بطريرك الكاثوليك يهنئ مار بولس الثالث نونا بطريركًا على الكنيسة الكلدانية    إيران تحتجز سفينتين بمضيق هرمز بعد تمديد ترامب الهدنة    مصرع شخص وإصابة 14 في انقلاب ميكروباص على طريق سفاجا – قنا    صلاح لبن الصحفي في اندبندنت عربية يفوز بجائزة «فيتيسوف» العالمية    ارتفاع كبير في درجات الحرارة ورياح وشبورة، الأرصاد تعلن حالة الطقس اليوم الخميس    "تجارة عين شمس" تتزين باللون الأخضر احتفاء بيوم الأرض العالمي    عودة التوقيت الصيفي .. الحكومة تبرره بتوفير الطاقة.. ومراقبون: يُربك حياة المواطنين ويختصر اليوم    فشل تمرير مشروع قرار لتقييد صلاحيات ترامب في الحرب على إيران    آمال خليل.. صوت الميدان الذي لم يغادر الجنوب    «تاريخ الدولة العلية».. رحلة من مصر إلى إسطنبول في سيرة سياسية نادرة ل«كامل باشا»    الأمين العام للأمم المتحدة: يجب وقف الهجمات على قوات اليونيفيل في جنوب لبنان    نقابة الصحفيين تدين استهداف صحفيتين بجنوب لبنان: جريمة مكتملة الأركان    حملات مكبرة لإزالة الاشغالات في شوارع المنوفية    انطلاق الملتقى التكنولوجي لكلية الحاسبات والذكاء الاصطناعي بجامعة دمياط    مصرع وإصابة 4 أفراد من أسرة واحدة في حادث تصادم بأسوان    «السكة الحديد» تبدأ العمل بالتوقيت الصيفي الجمعة.. هل تتغير مواعيد القطارات؟    متحدث الوزراء: نكثف جهودنا لتوفير السلع الأساسية واحتواء تداعيات الحرب الإقليمية    رئيس الوزراء اللبناني: استهداف الصحفيين وعرقلة وصول الفرق الإغاثية إليهم يمثلان جرائم حرب    عضو صحة النواب: المرحلة الثانية من التأمين الصحي الشامل تبدأ بالمنيا ضمن خطة التوسع بالمحافظات    ترتيب الدوري الإسباني بعد فوز برشلونة على سيلتا فيجو في الجولة ال32    أول شلتر متخصص.. خطة متكاملة لجهاز العبور للتعامل الحضاري مع الكلاب الحرة    اليوم.. قطع مياه الشرب عن منطقة جنوب العاشر من رمضان 24 ساعة    محافظ القليوبية ورئيس جامعة بنها يفتتحان مركز الشبان للذكاء الاصطناعي    محافظ الجيزة يتابع خطط العمل ونسب إنجاز المشروعات بمنشأة القناطر    سبورتنج لشبونة يتخطى بورتو ويتأهل لنهائي كأس البرتغال    حلمي طولان: المال حول وائل جمعة من الزمالك إلى الأهلي    إيران تخوض 4 مباريات ودية في تركيا قبل مواجهة مصر في كأس العالم    قبل صدام الأهلي وماتشيدا.. تاريخ المواجهات السعودية اليابانية في النهائيات الآسيوية    كشف حساب "ليام روسينيور" مع تشيلسي.. سلسلة نتائج مخيبة ورقم سلبي عمره 114 عامًا    إبراهيم عادل: لم أتوقع صفقة زيزو.. وجماهير الأهلي تضعك تحت ضغط أكبر من الزمالك    شريف منير عن مسلسل رأس الأفعى: يضمن بقاء الحقائق في ذاكرة المصريين    نقابة المهن الموسيقية تنفي وفاة هاني شاكر: الحالة تتحسن وبدأت تستجيب للعلاج    كبير الأثريين عن تمثال الشرقية: لم يُكتَشف بالصدفة.. وأي حاجة فيها تل لها علاقة بالآثار    استقرار الدولار أمام الجنيه في البنوك المصرية الخميس 23 أبريل 2026    السيطرة على حريق نشب في محل لبيع الادوات