بلومبرج نيوز: البنك الدولي قد يجمع 20 مليار دولار كدعم لمرحلة ما بعد الحرب    إطلاق دفعة صاروخية من جنوب لبنان باتجاه شمال إسرائيل    ستارمر يندد بهجمات إيران على دول الخليج    البابا تواضروس يترأس صلوات الجمعة العظيمة بالكاتدرائية المرقسية بالعباسية    أسعار الذهب اليوم الجمعة 10 أبريل 2026    باكستان تهاجم إسرائيل: دولة سرطانية وشر على البشرية    أمن الشرقية يكثف جهوده لكشف ملابسات العثور على جثة فتاة    فيديو يوثق خطف طفل والتعدي على والدته في الشرقية    وزير إماراتي يفجر مفاجأة: مضيق هرمز مسيطر عليه ومسلح ويخضع لشروط وتحكمات    أسامة كمال: مصر لعبت دورا هاما في تقريب وجهات النظر بين أمريكا وإيران    تغييرات جديدة في مواعيد غلق المحلات.. تستمر لنهاية الشهر    شم النسيم يرفع أسعار الخضار للسماء.. اعرف الأسعار الجديدة    حالة الطقس اليوم الجمعة.. اختفاء الأجواء الباردة وارتفاع لافت في الحرارة    هام بشأن الغياب في المدارس.. وحقيقة خصم 2.5 درجة عن كل يوم غياب    نائب وزير الخارجية يوقع إعلان نوايا للتعاون مع الجانب الألمانى    حمادة هلال: نجاح أغنية محمد نبينا ألهمني فكرة تقديم مسلسل يحمل اسم المداح    إسرائيل تقصف مواقع تابعة لحزب الله في لبنان    صدمة في باريس.. محمد صلاح خارج الحسابات وقرار سلوت يشعل الغضب    قشر البيض والجبس لصناعة ديكور ربيعي مميز    تموين القليوبية تحدد أسعار «الفينو» وتدعو المواطنين للإبلاغ عن المخالفات    مواقيت الصلاة اليوم الجمعة 10 أبريل 2026 في القاهرة والمحافظات    كاف يرد على اتهامات الفساد: من يملك دليلا فليتوجه للقضاء، والمغرب شريك أساسي في تطوير الكرة الأفريقية    ضبط نصف طن دقيق بلدي وكميات من الخبز المدعم وأسماك فاسدة بالمنوفية    الزمالك في مهمة صعبة بالجزائر أمام شباب بلوزداد بنصف نهائي الكونفدرالية    المنوفية تنظم اليوم العلمي ال31 لتعزيز الاستخدام الآمن لمضادات التجلط    ساقية الصاوي ترفع شعار "الفن للجميع" في أبريل، خريطة متنوعة تجمع بين الطرب والأندرجراوند والكوميديا    رفع كفاءة أطباء وتمريض الأسنان بالمنوفية.. صور    محافظ البحيرة: إنشاء أول وحدة غسيل كلوي للأطفال بدمسنا تضم 5 أجهزة متطورة    دورة تدريبية للأئمة والواعظات بشمال سيناء لرفع الوعي بقضايا السكان    شاختار يكتسح ألكمار بثلاثية في ذهاب ربع نهائي دوري المؤتمر الأوروبي    متحدث الحكومة: نمتلك مخزونا استراتيجيا من السلع يكفي 6 أشهر.. ومصر غير معرضة لأي أزمة طاقة    CNN: ترامب يضغط للحصول على التزام من الناتو لتأمين مضيق هرمز خلال أيام    محمد زكريا يتأهل لنهائي بطولة الجونة الدولية للإسكواش    حسام رشوان: الفنان أحمد عثمان لم يأخذ حقه .. وإنجازاته تشهد له    كريمة منصور تشيد ب منى زكي بعد فيلم Alone: الفنان عليه مسؤولية في المجتمع وأنا أحيّيها على قرارها    أستاذ بجامعة الأزهر: لا يوجد حديث نبوي يتعارض مع آية قرآنية    كرة يد - تألق علي يقود لشبونة لربع نهائي أبطال أوروبا.. ورباعي فيزبريم يتفوق على يحيى خالد    فرايبورج وأستون فيلا على أعتاب نصف نهائي الدوري الأوروبي    وكيل وزارة التموين بكفر الشيخ: تجهيزات ب27 موقع لاستقبال القمح من المزارعين    غذاء طفلك سر تفوقه الدراسي، معهد التغذية