كتب الأستاذ شريف الشوباشى فى «الأهرام» الغراء أنه عندما كان فى فرنسا استدعى فنيا لإصلاح سخان منزله، وعندما دفع له أجره طلب منه الفنى التوقيع على فاتورة، فأجابه بأنه ليس فى حاجة الى فاتورة، وتصور وقتها انه أسدى خدمة كبيرة للفني، غير أن الأخير نظر إليه شذرا. وقدم له قلما، فوقع الفاتورة وهو فى حالة حرج شديد، وفهم بعد ذلك أن الفاتورة الرسمية تحفظ للفنى حقوقه من تأمينات وغيرها، وأنه لا توجد أى تعاملات فى فرنسا ولا فى أى دولة متقدمة تتم فى الظلام. قارن بين هذا وما يحدث عندنا، وكيف أننا لو تجاسرنا وطلبنا فاتورة من البائع فإنه يتعامل معنا وكأننا قد صوبنا إليه خنجرا، وهو عادة يخيرنا بين زيادة القيمة المدونة فى الفاتورة عن ثمن الشراء الأصلي، وعلى المشترى أن يدفع الفرق وإما عدم البيع لنا أصلا، ناهيك عن التوابع والتداعيات التى قد تتطور الى مشاحنات ومشاجرات، فيتدخل أولاد الحلال لفض الاشتباك وهم يستدعون الى الذاكرة ماتراكم فى العقل الجمعى لمجتمعنا من أمثال شعبية يأتى على رأسها بين الشارى والبايع يفتح الله) ومعناها إسداء النصيحة للمشترى بأن يشترى من بائع آخر. ولأن «الفهلوة المصرية» يجب أن تطل برأسها وتضع بصماتها على كل أمورنا المعيشية، فقد تفتق ذهن بعض التجار والباعة عن استنساخ مسخ للفاتورة تحت مسمى (كشف حساب) وهو لا يتضمن من عناصر الفاتورة إلا اسم السلعة المبيعة وسعرها، ولا مكان للإعراب فى هذا الكشف لاسم المحل أو البائع ولا لعنوانه ولا لرقم بطاقته الضريبية... الخ، وكشف الحساب ليس إلا ضحكا على الذقون لأنه الى العدم أقرب، وليست له علاقة من قريب أو بعيد بالفاتورة وما تعنيه. اما عن الحرفيين والمهنيين فحدث فى هذا السياق ولا حرج، فإنه من «رابع المستحيلات» أن تفكر مجرد التفكير فى طلب فاتورة من أحدهم نظير أجره الذى تقاضاه منك، فإن أصررت فالويل والثبور وعظائم الأمور ستكون فى انتظارك، إن معظم ولا نريد القول كل الأطباء على سبيل المثال يأبون وبإصرار إعطاء فاتورة بما يتقاضونه من مرضاهم نظير إجراء العمليات الجراحية، وهى مبالغ بالآلاف تبعا لنوع العملية والمستشفى وشهرة الطبيب، ويحصلها هؤلاء الأطباء رأسا من المرضى بعيدا عن فاتورة المستشفي. هذه الأمثلة كلها تندرج تحت مسمى (اقتصاد الظلام) حيث يتهرب كثيرون فى جنح الظلام من دفع الضرائب المستحقة عليهم للدولة، ولعل مايدفعه المصريون فى الدروس الخصوصية والذى يقدر بزهاء 61 مليار جنيه سنويا، مثال صارخ فى هذا السياق، ومن المفارقات الصارخة أن الموظفين الكادحين يسددون جميع الضرائب المستحقة على رواتبهم الهزيلة ومن المنبع!! نزعم أن الأمر جد خطير وهو فى حاجة الى التوعية المجتمعية مع تفعيل القانون وتغليظ العقوبات، فالتهرب الضريبى فى الدول المتقدمة جريمة مخلة بالشرف تستوجب الحبس، وهناك حقيقة لامراء فيها ألا وهى أن تغيير الأعراف والثقافات السائدة فى مجتمع ما يحتاج الى وقت طويل، ومن ثم فلا مناص من تفعيل القانون أو تعديل مواده، بحيث يكون إصدار فاتورة أمرا وجوبيا وإلزاميا على البائع ومقدم الخدمة، وأن تكون عقوبة من يمتنع عن إصدار فاتورة هى السجن أو الغرامة أو كليهما وفقا لما يراه فقهاء القانون. إن الاقتصاد المصرى لن يقوم من كبوته ولن تقال عثرته إلا فى ظل اقتصاد النور بعيدا عن اقتصاد الظلام بكل دياجيره وسراديبه، وعلى رأسها التهرب الضريبى والسمسرة والعمولات وغيرها. د. محمد محمود يوسف أستاذ بزراعة الإسكندرية