الكهربائيه بمنطقة المنشية بالإسكندرية    القبض على صانعة محتوى بعد نشر فيديوهات مثيرة للجدل    هيئة البث الإسرائيلية: جنديان بسلاح الجو سيتهمان بالتجسس لصالح إيران    متحدث مجلس الوزراء: قانون الأسرة للمصريين المسيحيين جاء بعد حوار مجتمعي    البابا تواضروس الثاني يستقبل وفدًا من كنيسة رومانيا    هيئة البث الإسرائيلية: استياء من القرار الأمريكي بتمديد وقف إطلاق النار مع إيران    20 لاعبا بقائمة غزل المحلة لمواجهة بتروجيت في الدورى    أخبار × 24 ساعة.. الحكومة: الخميس 7 مايو إجازة رسمية بمناسبة عيد العمال    إعلام القاهرة تطلق منصة بحثية متخصصة وتوسع شراكاتها الدولية    عويضة عثمان: الصدقة على الفقير قد تُقدَّم على حج التطوع وفقًا للحاجة    محمد الكحلاوي: سعيد بتكريمي وأتمنى للثقافة الوصول بمكانة مصر وقوتها الناعمة لآفاق عالمية    «الأخبار»تحاور محافظى سيناء فى ذكرى تحرير «أرض الفيروز»    هل إكرامية عامل الدليفري تعتبر صدقة؟ أمين الفتوى يجيب (فيديو)    جهود وزارة الداخلية وقضية النقاب ومصلحة المجتمع    هل الدعاء يُغير القدر؟!    الاعتماد والرقابة الصحية: اعتماد 13 منشأة صحية وفق معايير جهار المعترف بها دوليا    سلاف فواخرجي توجه رسالة مؤثرة للمصريين.. ماذا قالت؟    نائب وزير الصحة يترأس اجتماع لجنة الأجهزة التعويضية.. تبسيط الإجراءات وتسريع الصرف في صدارة الأولويات    خالد الجندي: زوال الأمم مرتبط بالفساد والظلم.. والقرآن الكريم يربط بشكل واضح بين الظلم والهلاك    بالصور.. قافلة طبية لعلاج المرضى الأولى بالرعاية بمركز ملوى    جامعة العريش تُتوِّج «الأم المثالية على مستوى الكليات لعام2026»    وزنه 5 أطنان وارتفاعه 240 سم.. تفاصيل العثور على تمثال أثرى ضخم بالشرقية.. فيديو    شيخ الأزهر يحذر من خطورة تسليع التعليم ويؤكد: لا لعزل الأبناء عن ماضي أمتهم    وزيرا «الصحة» و«النقل» يبحثان تطوير سلاسل الإمداد الدوائي ودعم الجهود الإنسانية لغزة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



وزارة الثقافة تجاهلت ذكرى رحيله الأربعين.. طه حسين «ثورجى» بدرجة «عميد»
نشر في الأهرام العربي يوم 04 - 11 - 2013


سيد محمود حسن
يبدو أن وزارة الثقافة تخاف طه حسين، فقد مرت الأسبوع الماضي الذكرى الأربعون على رحيله من دون أن تلتفت الوزارة إلى هذه المناسبة المهمة، ليس من باب الإهمال كما يقول وزير الثقافة الدكتور صابر عرب، الذي سألته بوضوح: هل تجاهلت الوزارة المناسبة؟ فطلب عشر دقائق مهملة ليتمكن بعدها من مراجعة قيادات الوزارة وإعلامي ببرامج أعدت في وزارته للاحتفال بالعميد، البرامج التي أبلغني بها الوزير موزعة على مختلف قطاعات الوزارة، فالهيئة العامة لقصور الثقافة مثلا تعد لمؤتمر مركزي يعقد بمحافظة المنيا، مسقط رأس عميد الأدب العربي بالتذكير بجلال المناسبة، في حين تبدأ هيئة الكتاب نشر سلسلة من الأعمال الأكاديمية التي تعرضت لمنجزات طه حسين في مختلف المجالات، كما شكل المجلس الأعلى للثقافة لجنة برئاسة الدكتور جابر عصفور تضع برنامجا للاحتفال ليكون العام 2013 / 2014 عاما لطه حسين، كما تستكمل دار الكتب نشر تراث العميد، وهي الخطة التي بدأت قبل عشر سنوات ولم تنته حتى الآن؟