يكشف النظام المثالي طوال اليوم    نقيب القراء يناشد وزير الأوقاف لدعم تعديل قانون النقابة    شروط القبول ببرنامج "هندسة الطاقة" بهندسة المطرية    خالد جلال: الإسماعيلى يتعرض للظلم.. ولاعبى الدراويش نجوم    فشل خطة إسقاط إيران وترامب يبحث عن كبش فداء لإنقاذ نفسه فى الانتخابات.. فيديو    رئيس لجنة تحكيم البوكر العربية: رواية سعيد خطيبى تترك انطباعا مريرا    باسكال مشعلانى: لازم المجتمع الدولى يتدخل.. إسرائيل بتضرب الطلاب وهما فى المدارس    إنقاذ سيدة تعانى من انسداد معوى كامل بسبب حصوة مرارية بمركز الكبد في كفر الشيخ    إصابة 8 أشخاص في حادثي انقلاب وتصادم بالطريق الدولي الساحلي بمطروح    موعد الحكم علي الفنانه بدرية طلبه بتهمة نشر أخبار كاذبة    الأنبا دميان يترأس صلوات خميس العهد وقداس اللقان بالكنيسة القبطية في برلين    إخلاء سبيل الطالبة المتهمة بتوزيع أقراص منومة داخل مدرسة بطنطا    محافظ الإسكندرية يهنئ قداسة البابا تواضروس الثاني بعيد القيامة المجيد    هل امتناع المرأة عن العلاقة الزوجية بدون عذر حرام؟..أمين الفتوى يجيب    القصة الكاملة لدرجات الحضور والتقييمات، مستند رسمي يكشف إعادة التقييم للطالب المتغيب بعذر    جامعة المنصورة تشارك في «ملتقى الحضارات» بجامعة المنيا بحضور وزير التعليم العالي    ختام مسابقة الأزهري الصغير في الإسكندرية وسط إشادة بتشجيع المواهب الناشئة    النوم عن صلاة الفجر: هل تجوز قضاؤها بعد شروق الشمس؟    موعد وقفة عرفات وعيد الأضحى 2026 فى مصر فلكيًا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



اعتذار الإمارات عن تصريحات القاسمى يطفئ ثورة الجزائريين

أكد أن ديجول منح الجزائر الاستقلال إرضاء لعبد الناصر.. وبلد المليون ونصف المليون شهيد تغضب للطعن فى مسيرة نضالها للتحرر

بلخضر طيفور: الاستقلال لم يكن هبة من أحد وديجول لم يكن يريد مغادرة الجزائر

فارس لونيس: الثورة الجزائرية أنهكت فرنسا ماديا وبشريا فاضطرتها إلى الاستسلام لإرادة الشعب الثائر

فى الجزائر أينما خطوت ستجد ذكرى أليمة للاحتلال الفرنسى وكلما التقيت أشخاصا، ستجد أن لكل منهم عزيزا فقده فى حرب الاستقلال، فى كل بيت علقت على الحائط صورة وربما أكثر لأب أو أخ أو أم أو ابن راح من أجل معركة الكرامة والحرية ... هذا يفسر سر ثورة الغضب فى الشارع الجزائرى التى نطقت بها صحفهم وتداولوها على صفحات التواصل الاجتماعى، بعد تصريحات سلطان بن محمد القاسمى حاكم الشارقة وعضو المجلس الأعلى لدولة الإمارات العربية المتحدة قال فيها “إن شارل ديجول منح الاستقلال للجزائر إرضاء لجمال عبد الناصر “، حتى جاء الاعتذار الرسمى الذى تقدم به الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء الإماراتي، خلال اتصال هاتفى مع رئيس الوزراء الجزائرى عبد الملك سلال؛ لينهى الأزمة الطاحنة بعد تصريحات القاسمى، التى اعتبرها الجزائريون طعنا فى مسيرة طويلة قضاها بلد المليون ونصف المليون شهيد للتخلص من نير الاستعمار الفرنسى الذى اتسم بوحشية شديدة خلال فترة طويلة قضاها مستعمرا للجزائر بين عامى 1830 و1962، وخرج منها تحت وطأة ثورة شعبية مسلحة بين عامى 1954 و1962. خصوصا أن تلك التصريحات تصادفت مع احتفالات الشعب الجزائرى بعيد النصر فى 19 مارس الماضى”.
