ماذا كان رد فعل السادات في مواجهة الخطة الأمريكية التي أعلن عنها فولبرايت في سبتمبر1975 والتي تنص علي احتضان أمريكا لإسرائيل ودول الخليج في آن واحد؟ وأجيب بسؤال: هل الخطة الأمريكية تعني اخراج مصر من معادلة السلام؟ واذا كان الجواب بالايجاب وهو بالفعل كذلك فماذا كان رد فعل السادات؟ رد فعله جاء في9 نوفمبر1977 عندما أعلن, في خطابه أمام مجلس الشعب, تصريحا تاريخيا هو علي النحو الآتي: مستعد أن أذهب إلي آخر الدنيا, وسيدهش الاسرائيليون حينما يسمعونني الآن أقول.. إنني مستعد أن أذهب إلي بيتهم, إلي الكنيست ذاته ومناقشتهم. إلا أن أحدا لم يصدقه حتي بطرس بطرس غالي الذي كان أحد وزرائه قال عن هذا الاعلان إنه بلاغة خطابية, أي أنه بلا معني. والوحيد الذي صدقه كان بيريز لأنه علم أن رئيس الوزراء الاسرائيلي بيجن تلقي تأكيدات من النمساويين أن السادات جاد فيما قال. وفي21 نوفمبر1977 وصل السادات إلي القدس وألقي خطابه التاريخي في الكنيست. إلا أنه بعد ذلك واجه أزمة حادة, فقد اتهم بالخيانة من قبل العالم العربي فابتعد عنه سفراء الدول العربية والاسلامية والشيوعية والأوروبية والافريقية, كما ابتعدت عنه منظمة التحرير الفلسطينية. ولكن ماذا كان موقف أمريكا من مبادرة السادات؟ في14 نوفمبر1979 دعيت من حزب التجمع للمشاركة في حوار بين قياداته وبين وليم كوانت المساعد السابق لمستشار الأمن القومي الأمريكي. واللافت للانتباه في ذلك الحوار إعلان كوانت أن كامب ديفيد في أزمة بسبب انفراد السادات بزيارة القدس في الوقت الذي فيه كانت أمريكا منحازة إلي سلام شامل, ومع ذلك فان أمريكا لم تعترض في الوقت نفسه علي المعاهدة المصرية الاسرائيلية التي أبرمت في26 مارس.1979 وكان رأي حزب التجمع ضرورة نسف تلك المعاهدة. إلا أن كوانت رفض هذا الرأي لأنه يعود بنا إلي الوراء. قال هذه العبارة ثم استأذن في الانصراف بدعوي أنه علي موعد. وإثر انتهاء الحوار دارت في ذهني فكرة مفادها أن كوانت جاء إلي مصر ليعطي ضوء أخضر لأحزاب المعارضة ومن بينها حزب التجمع بمشروعية إدانة السادات, ومن ثم يبقي وحيدا في مواجهة الجماعات الاسلامية الأصولية. والسؤال اذن: لماذا خططت أمريكا لهذا النوع من المواجهة؟ أو في صياغة أوضح: بماذا تتميز هذه المواجهة عن غيرها من مواجهات؟ يحكي محمد عثمان اسماعيل الذي كان محافظا لأسيوط وأمينا عاما للاتحاد الاشتراكي العربي أن الرئيس السادات كلفه في عام1972 بتكوين الجماعات الاسلامية فتكونت أول جماعة في كلية الهندسة بجامعة القاهرة وأسمت نفسها شباب محمد بن عبد الله. ومن كلية الهندسة انتقلت الجماعات إلي الكليات الأخري. ومن جامعة القاهرة انتقلت الفكرة إلي جامعة الاسكندرية ثم جامعة أسيوط. وقد سيطرت هذه الجماعات علي جميع الأنشطة في الجامعات. وهكذا تخلص السادات من الشيوعيين والناصريين واليساريين, مع تباين جذري في رؤية المستقبل بينه وبين الجماعات الاسلامية الأصولية. رؤية السادات تكمن في القضاء علي المنحازين إلي الاتحاد السوفيتي حتي يدخل في علاقة عضوية مع كل من أمريكا واسرائيل بدون معوقات, ويعلن بعد ذلك أن حرب أكتوبر هي آخر الحروب وأن السلام هو البديل. أما رؤية الجماعات الاسلامية الأصولية فكامنة في ضرورة اقامة دولة الخلافة الاسلامية المحكومة بشرع الله, إلا أن السادات امتنع عن الاستجابة لهذا المطلب. والسؤال بعد ذلك: ماذا كان رد فعل هذه الجماعات؟ ضرورة قتل السادات استنادا إلي كتاب الفتاوي لابن تيمية وفيه فتوي تجيز قتل الحاكم المسلم إذا حكم بغير الاسلام, والخروج عليه وإقامة الدولة الاسلامية بالقوة المسلحة. وبناء علي هذه الفتوي قتل السادات في6 أكتوبر1981 أثناء العرض العسكري. وكان وزير داخليته حاول منعه من حضوره لأنه سيقتل. إلا أن السادات أصر علي الحضور ومن غير أن يرتدي القميص الواقي من الرصاص تحت البدلة العسكرية. والرأي عندي أن اصراره علي الذهاب إلي ساحة العرض بدون ذلك القميص مردود إلي توهمه أن فكرة العدو قد توارت بعد حرب أكتوبر. المزيد من مقالات مراد وهبة