لكن السؤال: هل تعيد هذه البرامج طه حسين إلى الناس مجددا وأية أفكار من أفكاره لا تزال صالحة للاستعمال؟
للإجابة عن هذا السؤال نعود إلى حدثين لفتا النظر بقوة خلال الفترة الماضية الأول، صورة لطه حسين كانت من بين أعمال الجرافيتي التي ملأت شوارع مصر عقب ثورة 25 يناير، وحولها مجموعة من الإرشادات تدعو المواطنين إلى عدم التحرش والالتزام بسلوكيات عامة في الشارع لضمان نظافته، أما الحدث الثاني فقد ارتبط بمحاولة لكسر قاعدة تمثال طه حسين في المنيا وسرقته، وهي واقعة اختلطت الأنباء في تفسيرها، فبينما اتهم لصوص بتنفيذ الجريمة رأى آخرون أن قوى الإسلام السياسي تقف وراء الواقعة لتستكمل ثأرها من عميد الأدب العربي المتهم التاريخي بإزعاج السلطات وإثارة قلق القوى المحافظة وممثلي الإسلام السياسي؟
وقد بدأت معركة عميد الأدب العربي مع هؤلاء منذ نشر كتابه الشهير "في الشعر الجاهلي" الذي صدر في العام 1927 وأثار معارضة شديدة لأنه يقدم أسلوبا نقديا جديدا للغة العربية وآدابها. يخالف الأسلوب النقدى القديم المتوارث. هذه المعارضة، قادها رجال الأزهر. واتهم طه حسين في إيمانه، وسحب الكتاب من الأسواق لتعديل بعض أجزائه. وقامت وزارة إسماعيل صدقى باشا عام 1932م بفصله من الجامعة كرئيس لكلية الآداب. فاحتج على ذلك رئيس الجامعة أحمد لطفى السيد، وقدم استقالته. ولم يعد طه حسين إلى منصبه، إلا عندما تقلد الوفد الحكم عام 1936م.
وكانت هذه المحطة هي الأولى مع معارك طه حسين مع المحافظين، وهي معركة تواصلت عندما نشر سيرته الذاتيه في كتابه الشهير "الأيام" منطويا على نقد واضح لمناهج التعليم في الأزهر ولشيوخه المحافظين، وهو نقد واجه باتهام ظل لصيقا بطه حسين حتى وفاته وهو اتهامه ب" التغريب" وهي تهمة لها صداها اليوم في المعارك التي تندلع بين االقوى المدنية وممثلي الإسلام السياسي في طرحهم لقضية هوية مصر في الدستور وهي مسألة لفتت نظر الكاتب الشاب محمد خير الذي لمس حضور طه حسين في النقاش الدائر حول الدستور طه حسين، ففي كتابه «من يعيد» الذي أعادت طبعه وزارة الثقافة العام الماضي طبعه، يبرز صاحب "الأيام" رأيه في «تديين الدستور»، أي النصّ على دين رسمي في الدستور المصري الأول 1923. في ذلك الوقت المبكر ( 1927)، رأى «العميد» أنّ ذلك سيخلق مشاكل التمييز بين المسلمين أنفسهم، قبل حتى أن يخلقها تجاه الأقباط واليهود.لكنه كان الرأي الذي لم يؤخذ به، بل صعد «الدين الرسمي» من المادة المتأخرة (149) في الدستور الأول، إلى المادة الثانية بدءا من دستور 1971، ثم أضاف الإخوان المسلمون في دستورهم مادة إضافية «تُمذهب» الدين الرسمي ليصير دين «السنة والجماعة». وغاية ما يُطمح إليه في مناقشات لجنة الدستور المجتمعة في مصر الآن، إزالة المادة المذهبية، مع الإبقاء على مادة الدين الرسمي التي أثارت غضب طه حسين إذا استمر منح الطابع الديني للدولة.