وهو ما أكده الشيخ منصور خلال اتصاله الهاتفى مع سلال، مبينا أن “النضال البطولى والمقاومة الأسطورية للشعب الجزائرى الشقيق والتى توجت بنيل الاستقلال التام من نير الاستعمار..وأنه “ كان لهذا الإنجاز الكبير الدور الجوهرى فى إنهاء الاستعمار فى عدة دول”.
كما تقدم حاكم الشارقة باعتذاره عما خلفته تصريحاته بالقول: “إذا كان إخوتنا فى الجزائر اعتبروا ذلك إجحافاً بحقهم، فأنا أعتذر عن ذلك، ولهم كل الود والاحترام”.وأوضح: “أنا لست جاهلاً فى التاريخ وأعرف تاريخ الجزائر جيداً، وكل ما ذكرته فى معرض لندن للكتاب (مكان الإدلاء بتصريحاته الأولى) كان فى معرض الحديث عن الود الذى كان بين ديجول ومورنو وزير ثقافته وكيف أنه كان يؤثر عليه كثيراً، وربما فُهم حديثى بشكل خاطئ؛ بسبب الاختصار المخلّ”.
ثورة الغضب
قبيل صدور الاعتذار كانت وسائل التواصل الاجتماعى قد شهدت هجوما كبيرا على القاسمى، مطالبين المسئولين بالاحتجاج رسميا لدى دولة الإمارات،كما انتقدت صحف جزائرية حاكم إمارة الشارقة فى جريدة الفجر، قالت مديرة النشر حدة حزام: “ديجول لم يعطنا الاستقلال إرضاء لعبد الناصر يا سيادة الحاكم، وحتى عبد الناصر نفسه لم يسمع بخبر تفجير الثورة إلا من خلال الإعلام الفرنسي”.
ووصفت الكاتبة ثورة الجزائر بأنها كانت “أكبر ثورة فى تاريخ الإنسانية الحديث” وأنها “لم تحرر الجزائر فحسب بل كانت سببا مباشرا فى تحرير بلدان المغرب، وكانت مرجعية للثورات التحررية فى إفريقيا وأمريكا اللاتينية وكل العالم”.
وفى صحيفة الشروق، وصف رئيس التحرير المكلف، رشيد ولد بوسيافة، كلام حاكم الشارقة بأنه “فى منتهى الخطورة”.
وعلل ذلك بأنه “يلغى تضحيات الشعب الجزائرى لأجل التحرر من الاستعمار على مدار 132 سنة، مارس خلالها الجزائريون كل أشكال المقاومة ضد الاستعمار بدءا بالثورات الشعبية إلى الحركة الإصلاحية التى أعادت ترميم الهوية الوطنية التى دمرها الاستعمار، إلى الثورة التحريرية التى تحوَّلت إلى أيقونة للتحرر والانعتاق من الاستعمار فى النصف الثانى من القرن العشرين”.
