق لتوسيع نطاق العمليات العسكرية ضد " تنظيم الدولة الإسلامية "، لتشمل إرسال قوات برية إلي كل من العراق وسوريا، تطورا أصاب البعض بالفزع الذي سرعان ما تلاشي جراء عمليات النبش في سجلات الحروب السابقة التي تؤكد أنه موقفا يترافق مع المراحل الأولي من العمليات العسكرية، لكنه لا يصمد طويلا أمام التكاليف الباهظة لاسيما الخسائر البشرية. وتقدير مدي خطورة هذا التحول الجذري في المزاج العام للشعب الأمريكي، مرهون أساسا بالإجابة عن سؤال محوري، ألا وهو حجم الدور المؤثر الذي يلعبه "الرأي العام " في عملية صنع القرار بالولاياتالمتحدةالأمريكية، وهل يحتل مقعدا متميزا بموائد جنرالات الحرب؟ بداية نحن أمام ثلاثة مصادر رصدت هذا التحول الدراماتيكي هي مركزي "جالوب" و"بيو" الشهيرين في مجال دراسات الرأي العام، ومحطة "سي بي إس " الإخبارية الأمريكية، في ثلاثة استطلاعات للرأي العام الأمريكي جرت في شهر فبراير الماضي، وكانت نتائجها صادمة فيما يتعلق بتوسيع نطاق العمليات العسكرية ضد تنظيم الدولة الإسلامية، والإرهاب كمصدر تهديد لأمن الولاياتالمتحدةالأمريكية. الاستطلاع الذي أجراه مركز "بيو" رصد تحولا هائلا في غضون الأشهر القليلة الماضية، لصالح توسيع نطاق الحرب ضد "داعش" علي نحو ما كشفت إجابة البعض عن رأيهم في إرسال قوات برية إلي كل من العراق وسوريا لمحاربة "داعش " فبينما كانت نسبة التأييد 39 % مقابل 55% معارضة إبان شهر أكتوبر من العام الماضي، بلغت نسبة التأييد 47% مقابل 49% معارضة في الاستطلاع الأخير بشهر فبراير الماضي. وتراجعت نسبة من يعتبرون أن الاستخدام المفرط للقوة العسكرية من شأنه أن يخلق مزيداً من الكراهية ويُولد موجات من العنف المضاد، تراجعت من 57% إلي 46%. استطلاع محطة "سي بي إس " كانت نتائجه كاشفة وصادمة بدرجة أكبر، حيث بلغت نسبة التأييد لإرسال قوات برية لمحاربة "داعش" إلي كل من العراق وسوريا 57%، ويترافق ذلك مع تطور آخر تمثل في زيادة نسبة من يعتبرون أن داعش باتت تشكل تهديدا مباشرا لأمن الولاياتالمتحدةالأمريكية، والتي قفزت من 58% إبان شهر أكتوبر 2014، لتسجل زيادة قدرها سبع نقاط أخيرا. أما "الإرهاب " كأحد أهم التحديات ضمن أولويات الأجندة الخارجية للولايات المتحدةالأمريكية، فقد حصد ست نقاط إضافية عن العام الماضي، وفق نتائج الاستطلاع الذي أجراه مركز "جالوب "الشهير، الذي أشار إلي أن تلك هي أعلي نسبة تحصل عليها قضايا الإرهاب منذ يناير 2010. ولكن من الأمور اللافتة للنظر والمتعارضة بدرجة كبيرة، تباين نسبة من يعتبرون الإرهاب كأحد أهم مصادر التهديد للأمن الأمريكي، والتي بلغت 8% وفق نتائج مركز "جالوب" مقارنة بمن يؤيدون التوسع في العمليات العسكرية والتي تصل إلي 57%! جون زغبي - الخبير الشهير في مجال استطلاعات الرأي العام بأمريكا- يري أن هذا النمط من التصويت المؤيد للتوسع في العمليات العسكرية غالبا ما يتشكل بناء علي تصورات خاطئة، تعتقد أنها ستكون خاطفة وسريعة وغير مكلفة، فقد تمتعت الدعوات إلي تبني الخيار العسكري في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر بنسبة تأييد واسعة النطاق، ولكنها من المؤكد كانت ستختلف في موقفها إذا كانت الأسئلة التي تضمنتها استطلاعات الرأي العام آنذاك سؤالا عن المدى الزمني الذي سيتجاوز العامين. إلا أنه من وجهة نظر بعض المحللين، فإن هذا الدعم الشعبي للحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية قد لا يدوم طويلا، بالنظر إلي السوابق التاريخية، وذلك وفقا لما أوردته صحيفة "الواشنطن بوست" بتقرير لها جاء تحت عنوان "الدعم الشعبي لضرب داعش، قد لا يدوم طويلا " قام باستعراض عدد من استطلاعات الرأي العام الأمريكية بصدد حروب قديمة وتوصل إلي نتيجة مؤداها أن