ولا شك أن هناك مخاطر واضحة في استعادة نموذج طه حسين والاحتفال به في الوقت الحالي لكونه إحدى علامات النزاع حول هوية مصر، وهي معركة احتدمت أكثر بعد ثورة 25 يناير والموجة الثورية في 30 يونيو ومصدر الخطورة أن نموذج عميد الأدب العربي، نموذج حاضر في الذاكرة الجمعية المصرية، يرتبط من ناحية بفكرة مقاومة «العمى» والعوز الاجتماعي، وتأكيد فكرة المثقف العصامي ومن ناحية أخرى بالمثقف الشجاع القادر على مواجهة التقاليد، وهي فكرة قربها أكثر المسلسل الدرامي المأخوذ عن سيرته ولعب بطولته أحمد زكي نهاية السبعينيات ثم فيلم "قاهر الظلام" وكلاهما جعل من العميد من نماذج الثقافة الجماهيرية وليس نموذجا للمثقف النخبوي غير المعروف، وعبر هذه الأعمال تأكد ولعه بالنموذج الغربي الذي كرس صورا للمثقف الموسوعي قبل عصور التخصص. إلى جانب ثقافته العربية التراثية التقليدية، وفي أوساط المثقفين يبدو كتابه «مستقبل الثقافة في مصر» الذي صدر عام 1938 وهو الأكثر شعبية، وكان في بداياته مجرد تقرير رفعه العميد إلى وزارة المعارف (التعليم حاليا) في أعقاب معاهدة 1936 وتضمّن نصا وُصف بأوّل نصّ للسياسات التعليمية والتربوية في مصر، وقد استلهم منه خبراته التي عايشها خلال توليه مسئولية وزارة المعارف في حكومة «الوفد» (1950). حققت الوزارة مجانية التعليم للمصريين حتى المرحلة الثانوية تطبيقا لشعاره الشهير «التعليم كالماء والهواء». شعار تلقفه نظام يوليو وسعت إلى تطبيقه بطريقة أفادت منها الطبقات الفقيرة التي اعتبرت طه حسين صوتاً ممثلاً لها.
وهذا الاعتبار هو أيضا إحدى علامات الإغراء في نموذج طه حسين وأحد أسباب اللعنة التي رافقته، كما يشير إلى ذلك الدكتور محمد عفيفي رئيس قسم التاريخ بكلية الآداب جامعة القاهرة والذي يقرر بوضوح أن هذا الكتاب يجعل من استعادة أفكار صاحب "المعذبون في الأرض" مهمة قومية في الوقت الحالي.
ذلك لأن هذا الكتاب يطرح بوضوح بيانا لمستقبل مصر ومعه إستراتيجية للعلاج، وهي إستراتيجية لم يستفد منها بشكل جيد عقب ثورة 25 يناير، فالاستقلال أو الخلاص من الاستبداد في ظل ثورة لا يعني القدرة على إنجاز التغيير، فقد طرح حسين السؤال: وماذا بعد الاستقلال؟ ويطرحه عفيفي بطريقته وماذا بعد ثورة يناير ويونية " الإجابة كما طرحها العميد هي أن "الثقافة هي الحل " لكن السياسة أكلت كل شىء في مصر الآن ولم يعد هناك من يلتفت إلى وصية طه حسين في الاهتمام بالتعليم وهي الوصية الأهم، فالثورة لن تكتمل من دون تغيير الثقافة العامة لهذا المجتمع، فمن الخطأ أن نتصور أن الثورة قامت فقط لإزاحة مبارك أو لإبعاد الإخوان، ولكي تصبح ثورة حقيقية نحن بحاجة إلى تغيير المنظومة الثقافية الحاكمة، وهذا هو درس طه حسين الأهم.