كما طالب الباحث التاريخى ورئيس جمعية وفاء لحماية وتخليد مآثر الثورة حمايرية عبد الرحمن، كل من له صلة بتاريخ الثورة بالعمل على توثيقها وتخليدها فى كتب ومذكرات، مؤكدا “إذا لم نكتب تاريخ ثورتنا المجيدة بكل تفاصيلها من خلال التسجيلات الحية التى أدلى بها المجاهدون، بأيدينا فهناك بالضفة الأخرى من يكتب تاريخنا على أهوائه وبأقلام أجنبية لطمس تاريخ الشهداء “
الاستقلال يؤخذ ولا يمنح
فارس لونيس الباحث الجزائرى فى العلوم السياسية: يبقى تاريخ الجزائر أحد أكبر التواريخ غموضا بالشكل الذى لا يعرف عنه العالم الخارجى إلا الشيء القليل، ولا يعرف عنه حتى بعض أبنائه إلا عن طريق السمع أو بعض القراءات السطحية والمحرّفة، كتبت من وجهة نظر مغرضة لخدمة المصالح الاستعمارية دون شيء آخر “ هذا لا ينفى بالمقابل وجود كتابات ومؤلفات حتى الغربية منها التى كتبت عن ثورة التحرير الوطنى بموضوعية”. فلقد عمل الاستعمار كل ما بوسعه لكى يقطع صلة الجزائر بماضيها الفكرى وإرثها الحضارى سعيا وراء تحقيق فكرة “الجزائر فرنسية”، مسخرا لذلك كل ما يملك من إمكانيات ووسائل حتى يحول دون ثبات هوية المجتمع الجزائري، وهذا ما تحقق له فى جانب ما، يتمثل فى حد التشكيك بوجود دولة جزائرية ومجتمع جزائرى قبل تاريخ 1830، تاريخ الغزو الفرنسى الاستدمارى للجزائر.
فى ظل هذا الهدف الاستدمارى الذى عملت عليه فرنسا طيلة وجودها بالجزائر لم يبق الجزائريون مكتوفى الأيدى بل لاقوه بمواجهة شرسة أدت بالإدارة الفرنسية إلى الرضوخ للأمر الواقع وهو الاستسلام لإرادة الشعب الثائر ضدها، وهذا نتيجة للخسائر الكبيرة التى تكبدتها فرنسا بالجزائر خصوصاً إبان ثورة التحرير الوطنى التى نذكر منها:
- الخسائر المادية الباهظة للطرف الفرنسى، وهو ما انعكس على الحياة المجتمعية داخل فرنسا.
- خلق أزمات بين مؤسسات الحكم الفرنسي.
- سقوط الجمهورية الرابعة.
- فقدان المكانة الخارجية خصوصاً بعد خسارة حرب فيتنام.
- عدم الرضا المجتمعى على الحكومة الفرنسية.
ومشاكل أخرى حتمت فى الأخير ضرورة استقلال الجزائر نتيجة ضعف الطرف الفرنسى الذى أنهكته الثورة التحريرية، وهو ما يبين حسن التنظيم الذى ميزها والذى أضعف كل محاولات الاستبداد الفرنسية الخارجة عن أى منظور إنساني. الاستقلال لا يلخصه إلا شعار الثورة الجزائرية الخالد هو: هو ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة.
تصريحات خطيرة وغياب رد رسمى
فوضيل خالد أستاد مساعد بحامعة قسنطينة 3 وناشط فى المجتمع المدنى، التصريح أولا يخص حاكم الشارقة لوحده ويتحمل مسئولية ما قاله أمام الشعب الجزائرى وامام التاريخ . ثانيا: يجب ألا ندخل فى حروب داحس والغبراء بين الشعبين الجزائرى والإماراتى بالسب والشتم وتبادل التهم بسبب تعليق فردي..
