أتت أحداث الإسكندرية الفاجعة لتصبغ بالدم بداية عام جديد عادة ما يرتبط في الوجدان بآمال وتمنيات بأيام أفضل, ولكن أبت الأقدار إلا أن نبدأ عامنا بهذه الواقعة المأساوية الصادمة لتبعث بالجزع والهلع والحزن الشديد إلي قلوبنا جميعا, ولكنها أيضا ذكرتنا أن ما تم رصده عبر السنوات الماضية من إشارات الإنذار المبكر والحوادث المتكررة كان سيقودنا لا محالة إلي ما نعانيه اليوم, فهذه الأحداث ليست الأولي ونخادع أنفسنا إذا كنا نظن أنها الأسوأ أو حتي الأخيرة. ولذلك فإن استمرارنا في إنكار حجم المشكلة أو إلقاء اللوم علي أطراف أخري والاكتفاء بمعالجة أعراضها التي تظهر علي السطح بين الحين والآخر مثل أعمدة الدخان المنذرة بانفجار بركاني وشيك الحدوث سيدفع في القريب العاجل بالحمم الملتهبة الي عتبات الأبواب, لنبدأ في محاولات إطفاء الحريق بعد أن يكون قد أمسك بالفعل بأطراف ثيابنا, فنحن ببساطة لم نعط الاهتمام الكافي للهوة السحيقة التي ما انفكت تتسع تحت اقدامنا يوما بعد يوم حتي أصبحت تهدد بالإطاحة بتراث الاستقرار الاجتماعي وتماسك النسيج الوطني الذي كثيرا ما باهت به مصر جيرانها عبر العصور المختلفة. والحقيقة المرة هي أننا قد تهربنا جميعا من مسئولياتنا وفضلنا الاستسلام للتيار السائد خوفا من المواجهة, مترددين في بذل الجهد المطلوب لتغيير العقلية الذهنية المسيطرة حاليا, وأرجو الا يلجأ البعض هنا إلي الأكليشيهات المعتادة في مثل هذه المناسبات من أن كل شيء بخير وأن هذه حوادث استثنائية أو مدفوعة بخطط ومؤامرات خارجية. لأنه حتي بافتراض التسليم بذلك فإنها لم تكن لتحقق نجاحا إذا لم تجد تربة خصبة لنموها واستشرائها. والأخطر من ذلك فان هذا التهرب من المسئولية سيجني علي أجيال قادمة سنصدر لها هذه القنابل الموقوتة بعد أن ربيناها ورسخنا وجدانها في ظل مناخ طائفي يتسم بالتعصب والقسوة والانغلاق الفكري من جانب جميع الأطراف. ونقطة الانطلاق الصحيحة والضرورية هنا أن نعترف كلنا كمصريين بأننا قد تقاعسنا عن القيام بما يتطلبه الأمر من إصلاح ثقافي يقوم علي تنوير العقول المنغلقة, وذلك إيثارا للسلامة وخوفا من التصنيفات الحمقاء, فاستسلمنا لمناخ ثقافي انتهازي يخشي اتخاذ المواقف الحاسمة تجاه الأفكار المؤدية الي الجهل والتعصب, وعلمنا أولادنا في المدارس عدم احترام الاختلاف وحرية الرأي, بل زرعنا في نفوسهم البريئة كيف يتعصبون ضد كل من يختلف عنهم في أي شيء وأفسدنا طفولتهم الغضة بتحميلهم بآراء منغلقة تحصر عالمهم الثقافي في الحفظ والتلقين بدلا من الإبداع والابتكار. ومواجهة هذا الخطر الداهم علي وجودنا واستقرارنا بجميع الوسائل المتاحة يجب أن يكون مشروعنا القومي ذا الأهمية القصوي الذي يتبناه المصريون كافة حكومة وشعبا وتحشد من أجله الجهود وتشحذ الهمم لإنقاذنا جميعا من مستقبل تحف به مخاطر جسيمة لن تتيح تحقيق ما نبتغيه من تنمية أو تقدم في ربوع أمة يهددها الانقسام أو التشرذم, وعليه فان سبيلنا الوحيد للنجاة هو العمل علي تهيئة المناخ الفكري والثقافي الداعم لاحترام حقوق المواطنة والاحتشاد لبناء الدولة المصرية المدنية الحديثة. وفي إطار ذلك فنحن جميعا مطالبون أن نشرع علي الفور في مراجعة ما نلقنه لأطفالنا في مناهج التعليم وما نروج له في إعلامنا من تصنيف الأفراد وفقا لمعتقداتهم وما نعتقد أنه مستقر في قلوبهم, ولنعمل علي ضمان حق المصريين جميعا في حياة كريمة تحترم في ظلها مفاهيم حقوق الإنسان والمواطنة, والأهم من ذلك أن نثابر علي المطالبة بذلك وندعو لتطبيقه علي أرض الواقع ونشارك في ذلك كل في موقعه ومحيطه في كل بقعة من أرض مصر دون كلل أو تقاعس أو يأس من تحقق نتائج سريعة, فهذا مشروع طويل الأجل يستهدف العقول والأفئدة علي حد سواء ويدعمه ويرسخه في الأجل القصير التطبيق الصارم لأحكام القانون علي كل من ينتهك هذه الحقوق من الجانبين دون النظر الي مواءمات سياسية أو مذهبية أدت بنا إلي ما نحن عليه في الحاضر. أما إرسال الوفود للعزاء إلي الإسكندرية اليوم وغيرها غدا, وزيارات القيادات الدينية وتبادل الكلمات الطيبة والأكتفاء بتبني الإصلاحات التجميلية علي السطح فلن تزيل من النفوس الغضب والتعصب الذي زرعناه جميعا علي الأقل بالصمت العاجز, فنحن جميعا للأسف مدانون لأننا نبرع في الكلام, نتفوق في الإدانة والشجب, نتفنن في إظهار الأسي والحزن, نتسابق إلي إقامة المآدب في المناسبات الدينية ثم نتأنق للظهور علي شاشات التليفزيون مسمين الأشياء بغير مسمياتها وأعيننا علي تطرف الفريق الذي ننتمي اليه وأحيانا علي أطراف أخري دون أن نلقي بالا إلي حقيقة المشاعر الدينية المتعصبة وضيقة الأفق التي ما انفكت يتنامي حجمها ومداها عند رجل الشارع قبطيا كان أم مسلما. وحيث إننا نتحدث باستمرار عن ضرورة وجود مشروع قومي يتكاتف من أجله الجميع ليصهر الجهود ويستنهض الهمم نحو هدف يجمعنا ويوحدنا, فماذا أهم من مستقبلنا المشترك وضمان حياة ومستقبل أولادنا وأحفادنا في أمة ينتمون اليها وتفخر بهم, فدعونا نتناسي مؤقتا خلافاتنا ولنتذكر دائما روابطنا الوطنية مدركين في أعماقنا أننا لن نعبر مثل هذه الأزمات نحو مستقبل أفضل إلا معا مسلمين وأقباط, ولكن قبل وبعد ذلك مصريون متحدون ينعمون بالعدالة والمساواة, هذا هو الطريق فهل نحن مستعدون؟