من جهته يفسر الكاتب والمؤرخ حلمي النمنم على شعبية كتاب "مستقبل الثقافة في مصر" في أوساط المثقفين ويبرر وجود طبعات متعددة من الكتاب قائلا: إن هذا الكتاب طرح فكرة ديمقراطية التعليم وهي فكرة مركزية لطه حسين ناضل من أجلها كاتبا وحققها كوزير.
ويلفت النمنم النظر أن معظم المهتمين بتاريخ التعليم في مصر فاتهم الاعتراف بأنه عميد الأدب العربي هو مؤسس جامعة الإسكندرية وأول من دعا لتأسيس جامعة المنصورة.
ويعود النمنم لتفسير شعبية طه حسين كمثقف تنويري بالتأكيد على شجاعته في طرح قضية "هوية مصر" والتأكيد أنها هوية متعددة الطبقات.
ويكشف أنه ليس صحيحا إشارة البعض على أن الكتاب يعادي هوية مصر العربية لكنه في المقابل يطرح هويتها العربية الإسلامية كطبقة من طبقات هويتها التي تشمل الفرعونية والقبطية، كما أن العقل المصري بوضوح هو جزء من ثقافة متوسطية وثيقة الصلة بالغرب وهذه حقيقة ولا يمكن اتهام طه حسين بالتغريب بسبب شجاعته في طرحها.
ويتابع النمنم الإشارة إلى أن كتاب فى مستقبل الثقافة فى مصر يتضمن إشارة واضحة تطالب أقباط مصر بترجمة الإنجيل إلى اللغة العربية بلغة سليمة غير ركيكة، ليكون جزءا من هذه الثقافة، وهذه إشارة تعكس حرصه على اللغة والعروبة، ولكن بطريقته وليس على الطريقة الناصرية التعبوية.
بل على العكس هو أول من دعم دور مصر العروبي داعيا إلى استغلال قوتها الناعمة عربيا وإنشاء المدارس في فلسطين وسوريا ولبنان.
لكن السؤال هنا: هل اختلف طه حسين مع ثورة يوليو فبدأ رجالها خطة منظمة لتغييبه في العشر سنوات الأخيرة من حياته؟
يجيب النمنم قائلا: مع توغّل رجال يوليو في السلطة، لم تعد ثمة حاجة إلى وجود العميد الذي حظي بتكريم بالغ في بدايات الثورة، لكنه في المقابل يؤكد أن العميد عانى مشكلات صحية كثيرة منذ العام 1964 بسبب جراحة أجراها في العمود الفقري لم تسمح له بممارسة نشاطه بتوسع، كما أنه أدرك خطة يوليو في خلق ثقافة موجهة لا تتناسب مع طبيعته الأميل إلى التعددية الفكرية والنزعة الليبرالية، ومن ناحية كان من الصعب اتخاذ أية إجراءات واضحة ضد طه حسين بسبب حضوره العام من ناحية ومن ناحية أخرى لكونه أحد المبشرين بالعدالة الاجتماعية التي تحولت إلى برنامج عمل للرئيس جمال عبد الناصر.