ثالثا: ما يزيد من خطورة هذه التصريحات أنها جاءت من مسئول رسمى وحاكم واحدة من أكبر الإمارات فى هذه الدولة الخليجية، كما أنها تصادفت مع احتفالات الشعب الجزائرى بعيد النصر فى 19 مارس. هدا من جهة ومن جهة أخرى يبدو أن سلطان بن محمد القاسمى نسى أو تناسى تضحيات الشعب الجزائرى منذ دخول الاحتلال الفرنسى للجزائر سنة 1830 وقوافل الشهداء الذين قدموا أرواحهم فى سبيل الحرية، حيث لخص المسئول الإماراتى استقلال الجزائر فى علاقات شخصية بين ديجول وعبد الناصر.
وهنا ننوه بغياب رد رسمى من السلطات الجزائرية حول الأمر، خصوصا بالنظر إلى الإطار الزماني. حيث جاء فى وقت احتفال الجزائر بعيد النصر المصادف لل19 مارس من كل سنة، مع توقيت التحضير للانتخابات التشريعية فى الجزائر والانتخابات الرئاسية فى فرنسا .

التاريخ لا يكذب ولا يتجمل
من واقع الدلائل التاريخية يفند بلخضر طيفور الباحث فى العلوم السياسية تلك التصريحات، قائلا:
يرى‮ المؤرخ الفرنسي‮ بنيامين ستورا فى كتابه « لغز ديجول خياره للجزائر‮» أن الجنرال شارل ديجول الذي‮ عاد‮ إلى‮ الحكم في‮ مايو 8591 لم‮ يرغب أبدا في‮ دمج الجزائريين في‮ الجمهورية الفرنسية على الرغم من تبني‮ الجمهورية الفرنسية لمطلب الجزائر الفرنسية برغم كل محاولات الحكومات الفرنسية المتتالية القضاء عليها،‮ خصوصا أن مرحلة رئاسة ديجول كانت الأعنف والأكثر دموية ضد الثورة، وذلك لأسباب عديدة كما يرى المؤرخ نفسه أن الجنرال ديجول‮ لم‮ يكن‮ يتمنى أبدا استقلال الجزائر أو إدماجها فى ‮فرنسا، فقد كان ديجول‮ يؤكد في‮ كل خطبه فرنسية الجزائر،‮ ويرى أيضا أن استقلال الجزائر لم يكن ليأتى لولا استماتة الجزائريين فى المعارك المسلحة، ويفند ستورا الكثير من الادعاءات التى تقول إن ديجول منح الاستقلال للجزائر، ففرنسا كانت‮ متمسكة بالجزائر لدرجة أنها استغنت عن‮ 21‮ مستعمرة في‮ إفريقيا،‮ ويوم‮ 61‮ سبتمبر‮ 9591 وكخطوة أخيرة يائسة‮ أعلن ديجول‮ في‮ خطابه الشهير فكرة الاستقلال الذاتي‮ للجزائر لكن تم رفضها من قبل قيادة الثورة، كما تمت مساومة الثوار من خلال منحهم استقلال الشمال والاستغناء عن الصحراء لكن تم رفض هذا أيضا.