اتجاهات الرأي العام الأمريكي بشأن الحروب عامة علي مدي نصف القرن الماضي، تشير إلي أن الشعب الأمريكي عادة ما يُصاب بالفتور، ويشعر بالمعاناة والسأم جراء ويلات الحروب، وذلك علي نحو سريع، فقد تضمن استطلاع رأي عام قام بإجرائه معهد "جالوب "الشهير سؤالا في غاية الدلالة والأهمية بشأن عدد من الحروب منذ عام 1950، وتم توجيه الأسئلة بشأن تلك الحروب بصياغات متباينة، فعلي سبيل المثال ورد سؤال كان نصه "هل تعتقد أن الولاياتالمتحدةالأمريكية ارتكبت خطأ بإرسال قوات قتالية إلي بعض المناطق؟" وقام بالطبع بتسميتها، وكانت الملاحظة الرئيسية التي خلص إليها القائمون علي الاستطلاع أنه عادة في المراحل الأولي من كل حرب سواء كانت فيتنام أم العراق أم أفغانستان ما تميل غالبية من العينة موضع الدراسة إرسال قوات إلي مناطق وبؤر النزاعات المذكورة، وأعربت عن اعتقادها بأن تلك السياسات كانت تتسم بالرشد. ولكن بمرور الوقت وحتى قبل حدوث خسائر فادحة سواء كانت عسكرية أم بشرية شهدت أراؤهم انقلابا حادا في الاتجاه المعاكس تماما، وصارت نسبة تقارب الأغلبية تتبني توجها معارضا تماما لسياسات واشنطن بصدد تلك الحروب والأزمات وتعتبرها بمثابة خطأ فادح. و يري بيترون ماكرجيهل – مدير وحدة استطلاعات الرأي العام بصحيفة "الواشنطن بوست" والذي أشرف علي العديد من استطلاعات الرأي العام الخاصة بعدد من الأحداث المحلية الأمريكية والإقليمية، خصوصاً تلك المتعلقة بالشئون السياسية والانتخابات - أن تفسير ذلك التحول الجذري السريع في اتجاهات الشعب الأمريكي إزاء الحروب يكمن لدي بعض المحللين في الوقائع الدرامية المفاجئة التي تشهدها الحروب عبر مساراتها المختلفة، والتي ربما لم يكن الشعب الأمريكي يتوقعها أو لأنها لم تقع في بؤرة اهتمام وسائل الإعلام الأمريكية قبيل إعلان النفير ودق طبول الحرب. ولكن يُلاحظ أيضا أن تلك الآراء لا تستمر طويلا كما تنبئنا بذلك الخبرات التاريخية السابقة، فعلي سبيل المثال شهد تأييد الرأي العام الأمريكي للحرب ضد العراق، زيادة قدرها ست نقاط في غضون أيام قليلة ،عقب إلقاء القبض علي الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين في ديسمبر 2003، فيما عُرف بعملية "الفجر الأحمر " وهي عملية عسكرية تم خلالها العثور علي صدام حسين داخل الحفرة التي كان مختبئا بها. ففي تلك المراحل الأولي كانت غالبية الشعب الأمريكي تميل إلي الاعتقاد بأن تكلفة الحرب ضد العراق ليست فادحة وأن أهدافها جديرة بخوضها. ولكن لم يستمر شهر العسل بين البيت الأبيض والشارع الأمريكي طويلا، ففي غضون شهريين تقريبا من واقعة إلقاء القبض علي الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين انقسمت الآراء بشكل كبير. وتوصلت دراسة جادة ومهمة بعنوان "الرأي العام الأمريكي والتدخلات العسكرية: هامش المناورة أمام الرئيس في أعقاب الحرب الباردة " والتي تم عرضها بالمؤتمر السنوي لرابطة العلوم السياسية الأمريكية في أغسطس 2013، وقامت بإعدادها الباحثة هيلين ديك، إلي أن الرأي العام الأمريكي وإن كان يلعب دورا مهما في عملية صنع القرار الأمريكية، إلا أن درجة هذا التأثير تتباين من حالة إلي أخري، وثمة عملية تبادلية للتأثير والتأثر بينه وبين المكتب البيضاوي والكونجرس، تعد الحرب بالبوسنة النموذج الصارخ للتأثير البالغ الذي لعبه الرأي العام الأمريكي في قرارات إدارة الرئيس بيل كلينتون، علي خلاف الحرب بالعراق إبان إدارة جورج بوش الابن التي لم تأبه بالمعارضة الداخلية الضارية وربما كان تأثيره محدودا في توقيت الحرب، بحيث تتمكن الإدارة الأمريكية من حشد وتعبئة الشعب الأمريكي لتقبل التدخل الخارجي، وهنا يتضح هامش المناورة أمام الرئيس وإن كان قد أصبح محدودا في أعقاب الحرب الباردة.