لكن لماذا تم تجاهل الذكرى الأربعين لرحيل عميد الأدب العربي؟ هل لأن آفة حارتنا النسيان كما يقول نجيب محفوظ أم أن ثمة أسباباً يطرحها الواقع المصري اليوم؟
يعتقد النمنم أن مؤسساتنا التعليمية والثقافية تخاف من الاحتفال بالرموز التي تغضب قوى الإسلام السياسي، وبالتالي فإن تجاهل هذه الرموز هو جزء من أدوات النفاق الاجتماعي والتواطؤ المطلوب لتمرير المرحلة الحالية بما فيها من توافق هش "ويضرب مثالا بأن مايو الماضي شهد مرور نصف قرن على رحيل أحمد لطفي السيد أستاذ الجيل ولم تبادر لا الجامعة المصرية الأم ولا وزارة الثقافة ولا حتى مجمع اللغة العربية بعقد ندوة يتيمة عن هذا الرجل العظيم.
وفي حالة طه حسين يقول النمنم: الأسباب الكثيرة لهذا التجاهل، أبرزها أن المؤسسات الثقافية منهكة في مشكلات إدارية لا تنتهي، كما أن حملات التشهير من الإسلاميين كفيلة باعتباره علامة خطر من الأفضل تجنبها الآن.
الثورة جعلت حضوره أكبر
طه حسين يخاطبنا اليوم مثلما كان يفعل بالأمس، لكن خطابه يبدو اليوم أشد ضرورة وأكثر إلحاحا مما كان عليه في أي وقت مضى. وبحسبه فإن هذا الشاب المقبل من أعماق صعيد مصر، بعد أن امتلك ناصية الثقافة العربية والتراثية، وقبض على زمام الثقافة الغربية الحديثة بدءا من جذورها اليونانية وانتهاء بمفاهيمها في العصر الحديث، استطاع أن يعثر على موقع الشرخ في رؤيتنا للعالم، وهو الشرخ الذي كان قد أدى، ولا يزال يؤدي، إلى تعثر نهضتنا الفكرية والحضارية في العصر الحديث، فحاول أن يجعلنا نلمسه لمسَ اليد. لقد فجَّر بكتابه "في الشعر الجاهلي" المنشور في بداية الربع الثاني من القرن الماضي ثورة جذرية سرعان ما تمَّ إخمادها حتى لا أقول وأدها قبل أن يستفحل خطرها وتنتشر آثارها فى مشرق العالم العربي والإسلامي وفي مغربه.
بدا خطر هذا الثورة واضحا للجميع في إشارتها إلى هذا الشرخ، وفي استهدافها اليقين المطلق إذ دعت إلى كسره بالشك. كان ذلك يعني رفع الغشاوة عن الأعين، ونفض الغبار الذي تراكم قرونا عن حقيقة يقينيات وثوابت عملت على تعطيل العقل وإشاعة الكسل الفكري قروناً عديدة لشق الطريق إلى العودة نحو بداية البداية من أجل الفهم، ومن أجل التقويم، ومن أجل التعديل، ومن أجل البناء على ما يقتضيه هذا الانتقال من اليقين إلى الشك ومن المطلق إلى النسبي، ومن الأبدي إلى التاريخي.
كانت العودة إلى الشعر الجاهلي هي هذه الثورة، وكانت العودة إلى أبي العلاء المعري لاستعادته هي أيضا هذه الثورة. حاول طه حسين أن يلتف على هذا العناد التاريخي كمثقف ملتزم قبل أن يكتب سارتر عن الالتزام، وكمثقف عضوي قبل أن يقوم جرامشي بوضع تعريف له. تقدم كتبه كلها بيانا بهذه الحياة الحافلة، وفي مقدمتها، بصدد ما أشير إليه هنا، كتاب: مستقبل الثقافة في مصر.
وقفت سلطات اليقين مثلما وقف حرّاس المطلق جميعاً في وجهه. لا في مصر وحدها، بل في أرجاء العالم العربي كله. وصار دأبهم الحدّ من تأثيره ومقاومته بسلاح مطلقهم الدائم والثابت، معتمدين على جمهور لم تتح له فرصة العلم والمعرفة ولا يزال في غالبيته العظمى غارقا ومُغرَقاً في الأمية والفقر بل والعوز.