ويتحدث المؤرخ الأمريكى ماثيو كونيلى، الأستاذ بجامعة كولومبيا عن الأكذوبة القائلة إن الجنرال ديجول هو من منح الجزائر استقلالها، ويقول إنها تماثل أسطورة ديجول الطيب رجل السلم، ويشاركه فى وجهة النظر هذه العديد من المؤرخين الفرنسيين كما أوردنا سابقا بنيامين ستورا، إضافة إلى جيلس مانسيرون ونفس الموقف يتبناه زميلهما ترامور كيمينور، والذى يرى بأن استقلال الجزائر لم يكن هبة منحها ديجول للجزائر، بل الاستقلال انتزعه الجزائريون بعد سنوات من الكفاح ونفس الطرح تتبناه أيضا المؤرخة مليكة رحال. كما أن شيخ المؤرخين الجزائريين أبو القاسم سعد الله لم يورد أى تلميح أو إشارة إلى أن فرنسا قد وعدت الجزائريين بالاستقلال وما يشير إليه دوما هو الوعود الفرنسية بالإصلاح خصوصاً مخطط ديجول العسكرى والسياسى والاقتصادى والاجتماعى لخنق الثورة الجزائرية والقضاء عليها، وواضح أن الاستهانة بوقائع التاريخ الجزائرى موجودة فى أكثر من موقف بل وهى مدرجة ضمن مقررات التدريس مثل مقولة إن الأمير عبد القادر استسلم فى مقابل تسليم نفسه وعوائله، إضافة إلى مقولة إن الجزائريين خرجوا سنة 1945 لمطالبة فرنسا بالوفاء بوعدها القاضى بمنح الاستقلال للجزائريين وصولا إلى وعد ديجول كما يدعون.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وهناك الكثير من الدلائل التى تفند بشكل مشكل مقولة منح ديجول الاستقلال للجزائريين، ومن الدلائل التى تثبت أن الجنرال ديجول كان له تصور خاص فى معالجة القضية الجزائرية، هو اقتناعه بمجموعة من الحقائق المتعلقة بتطور القضية الجزائرية على المستوى الداخلى والخارجي، غير أن اللافت للانتباه أن ديجول على الرغم من اقتناعه بتصوره الخاص فى معالجة القضية الجزائرية فإنه لم يحاول أبدا تجسيد هذا التصور فى الميدان، وما يفسر هذا هو سياسة المرونة والتهدئة من خلال إعلانه فى 23 أكتوبر 1958 عما أسماه بسلم الشجعان حيث دعا الثوار إلى وضع السلاح دون شرط، وبهذه العملية أراد أن يحدث الشقاق بين الثوار وزرع الشك بينهم وعزل الداخل عن الخارج وإرغام الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية على التفاوض مع فرنسا من موقع ضعيف، أى إيصالها إلى قبول الاستقلال الداخلي، يُضاف إليه مشروع قسنطينة، وقد جاء بناء على تصريح من ديجول فى 30 أكتوبر 1958 حيث حاول ديجول من خلال هذا المشروع أن يبعد الجزائريين عن الثورة على أساس اعتقاده أن هذه المشاريع والإصلاحات ستمكنه من دفع جيش وجبهة التحرير إلى الاستسلام، ومن أقوى الدلائل هى مشاريعه العسكرية فى الجزائر حيث عُرفت مرحلته بمرحلة الإبادة والتحرير وهذا من خلال مشروع شال العسكرى الذى بدأ تنفيذه منذ فبراير 1959 للقضاء على الثورة ومن هذه العمليات العسكرية نذكر عملية المجهر ببلاد القبائل، عملية الشرارة ببلاد الحضنة نواحى ولاية المسيلة حاليا وتطهير الثوار منها، عملية الأحجار الكريمة بجبال فى الشمال القسنطيني، عملية عسكرية بجبال الونشريس والظهرة. هذا بالإضافة إلى التفنن فى وسائل التعذيب والتوسع فى إقامة المحتشدات والسجون زيادة على ذلك، فإننا نسجل خلال عام 1960 أن فرنسا قامت بتجربتين نوويتين الأولى فى الصحراء الجزائرية فى 13 فيفرى 1960 بمنطقة رقان والثانية فى 30 إبريل 1960، كما يذكر فى هذا الإطار أحد الباحثين الفرنسيين “برينو باريلو” أن السلطات الاستعمارية الفرنسية قد استخدمت 42 ألف جزائرى “كفئران تجارب” وهم من السكان المحليين وأسرى جيش التحرير وهذا يمثل أقصى صور الإبادة الهمجية، هى إذن دلائل لا تدع أى مجال للشك على أن ديجول لم يفكر مطلقا فى منح الاستقلال للجزائريين، ولعل الارتباك الذى حصل أو الخلط بين المفاهيم يتمثل فى أن ديجول وعد المعمرين وغلاتهم من الجنرالات المتمردين بأن يمنحهم إدارة ذاتية لهم وليس للجزائريين أبدا.