أدرك طه حسين مواطن الخلل فحاول. لكن محاولته لا تزال بحاجة لمن يتابعها وفي كل الميادين، بدءا بالتعليم، وليس انتهاءا بالفكر وبالإبداع.
بدر الدين عرودكي
مترجم كتاب "معك" لسوزان طه حسين
طه حسين وطريق التقدم
الثقافة هي أهم ما يجب تغييره حينما يصاب بلد ما بالتخلف. والحفاظ على ثقافة سائدة هو رغبة في استمرار الوضع القائم يسعى إليها المستفيدون من هذا الوضع. ولهذا كان تغيير الثقافة هو عصب مشروع طه حسين من أجل تحديث جذري لمصر. وربما اتفق مع طه حسين في ذلك أغلب النخبة الليبرالية من مفكري النهضة المصرية. ولكن طه حسين تميز في مشروعه للتحديث، والذي عبر عنه بشكل أساسي في كتاب مستقبل الثقافة في مصر، حيث بين أنه لايمكن القيام بأي مشروع للإصلاح دون أن نسأل أنفسنا إلي أين يتجه العالم. فهناك مسيرة للبشرية ولن تخترع مصر لنفسها مسيرة خاصة. والبشرية تتجه إلى تعميم التعليم وتحرير المرأة وحماية الحريات الفردية وتبني الديمقراطية في الإدارة السياسية للمجتمعات. باختصار ما وصلت إليه الحضارة الغربية.
ولكن هل يجوز لنا أن نستعير نظما وأنماطا من العيش تميز ثقافات أخرى وشعوبا مختلفة عنا. هذا هو الاعتراض الذي ما انفك أعداء التقدم يطرحونه، وللأسف هو اعتراض ما زال فاعلا حتى الآن. ولكن إجابة طه حسين كانت واضحة: نعم يمكن الاستعارة، وهذه هى حال اليابان، البلد الشرقي بامتياز والذي نقل بوضوح وبلا مواربة صناعات الغرب ونظمه السياسية وقوانينه، أما في حالتنا فالأمر لا يتعلق بأي استعارة، لأن ما هو موجود في الغرب نابع من ثقافة قديمة مشتركة بيننا وبينهم، وهي ثقافة البحر المتوسط. ومن هنا فالأمر بالنسبة لنا أيسر مما هو بالنسبة لليابان.
ويحذر طه حسين من الانتقائية التي تسود على مستوي الفكر والإيديولوجيا، والتي تتلخص في مقولة "سوف نأخذ من الغرب ما ينفعنا ونترك ما لا ينفعنا، أو ما يتعارض مع تقاليدنا أو ما يخالف ديننا، إلى آخر هذه التعبيرات المألوفة". ويرد طه حسين بأن هذه الانتقائية لن تصل بنا إلى شىء، لأن علينا أن نأخذ ما في الغرب بحلوه ومره. وكثيرا ما فسر الباحثون هذه المقولة بأنها دعوة لاستجلاب الرذائل، ولكن ما يقصده طه حسين أننا نعتبر الصناعة والنظافة ودقة المواعيد والانضباط أمورا مستحبة، ولكن خروج المرأة من البيت واتساع هامش الحريات الشخصية وانتشار الآراء المخالفة للعقائد السائدة، هي أمور غير مستساغة للعقل الشرقي. ولكن إذا رغبنا في التقدم بجدية علينا أن نقبلها لا محالة. وهكذا بعد مرور ما يقرب من ثمانين عاما على كتاب مستقبل الثقافة وأربعين عاما على وفاة طه حسين، حينما ننظر للجدل الدائر في مشهدنا الثقافي الراهن، وخصوصا حول الدستور واستخدام ذريعة الهوية لإدامة الاستبداد، ندرك أننا لم نع الدرس الغالي الذي تركه لنا العميد.
د. أنور مغيث
أستاذ الفلسفة بجامعة حلوان


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.