الوعد الفرنسى.. أكذوبة
وفى مقابل هذا تصادفنا مقولة الوعد الفرنسى للجزائريين بالاستقلال كما هى الحال فى كتابات بعض المشارقة، والذين يسقطون تاريخهم على تاريخنا أو هم يرون استعمار بريطانيا وفرنسا لهم بنفس المنظار، وهذا يفتقد للمصداقية، وعلى سبيل المثال نجد فى مقال “فرنسا والحرية” لسيد أمين الساحلى وهو أستاذ رياضيات فى الجامعة اللبنانية حديثا صريحا عن الوعد الفرنسى للجزائر بالاستقلال وهو هنا أستاذ رياضيات وغير مطلع على خصوصية التاريخ الوطنى الجزائرى وعلى تفاصيله، مما أوقعه فى هذا الخطأ التاريخى الفادح . ولكن الأمر المحير أكثر هو أن نجد ذلك الكلام فى مذكرات التخرج الجامعية ومن معاهد تُدرس مادة التاريخ ومن أساتذة جامعيين جزائريين يتقبلونها كما لو كانت من البديهيات والمسلمات، ولكننا لا نعثر فى الهوامش على المصدر الذى تم اقتباس هذه الفكرة منه، وكان المفروض عليهم الإحالة على المصدر والابتعاد عن الكلام المرسل، وصولا إلى تصريح حاكم الإمارة الشارقة الذى كان مرسلا فى كلامه ولم يستند إلى أى أدلة تاريخية موثقة، بل مجرد أنه “سمع أن ديجول قالوا له كذا وكذا” ... وبالتالى هو مجرد تجريح ورأى غير رزين قيل من غير إدراك بعواقبه. وهو هنا أكيد يحاول إسقاط تاريخ أغلبية دول الخليج التى مُنحت استقلالها من طرف بريطانيا بطريقة سلمية فى إطار اتفاقيات شراكة وتعاون مستقبلى وهو إطار تبعى أكثر منه استقلالى وكل ذلك جاء فى إطار تفكيك بريطانيا لمستعمراتها بطريقة هادئة.
إن مغالطة الوعد الفرنسى لنا بالاستقلال هى من قبيل أن الآخرين يستكثرون على الجزائريين الاعتراف لهم بأن نصرهم كان من مستوى حدث تاريخى غير مجرى الأحداث، وهو يمثل أكثر من انتصار الفيتناميين على فرنسا الاستعمارية أو الانتصار على النازية فى الحرب العالمية الثانية لا لشيء سوى، لأن الآخرين ينظرون لنا نظرة حسد، ما حققه الجزائريون لا يخصهم لوحدهم فقط بل هو إرث إنسانى تتشاركه البشرية جمعاء التواقة للحرية والتحرر من القيود الاستعمارية مهما كان شكلها، وما حصل مع الشعب الجزائرى يحصل مع أبنائها أيضا، فها هو مالك بن نبى لما كتب كتاب الظاهرة القرآنية استكثروا عليه الكتابة فى هذا المجال غيرة وحسدا، ونظروا أنه ليس من حقه الخوض فى هذا الموضوع، ونفس القصة تتكرر مع الشعب الجزائرى الذى يكفيه فخرا أن ثورته هى الثورة الوحيدة التى اكتملت فيها جميع أركان وأوصاف الثورة التحريرية كما يرى الفيلسوف والشاعر السورى أدونيس.

الثورة واستغلال ضعف العدو
وليد عبد الحى أستاذ العلاقات الدولية فى جامعة اليرموك بالأردن، تصريح مسئول خليجى عن أن استقلال الجزائر وتحررها جاء نتيجة موقف من الرئيس الفرنسى شارل ديجول “ إكراما لجمال عبد الناصر” هو تعبير عن قدر السقم الذى وصل له التفكير السياسى العربي، ولن أستند فيما أقول لأى مرجع جزائرى لكى لا أبدو منحازا، لكنى سأتوقف عند بعض المؤشرات التى تفسر لماذا انتصرت الجزائر واتخذ ديجول قرارته :
أولا: المشهد الفرنسى الداخلي: ديجول شخصية سياسية لا تحتاج إلى تعريف، وموقفه من الأزمة الجزائرية فى حينها كان ناتجا عن قراءة الرجل لموازين القوى الداخلية والدولية فى تلك الفترة، ويكفى عرض بعض المؤشرات:
أ‌- فى السنة التى تولى فيها ديجول السلطة 1958 كان عجز الموازنة الفرنسية نحو 910 مليارات فرنك فرنسى، وهو ما يساوى 62 % من إجمالى الناتج المحلى الفرنسي، وكان جزء مهم من هذا العجز ناتجا عن أعباء مواجهة الثورة الجزائرية التى شهدت أقسى لحظاتها فى فترة ديجول، ونتج عن ذلك انخفاض كبير جدا فى قيمة العملة الفرنك الفرنسى، مما دفع ديجول لإصدار فرنك جديد يعادل 100 فرنك من القديم.
ب‌- طبقا للتقديرات الفرنسية فإن قرابة 26 ألف جندى فرنسى قتلوا فى المعارك مع الثوار الجزائريين، وأصيب نحو 65 ألف جندى آخر. ناهيك عن نحو 6 آلاف مستوطن فرنسي.
ت‌- الصراع الذى نشب بين السلطة الفرنسية (أو أجنحة منها) وبين المستوطنين الفرنسيين فى الجزائر، وتزايد الاضطرابات التى لا تسيطر عليها السلطة الفرنسية، ناهيك عن الصراع بين السياسيين والعسكريين ومحاولة الانقلاب على ديجول، وكل ذلك بفعل المشهد الداخلى والاحتقان الذى صنعته الثورة الجزائرية.
ثانيا: المشهد الخارجي: لقد اندلعت الثورة الجزائرية فى لحظة كانت فرنسا فيها فى أضعف لحظاتها(وهو ما يدل على ذكاء فى قيادة الثورة الجزائرية لاستغلال ضعف العدو)، فلو ألقينا نظرة على وضع فرنسا خلال الفترة السابقة على اشتعال الثورة وخلالها، تظهر لنا الصورة التالية:
أ‌- فى عام 1954 (عام اشتعال الثورة الجزائرية) تلقت فرنسا هزيمة كاسحة فى فيتنام فى معركة ديان بيان فو الشهيرة، التى خسرت فيها فرنسا نحو 18 ألفاً بين قتيل وجريح وأسير.
ب‌- آثار الحرب العالمية الثانية كانت لا تزال أوجاعها قائمة، فقد خسرت فرنسا فى هذه الحرب ما مجموعه 600 ألف نسمة منهم ربع مليون جندي.
ت‌- فشل العدوان الثلاثى على مصر، الذى شاركت فيه فرنسا زمن الاشتراكيين، شكل نكسة سياسية تضاف لسلسلة النكسات السابقة، بخاصة نتيجة الضغوط السوفيتية والأمريكية وإحساس فرنسا بمحدودية قدراتها على المسرح الدولي، وقد كانت مشاركة فرنسا فى العدوان الثلاثى كرد على مساعدات عبد الناصر للثورة الجزائرية.
إن الجزائر استقلت بفعل ثورة استغلت ضعف عدوها، وضحت بمئات آلاف شبابها، واستقطبت تأييدا دوليا واسعا، وأنهكت خصمها، فاستجاب ديجول لكل ذلك.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.